منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بلا هوية ولا حماية.. آلاف الأشخاص من مكتومي القيد يعانون في لبنان

09 أغسطس 2026
قلق حقوقي متزايد إزاء أزمة مكتومي القيد في لبنان
قلق حقوقي متزايد إزاء أزمة مكتومي القيد في لبنان

في لبنان، لا ترتبط أزمة انعدام الهوية دائما باللجوء أو عبور الحدود، بل يعيش آلاف الأشخاص داخل البلاد من دون اعتراف قانوني بوجودهم، في واحدة من أكثر قضايا انعدام الجنسية تعقيدا واستمرارا في المنطقة، فمكتومو القيد، الذين حُرموا من التسجيل الرسمي لأسباب تاريخية وإدارية وقانونية متراكمة، يواجهون يوميا واقعا قاسيا يحرمهم من أبسط الحقوق الأساسية المرتبطة بالمواطنة والوجود القانوني.

ولا تقتصر تداعيات انعدام الجنسية على غياب الوثائق الرسمية فقط، بل تمتد إلى التعليم والرعاية الصحية والعمل والتنقل والزواج وتسجيل الولادات، ما يدفع آلاف العائلات إلى العيش على هامش المجتمع خارج مظلة الحماية القانونية والاجتماعية.

ومع مرور العقود، تحوّلت القضية من خلل إداري محدود إلى أزمة حقوقية وإنسانية تهدد بانتقال الحرمان القانوني إلى أجيال جديدة، في ظل غياب حلول شاملة تعالج جذور المشكلة.

وتعود جذور هذه الأزمة إلى تعقيدات تاريخية مرتبطة بإحصاء عام 1932 ونظام التسجيل المدني وقوانين الجنسية اللبنانية، وهي عوامل أسهمت في إنتاج فئات واسعة بقيت خارج الاعتراف الرسمي بالدولة.

ويجعل هذا الواقع من لبنان نموذجا بارزا لكيفية تحوّل الثغرات القانونية والإدارية إلى أزمة ممتدة تمس الحق في الهوية والانتماء والحماية القانونية لآلاف الأشخاص عبر الأجيال.

من هم مكتومو القيد؟

مكتوم القيد هو الشخص غير المسجل رسميا في سجلات الأحوال الشخصية اللبنانية، وبالتالي لا يمتلك أوراقا ثبوتية أو جنسية معترفا بها.

ويختلف وضع مكتومي القيد عن اللاجئين أو الأجانب المقيمين، إذ إن كثيرين منهم ولدوا في لبنان وينتمون إلى عائلات لبنانية لكنها لم تتمكن من تثبيت قيودها المدنية.

وترتبط المشكلة تاريخيا بإحصاء عام 1932 الذي استُبعدت منه مجموعات سكانية متعددة، إضافة إلى حالات الولادات غير المسجلة والزواج غير الموثق وعدم استكمال المعاملات الإدارية ضمن المهل القانونية.

ولا توجد حتى اليوم إحصائية رسمية دقيقة ونهائية لعدد مكتومي القيد في لبنان، إلا أن تقديرات حقوقية وإعلامية حديثة تشير إلى أن العدد يتجاوز 90 ألف شخص.

كما تؤكد مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين أن العدد الحقيقي للأشخاص عديمي الجنسية في لبنان لا يزال غير معروف بدقة بسبب غياب الإحصاءات الرسمية الشاملة، في وقت تستمر فيه حالات انعدام الجنسية بالانتقال من جيل إلى آخر.

وفي تقرير نشرته الأمم المتحدة في لبنان عام 2024 أوضحت المفوضية أن برامج الدعم القانوني ساعدت نحو 1500 شخص عديم الجنسية من أصل لبناني على معالجة أوضاعهم القانونية والحصول على الجنسية أو الوثائق الرسمية، كما أسهمت في تمكين نحو 7000 طفل وطفلة من الوصول إلى الوثائق المدنية ومنع تحولهم إلى حالات انعدام جنسية مستقبلية.

أزمة تتجاوز الأوراق الرسمية

تُعتبر ثغرات نظام التسجيل المدني وقوانين الجنسية من أبرز أسباب استمرار الأزمة؛ فقوانين الجنسية اللبنانية التي تعتمد بصورة أساسية على نقل الجنسية عبر الأب فقط أسهمت في تعقيد أوضاع أطفال ولدوا لأمهات لبنانيات وآباء غير لبنانيين أو مجهولي الجنسية، كما يؤدي ضعف تسجيل الولادات وعدم استكمال المعاملات القانونية ضمن المهل المحددة إلى ظهور حالات جديدة من مكتومي القيد.

وتؤكد مفوضية اللاجئين أن الفئات الأكثر فقرا وتهميشا تواجه صعوبات أكبر في الوصول إلى الدوائر الرسمية وإنجاز معاملات التسجيل المدني، ما يعمّق هشاشة هذه الفئة ويزيد من احتمالات انتقال الأزمة إلى الأبناء والأحفاد.

ويعاني مكتومو القيد من حرمان واسع من الحقوق الأساسية، إذ يواجه كثيرون منهم صعوبة في الالتحاق بالمدارس الرسمية أو الحصول على الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية، كما تمنعهم أوضاعهم القانونية من العمل بشكل رسمي أو التنقل بحرية أو السفر خارج البلاد، إضافة إلى عدم قدرتهم على تسجيل الزواج أو الولادات أو التملك.

وتوضح مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين أن الأشخاص عديمي الجنسية في لبنان يواجهون قيودا شديدة على الوصول إلى الخدمات العامة والحقوق المدنية، ما يؤدي إلى تفاقم التهميش الاجتماعي والاقتصادي ويجعلهم أكثر عرضة للفقر والهشاشة.

أزمة تهدد الاستقرار

يرى الباحث والمحلل السياسي اللبناني طارق أبو زينب، أن استمرار وجود فئة مكتومي القيد في لبنان يشكّل خللا بنيويا خطيرا في منظومة الدولة القانونية، ويتجاوز كونه مسألة إدارية ليصل إلى مستوى انتهاك واضح للحقوق الأساسية التي كفلتها المواثيق الدولية.

ويؤكد أبو زينب في حديثه لـ«صفر» أن غياب الهوية القانونية يحرم آلاف الأفراد من أبسط حقوقهم، بدءا من التعليم والرعاية الصحية وصولا إلى العمل والاندماج الاجتماعي، ما يضعهم في حالة تهميش قسري ويحوّلهم إلى فئة غير مرئية داخل المجتمع اللبناني. كما يعتبر أن هذا الواقع يتعارض مع التزامات لبنان الدولية المتعلقة بالحق في الجنسية وعدم التمييز.

ويشير إلى أن المسؤولية تقع بصورة مباشرة على الدولة اللبنانية لمعالجة الأزمة عبر إصلاح نظام التسجيل المدني وضمان تسجيل جميع الولادات ووضع آلية قانونية واضحة لإنهاء حالات انعدام الجنسية، محذرا من أن تجاهل الملف قد يؤدي إلى ظهور أجيال جديدة خارج الإطار القانوني، بما يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي مستقبلا.

الهوية كحق أساسي

من جانبه يؤكد الخبير في القانون الدولي أحمد المهزا أن غياب المعالجة القانونية الشاملة لملف مكتومي القيد في لبنان يشكل انتهاكًا مباشرًا لمنظومة الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الهوية القانونية والجنسية وعدم التمييز.

ويقول المهزا في حديثه لـ«صفر» إن الأشخاص مكتومي القيد يعيشون حالة من الإقصاء القسري بسبب حرمانهم من الاعتراف القانوني الكامل، ما ينعكس على قدرتهم في الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والعمل والحماية الاجتماعية، ويجعلهم أكثر عرضة للفقر والتهميش والاستغلال.

كما يحذر من أن استمرار الأزمة لا يؤثر على الأفراد فقط، بل يخلق أزمات اجتماعية مزمنة تمتد إلى الأجيال اللاحقة.

ويشير إلى أن معالجة الأزمة تتطلب إصلاحات قانونية وإدارية عاجلة تبدأ بتطوير نظام التسجيل المدني وضمان تسجيل جميع الولادات دون تعقيدات إدارية أو مالية، إضافة إلى وضع آليات واضحة لمعالجة أوضاع الأشخاص عديمي الجنسية ومنع انتقال انعدام الجنسية إلى الأطفال.