منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بين أرباح السياحة وحقوق السكان.. اليونان تواجه أخطر اختبار لحماية جزرها من الانهيار

15 مايو 2026
السياحة الجماعية في اليونان
السياحة الجماعية في اليونان

تحولت السياحة خلال العقود الأربعة الماضية إلى أحد أهم مصادر الدخل في اليونان، خاصة بعد انضمام البلاد إلى الاتحاد الأوروبي وتوسع حركة الطيران منخفض التكلفة وانتشار منصات الحجز الرقمي، وبعد أزمة الديون الاقتصادية في 2009، اعتمدت الحكومات اليونانية بصورة متزايدة على السياحة لجذب العملات الأجنبية وإنعاش الاقتصاد، لكن النمو السريع في أعداد الزوار، خاصة في جزر البحر المتوسط الصغيرة، أدى تدريجياً إلى ضغوط بيئية وخدمية وسكنية متفاقمة.

وخلال السنوات الأخيرة، بدأت المجتمعات المحلية والمنظمات البيئية والحقوقية في التحذير من أن استمرار السياحة الجماعية دون ضوابط قد يحول بعض الجزر اليونانية إلى مناطق غير قابلة للحياة بالنسبة للسكان الأصليين، رغم الأرباح الضخمة التي يحققها القطاع سنوياً.

وفي هذا السياق، لم تعد جزيرة سانتوريني اليونانية التي طالما ظهرت في الصور السياحية بوصفها واحدة من أجمل جزر البحر المتوسط مكاناً هادئاً لسكانها المحليين، فخلال أشهر الصيف، تتحول الشوارع الضيقة إلى طوابير بشرية مكتظة، وتمتلئ الموانئ بالسفن السياحية العملاقة، في حين ترتفع أسعار الإيجارات إلى مستويات تدفع العمال والمعلمين والممرضين إلى مغادرة الجزيرة أو العيش في مساكن مؤقتة بعيدة عن أماكن عملهم، وفي ميكونوس ورودس وكوس، يتكرر المشهد ذاته مع ضغط غير مسبوق على المياه والكهرباء والنفايات والطرق، وسط تصاعد غضب السكان من نموذج سياحي يقولون إنه يحقق أرباحاً ضخمة لكنه يهدد حياتهم اليومية وبيئتهم وحقهم في السكن.

وأعلنت وزيرة السياحة اليونانية أولجا كيفالوجياني، خلال مؤتمر صحفي عقد في أثينا مؤخراً، أن الحكومة بدأت تطبيق برنامج جديد يهدف إلى الحد من السياحة الجماعية عبر فرض قيود عمرانية وتشديد شروط البناء في الجزر الأكثر تضرراً من الاكتظاظ السياحي، في حين وصف وزير البيئة ستافروس باباستافرو الخطة بأنها إصلاح تاريخي لحماية الموارد الطبيعية والبنية التحتية، وفق ما نقلته صحيفة “كاثيميريني” اليونانية ووكالة فرانس برس، وتشمل الإجراءات وضع قيود على الفنادق الجديدة في جزر مثل سانتوريني وميكونوس، بحيث لا تتجاوز سعة الفندق الجديد 100 سرير، إلى جانب تقسيم المناطق السياحية وفق مستوى الضغط البيئي والخدمي الذي تعانيه.

أرقام قياسية تزيد القلق

جاءت هذه الخطوة بعد إعلان بنك اليونان المركزي أن البلاد استقبلت خلال عام 2025 نحو 37.9 مليون سائح، بزيادة تجاوزت 5 بالمئة مقارنة بعام 2024، في حين ارتفعت عائدات السياحة إلى نحو 23.6 مليار يورو، بحسب بيانات رسمية نقلتها وكالة رويترز وصحيفة “إيكاثيميريني” اليونانية، ويعني ذلك أن عدد السياح بات يفوق عدد سكان اليونان بأكثر من ثلاثة أضعاف، إذ يقدر عدد سكان البلاد بنحو 10.4 ملايين نسمة فقط.

وأكد المجلس العالمي للسفر والسياحة أن القطاع السياحي أسهم بأكثر من 20 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لليونان خلال 2025، كما وفر مئات آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة، ما جعل الحكومات اليونانية المتعاقبة تعتمد عليه بوصفه أحد أهم أعمدة الاقتصاد الوطني بعد أزمة الديون التي ضربت البلاد منذ عام 2009.

لكن هذا النجاح الاقتصادي تحول، وفق تقارير أوروبية ويونانية، إلى مصدر ضغط هائل على المجتمعات المحلية والبنية التحتية والموارد الطبيعية، خاصة في الجزر الصغيرة التي تستقبل أعداداً تفوق قدرتها الاستيعابية بأضعاف خلال موسم الصيف.

جزر تحت الضغط

تشير بيانات بلدية سانتوريني التي نقلتها صحيفة “الغارديان” البريطانية، إلى أن الجزيرة تستقبل سنوياً ما بين 2.5 و3 ملايين زائر، رغم أن عدد سكانها الدائمين لا يتجاوز 15 ألف نسمة، كما تستقبل ميكونوس أعداداً ضخمة من السفن السياحية يومياً خلال موسم الذروة، ما يؤدي إلى ازدحام حاد في الطرق والمرافئ والمطارات.

وقال رئيس بلدية سانتوريني نيكوس زورزوس لوسائل إعلام أوروبية إن الجزيرة وصلت إلى حدودها القصوى، محذراً من أن استمرار التدفق السياحي بهذا الشكل يهدد استدامة الحياة فيها، وأضاف أن السلطات المحلية تواجه ضغوطاً يومية تتعلق بإمدادات المياه والكهرباء والنفايات والنقل.

كما كشفت تقارير لصحيفة “لوموند” الفرنسية أن بعض الجزر اليونانية تضطر خلال الصيف إلى نقل المياه عبر السفن بسبب ارتفاع الاستهلاك بشكل يفوق قدرة الخزانات المحلية ومحطات التحلية.

السياحة الجماعية في اليونان

أزمة سكن متفاقمة

تحولت أزمة الإسكان إلى واحدة من أخطر تداعيات السياحة الجماعية في اليونان، وأظهرت بيانات موقع “سبيتوجاتوس” العقاري اليوناني أن أسعار الإيجارات في بعض الجزر والمناطق السياحية ارتفعت بنسب تراوحت بين 30 و50 بالمئة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، مدفوعة بالتوسع الكبير للإيجارات السياحية قصيرة الأجل عبر منصات رقمية مثل “إير بي إن بي”.

وقالت صحيفة “إل باييس” الإسبانية إن آلاف الوحدات السكنية خرجت من السوق المحلية وتحولت إلى شقق مخصصة للسياح، ما أدى إلى تراجع المعروض السكني للمواطنين والعاملين المحليين.

وفي سانتوريني وميكونوس، اشتكى معلمون وأطباء وممرضون من صعوبة العثور على مساكن بأسعار مناسبة، في حين اضطر بعض العمال الموسميين إلى النوم داخل سياراتهم أو مشاركة غرف ضيقة بأسعار مرتفعة خلال موسم الصيف.

ونقلت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” عن سكان محليين قولهم إن بعض الجزر أصبحت مدناً للسياح فقط، حيث تتراجع الحياة الطبيعية تدريجياً لمصلحة الفنادق والمطاعم والمشروعات السياحية.

تهديدات وضغوط سياحية متزايدة

أصبحت التداعيات البيئية للسياحة المفرطة محوراً رئيسياً في النقاش داخل اليونان والاتحاد الأوروبي، وأكد برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن الجزر المتوسطية تواجه تهديدات متزايدة مرتبطة بالضغط السياحي، خاصة فيما يتعلق بإدارة النفايات واستهلاك المياه والتلوث البحري.

وفي مايو 2026 أعلنت الحكومة اليونانية حظر إقامة الأنشطة التجارية والمظلات السياحية على 251 شاطئاً ضمن المناطق البيئية الحساسة، بهدف حماية التنوع البيولوجي والشواطئ الطبيعية من التدهور الناتج عن الاستخدام السياحي المكثف، وفق ما نقلته صحيفة “تو فيما” اليونانية.

كما حذرت منظمات بيئية يونانية من أن التوسع العمراني السريع حول الشواطئ أدى إلى تدمير أجزاء من النظم البيئية الساحلية، في حين تسبب النشاط البحري والسفن السياحية في ارتفاع مستويات التلوث والانبعاثات الكربونية.

وتشير بيانات المفوضية الأوروبية إلى أن السفن السياحية أصبحت من أبرز مصادر التلوث الهوائي والبحري في عدد من الموانئ المتوسطية، خاصة خلال فصل الصيف.

منظمات حقوقية تدق ناقوس الخطر

ربطت منظمات حقوقية أوروبية بين أزمة السياحة الجماعية وحقوق الإنسان الأساسية، خصوصاً الحق في السكن والحق في بيئة سليمة، وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقارير متعلقة بأزمات الإسكان الأوروبية إن التوسع غير المنظم للإيجارات السياحية يؤدي إلى تآكل الحق في السكن ويدفع السكان المحليين خارج المدن والمناطق السياحية.

كما أكدت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالحق في السكن اللائق أن التحول الواسع للعقارات السكنية إلى وحدات سياحية قصيرة الأجل يفاقم أزمات الإسكان في المدن والجزر السياحية حول العالم.

وأشارت منظمة “غرينبيس” إلى أن السياحة الجماعية غير المنظمة تؤدي إلى استنزاف الموارد الطبيعية وتزيد من هشاشة المناطق الساحلية أمام التغير المناخي وحرائق الغابات والجفاف.

السياحة الجماعية في اليونان

التغير المناخي يضاعف الأزمة

تواجه اليونان في الوقت نفسه موجات حر وجفاف وحرائق غابات متكررة، ما يزيد من هشاشة الجزر السياحية، وخلال صيف 2025، سجلت السلطات اليونانية درجات حرارة قياسية تجاوزت 43 درجة مئوية في عدة مناطق، في حين شهدت بعض الجزر نقصاً حاداً في المياه.

وأكدت الوكالة الأوروبية للبيئة أن منطقة البحر المتوسط تعد من أكثر مناطق العالم تعرضاً لتداعيات التغير المناخي، خاصة فيما يتعلق بارتفاع الحرارة وشح المياه والتصحر، وأن استمرار التوسع السياحي دون ضوابط سيجعل الجزر اليونانية أكثر عرضة للأزمات المناخية، خاصة مع الارتفاع الكبير في استهلاك المياه والطاقة خلال أشهر الذروة.

احتجاجات أوروبية متصاعدة

لا تبدو اليونان وحدها في مواجهة أزمة السياحة الجماعية، إذ شهدت مدن أوروبية مثل برشلونة والبندقية وأمستردام ومايوركا احتجاجات متكررة ضد الاكتظاظ السياحي خلال المواسم الأخيرة، حيث تشهد أوروبا تحولاً تدريجياً من سياسة “زيادة أعداد الزوار بأي ثمن” إلى نموذج يركز على “السياحة المستدامة” التي توازن بين العائد الاقتصادي وحقوق السكان وحماية البيئة.

وفرضت مدينة البندقية الإيطالية رسوماً على الزوار اليوميين، في حين قررت برشلونة تشديد القيود على الإيجارات السياحية قصيرة الأجل، في حين بدأت أمستردام الحد من أعداد السفن السياحية داخل المدينة.

السياحة الجماعية في اليونان

معادلة صعبة

تواجه الحكومة اليونانية واحدة من أكثر المعادلات الاقتصادية والاجتماعية تعقيداً في أوروبا، إذ يعتمد الاقتصاد الوطني بصورة كبيرة على عائدات السياحة، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الشعبية والبيئية المطالبة بوضع قيود صارمة على التوسع السياحي الذي بات يرهق الجزر والمدن الساحلية ويؤثر بصورة مباشرة في حياة السكان المحليين.

وأكد بنك اليونان المركزي، في تقريره السنوي الصادر مطلع 2026، أن قطاع السياحة لا يزال يشكل أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد اليوناني، بعدما سجلت إيرادات السياحة خلال عام 2025 نحو 23.6 مليار يورو، مع استقبال البلاد ما يقارب 38 مليون زائر، وهو أعلى رقم تسجله اليونان في تاريخها الحديث، بحسب بيانات رسمية نقلتها وكالة رويترز وصحيفة “كاثيميريني” اليونانية، وأوضح البنك أن السياحة أسهمت بصورة مباشرة وغير مباشرة في توفير مئات آلاف الوظائف، كما لعبت دوراً أساسياً في دعم احتياطات النقد الأجنبي وتحسين ميزان المدفوعات بعد سنوات من أزمة الديون والانكماش الاقتصادي.

لكن هذه المكاسب الاقتصادية تترافق، وفق تحذيرات متزايدة من مسؤولين محليين وخبراء بيئيين ومنظمات حقوقية، مع أعباء اجتماعية وبيئية متفاقمة تهدد استدامة القطاع نفسه على المدى الطويل، وقال رئيس بلدية سانتوريني نيكوس زورزوس، في تصريحات نقلتها صحيفة “الغارديان” البريطانية، إن الجزيرة وصلت إلى حدودها القصوى، مضيفاً أن البنية التحتية المحلية لم تعد قادرة على تحمل التدفق المستمر للسياح والسفن السياحية العملاقة، خاصة خلال أشهر الصيف.

وفي ميكونوس ورودس وكوس، حذرت السلطات المحلية من تفاقم أزمات المياه والكهرباء والنفايات والازدحام المروري، في حين اشتكى سكان من ارتفاع أسعار الإيجارات بصورة غير مسبوقة نتيجة التوسع الكبير في الإيجارات السياحية قصيرة الأجل عبر المنصات الرقمية، وأكدت صحيفة “إل باييس” الإسبانية أن آلاف الوحدات السكنية تحولت خلال السنوات الأخيرة من مساكن محلية إلى شقق مخصصة للسياح، ما أدى إلى تراجع المعروض السكني للعاملين والسكان الدائمين.

كما ربطت المفوضية الأوروبية بين السياحة المفرطة والضغوط المتزايدة على الموارد الطبيعية في الجزر المتوسطية، خاصة المياه والطاقة وإدارة النفايات، وأشارت الوكالة الأوروبية للبيئة، في تقرير حول التغير المناخي والسياحة في البحر المتوسط، إلى أن الجزر اليونانية تعد من أكثر المناطق هشاشة أمام موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، ما يجعل الاستهلاك السياحي الكثيف للمياه والطاقة تحدياً متزايد الخطورة خلال السنوات المقبلة.

وفي السياق ذاته، قالت منظمة “غرينبيس” إن استمرار التوسع العمراني والسياحي دون ضوابط بيئية صارمة يهدد النظم البيئية الساحلية ويزيد من مخاطر تآكل الشواطئ والتلوث البحري وفقدان التنوع البيولوجي، كما حذرت منظمة هيومن رايتس ووتش من أن أزمة الإسكان المرتبطة بالسياحة المفرطة بدأت تؤثر في الحق في السكن والعمل اللائق، خاصة بالنسبة للعاملين الموسميين والأسر ذات الدخل المحدود.

وفي محاولة لتحقيق توازن بين العائد الاقتصادي وحماية المجتمعات المحلية، بدأت الحكومة اليونانية تطبيق حزمة من الإجراءات الجديدة تشمل فرض قيود على البناء في الجزر المكتظة، وتحديد سعة الفنادق الجديدة، وتشديد الرقابة على التوسع العمراني قرب الشواطئ والمناطق البيئية الحساسة، كما تدرس أثينا، بحسب صحيفة “تو فيما” اليونانية، فرض رسوم إضافية على السفن السياحية العملاقة التي تصل إلى الموانئ المزدحمة، في خطوة تهدف إلى تقليل الضغط على البنية التحتية المحلية.

ويرى أستاذ الاقتصاد السياحي في جامعة بحر إيجه اليونانية يورجوس بيتراكوس أن نجاح هذه الإجراءات سيعتمد على قدرة الحكومة على تنفيذ إصلاحات طويلة المدى، وليس الاكتفاء بالحلول المؤقتة، وقال في تصريحات نقلتها صحيفة “إيكاثيميريني” إن السياحة التي تدمر الموارد الطبيعية وتدفع السكان المحليين إلى مغادرة مناطقهم لن تكون مستدامة اقتصادياً حتى لو حققت أرباحاً مرتفعة على المدى القصير.

كما دعا برنامج الأمم المتحدة للبيئة ومنظمة السياحة العالمية إلى تبني نموذج السياحة المستدامة الذي يوازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة وحقوق السكان المحليين، محذرين من أن تجاهل الضغوط الاجتماعية والبيئية قد يؤدي إلى تراجع جاذبية الوجهات السياحية نفسها مستقبلاً.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية