تواصل السلطات الإيرانية تصعيد إجراءاتها ضد الصحفيين والمعارضين المقيمين خارج البلاد، عبر توسيع سياسة مصادرة الممتلكات والأموال داخل إيران، في خطوة يراها مراقبون امتداداً لمحاولات خنق الأصوات المعارضة حتى بعد مغادرتها البلاد.
وفي أحدث هذه التحركات، أعلنت السلطة القضائية الإيرانية مصادرة ممتلكات الصحفي البارز مهدي نصيري، رئيس تحرير صحيفة كيهان السابق، إلى جانب عشرات الأشخاص الآخرين، تحت مبررات تتعلق بالأمن القومي واتهامات بالارتباط بجهات أجنبية معادية.
القرار الجديد أثار جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والإعلامية في إيران، خصوصاً أن نصيري كان لسنوات طويلة محسوباً على التيار المحافظ المتشدد، قبل أن يتحول تدريجياً إلى أحد أبرز المنتقدين لهيمنة المؤسسة الأمنية والدينية على مفاصل الدولة، ويرى إيرانيون أن استهداف شخصية مثل نصيري يعكس حجم التوتر داخل النظام الإيراني، ويدل على اتساع دائرة الشكوك الرسمية تجاه أي صوت ينتقد السياسات الداخلية أو الخارجية للسلطات.
مصادرة باسم الشعب
ووفقاً لما أعلنته وكالة أنباء ميزان التابعة للسلطة القضائية الإيرانية، فإن السلطات صادرت ممتلكات 22 شخصاً في محافظة سمنان، بينهم مهدي نصيري، معتبرة أن هذه الخطوة تأتي “تماشياً مع الحقوق العامة ولمصلحة الشعب”، كما وصفت السلطة القضائية الأشخاص المستهدفين بأنهم “مرتبطون بالأعداء الأمريكيين والصهاينة”، واتهمتهم بالقيام بأنشطة ضد أمن البلاد خلال ما سمّته “الحرب المفروضة الثالثة”.
اللغة التي استخدمتها المؤسسات القضائية والأمنية الإيرانية في بياناتها الأخيرة تعكس استمرار النهج القائم على ربط المعارضة السياسية أو الإعلامية بالخيانة والتعاون مع جهات أجنبية، وتتهم السلطات الإيرانية معارضيها في الخارج بالمشاركة في حملات إعلامية وتحريضية تستهدف استقرار البلاد، في حين يرى ناشطون حقوقيون أن هذه الاتهامات تُستخدم لتبرير التضييق على الحريات وملاحقة الأصوات المنتقدة.
تحول مهدي نصيري
يمثل مهدي نصيري حالة سياسية وإعلامية لافتة داخل المشهد الإيراني، ففي تسعينيات القرن الماضي، كان من أبرز وجوه التيار المحافظ المتشدد، وترأس تحرير صحيفة كيهان المعروفة بقربها من مكتب المرشد الإيراني وبخطابها السياسي الحاد تجاه الغرب والإصلاحيين، وخلال تلك المرحلة، دافع نصيري بقوة عن السياسات المحافظة وعن دور المؤسسة الدينية في إدارة الدولة.
لكن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً تدريجياً في مواقفه السياسية والفكرية، إذ بدأ ينتقد أداء المؤسسة الأمنية، وطريقة تعامل الدولة مع الاحتجاجات الشعبية، كما عبّر عن اعتراضه على بعض سياسات الحرس الثوري والمرشد الإيراني، ومع تصاعد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية داخل إيران، أصبح نصيري أقرب إلى خطاب إصلاحي ينتقد مركزية السلطة وتغوّل الأجهزة الأمنية وانتهاكات حقوق الإنسان.
المعارضة تهديد أمني
خلال الأشهر الأخيرة، كثفت السلطات الإيرانية خطابها بشأن ما تصفه بالحرب الخارجية ضد النظام، خاصة مع تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، وفي هذا السياق، بدأت المؤسسات القضائية والأمنية تتعامل مع المعارضين المقيمين في الخارج باعتبارهم جزءاً من “مشروع معادٍ” يستهدف استقرار إيران.
وفي مارس 2026 حذر مكتب المدعي العام الإيراني المواطنين المقيمين خارج البلاد من تقديم أي دعم أو تعاون مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، مؤكداً أن أي شخص يثبت تعاطفه أو تعاونه مع “العدو الأمريكي الصهيوني” سيواجه مصادرة ممتلكاته وتطبيق عقوبات قانونية بحقه.
هذا التصعيد ترافق مع حملات إعلامية رسمية تتهم المعارضين الإيرانيين في الخارج بالمشاركة في تأجيج الاحتجاجات الداخلية والتواصل مع وسائل إعلام ومنظمات أجنبية، كما تستخدم السلطات مصطلحات مثل “الخيانة” و”التآمر” و”التعاون مع الأعداء” في توصيف الأنشطة السياسية والإعلامية المعارضة.
توسيع دائرة المصادرات
ولم تقتصر الإجراءات الأخيرة على محافظة سمنان، إذ أعلنت السلطة القضائية في محافظة همدان خلال الأسبوع الجاري مصادرة واسعة لأصول تعود إلى 40 شخصاً، بتهم تتعلق بـ”الخيانة” و”التواطؤ مع شبكات معادية”، وتشمل الأصول المصادرة عقارات وأموالاً وممتلكات مختلفة، قالت السلطات إنها ستستخدم في “إعادة إعمار البنية التحتية المتضررة” وفي “الشؤون العامة”.
هذه الخطوات تمثل توجهاً جديداً نحو استخدام الأدوات الاقتصادية لمعاقبة المعارضين، خصوصاً أولئك الذين غادروا البلاد ويواصلون نشاطهم السياسي أو الإعلامي من الخارج، كما يخشى كثير من الإيرانيين المقيمين في المهجر من أن تمتد هذه الإجراءات إلى عائلاتهم وأقاربهم داخل إيران، عبر تجميد الأصول أو فرض قيود قانونية وإدارية عليهم.
ويقول معارضون إن السلطات الإيرانية تسعى من خلال هذه السياسات إلى خلق حالة من الردع والخوف، لمنع المواطنين من الانخراط في أي نشاط سياسي أو إعلامي معارض، سواء داخل البلاد أو خارجها.
تصاعد الضغوط الداخلية
تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه إيران تحديات داخلية متزايدة، تشمل أزمات اقتصادية خانقة وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، إلى جانب استمرار التوتر السياسي والاجتماعي بعد موجات الاحتجاج التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، وتداعيات الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كما تعاني الحكومة الإيرانية من ضغوط دولية متواصلة تتعلق بملفات حقوق الإنسان والبرنامج النووي والدور الإقليمي لطهران.
شهدت إيران خلال العقود الماضية موجات متكررة من التضييق على الصحفيين والنشطاء والمعارضين السياسيين، خاصة بعد الاحتجاجات الشعبية والأزمات السياسية الكبرى التي عرفتها البلاد منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، وتتهم منظمات حقوقية دولية السلطات الإيرانية باستخدام القضاء والأجهزة الأمنية أدوات لملاحقة المعارضين وتقييد حرية التعبير، عبر الاعتقالات والمحاكمات السياسية ومنع السفر وتجميد الأصول ومصادرة الممتلكات.
