منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بعد 40 عاماً من الإعلان.. الحق في التنمية يصطدم بفجوة العدالة داخل مجلس حقوق الإنسان

11 سبتمبر 2026
بعد 40 عامًا من الإعلان.. الحق في التنمية يصطدم بفجوة العدالة داخل مجلس حقوق الإنسان
بعد 40 عامًا من الإعلان.. الحق في التنمية يصطدم بفجوة العدالة داخل مجلس حقوق الإنسان

بعد أربعة عقود على اعتماد إعلان الأمم المتحدة بشأن الحق في التنمية، عاد مجلس حقوق الإنسان إلى مناقشة مدى التقدم الذي تحقق في إعمال هذا الحق، وما إذا كان المجتمع الدولي قد نجح في تحويل المبادئ التي حملها الإعلان إلى واقع ملموس ينعكس على حياة الشعوب، في ظل اتساع فجوات عدم المساواة، وتزايد أعباء الديون، وتراجع تمويل التنمية، وتداعيات تغير المناخ والأزمات والنزاعات.

وجاءت المناقشة ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال الاجتماع السابع من أعمال الدورة، في إطار المناقشة التي تُعقد كل عامين بشأن الحق في التنمية، عملا بقرارَي المجلس 42/23 و60/7، وبمشاركة نائبة مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان أوا دابو، وأعضاء من فريق الخبراء وآلية الخبراء المعنية بالحق في التنمية، إلى جانب ممثلي عدد من الدول والمنظمات الإقليمية والدولية.

وأكدت أوا دابو أن التنمية ليست مجرد مسار اقتصادي، وإنما حق من حقوق الإنسان، مشيرة إلى أن الدول أقرت هذه الحقيقة قبل 40 عاماً، عندما اعتمدت إعلان الحق في التنمية، الذي تعهد بتمكين جميع الناس من المشاركة في القرارات التي تؤثر في حياتهم، وضمان توزيع عادل للموارد الاقتصادية، بما في ذلك بالنسبة إلى الفئات التي غالباً ما تتعرض للتهميش والاستبعاد، وفي مقدمتها النساء والفقراء وغيرهم من الفئات الأكثر عرضة للحرمان.

وأوضحت أن إعمال هذا الحق يتطلب معالجة الانتهاكات الهيكلية والمتوارثة التي حرمت أعداداً كبيرة من الناس من الموارد والقدرة على المشاركة في رسم اقتصاداتهم ومجتمعاتهم، وأسهمت في تعميق أوجه عدم المساواة داخل البلدان وفيما بينها. كما ربطت بين الحق في التنمية وإصلاح النظام الاقتصادي والمالي الدولي، معتبرة أن البلدان التي ظلت تاريخياً مستبعدة من دوائر صنع القرار تحتاج إلى صوت وتمثيل أكبر، خصوصاً في إطار إصلاح الهيكل المالي الدولي.

ورغم ما وصفته بالتقدم الذي تحقق خلال العقود الأربعة الماضية، أشارت نائبة المفوض السامي إلى أن أعداداً كبيرة من البشر لا تزال محرومة من الفرص الأساسية.

واستشهدت بتقديرات مختبر عدم المساواة العالمي التي تشير إلى أن نحو 2.8 مليار شخص، أي نصف السكان البالغين في العالم تقريباً، يتقاسمون دخلاً سنوياً يعادل ما يحصل عليه أغنى 5600 شخص في العالم.

وتترافق هذه الفجوات مع ضغوط متزايدة على الإنفاق العام، في ظل أعباء الديون وشروط التجارة غير المتكافئة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على قدرة الدول على تمويل الخدمات الأساسية. ولفتت دابو إلى التفاوت الكبير في متوسط الإنفاق على التعليم، إذ يبلغ نحو 200 يورو لكل طفل في دول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، مقابل 7400 يورو في أوروبا و9000 يورو في أمريكا الشمالية وأوقيانوسيا.

وفي الوقت نفسه، تواجه أهداف التنمية المستدامة مساراً متعثراً، إذ تتجاوز فجوة تمويلها عالمياً 4 تريليونات دولار سنوياً، بينما لا يسير أكثر من 36% من الأهداف القابلة للقياس على المسار الصحيح، وأصبح نحو 15% منها في وضع أسوأ مما كان عليه عام 2015.

وترى دابو أن هذه المؤشرات تكشف حجم الفجوة بين الالتزامات الدولية والواقع، خصوصاً مع استمرار الأزمات المناخية والبيئية، من تغير المناخ والتلوث إلى فقدان التنوع البيولوجي، وهي أزمات تضرب بصورة أشد البلدان الأقل قدرة على مواجهتها.

وفي هذا السياق، دعت إلى عدم انتظار أربعة عقود أخرى لإعمال الحق في التنمية، مؤكدة أن المرحلة المقبلة تتطلب تعاوناً يتجاوز الحدود والمجموعات الإقليمية، ويعالج أوجه عدم المساواة والظلم، ويضمن وجود أطر تنموية قادرة على إعمال حقوق الإنسان للجميع.

من جانبه، اعتبر روبيرتو بنيتيز بيرسون، عضو الفريق العامل المعني بالحق في التنمية، أن إعلان عام 1986 يمثل حدثاً تاريخياً لأنه أضفى طابعاً رسمياً على الاعتراف بالحق في التنمية باعتباره حقاً من حقوق الإنسان غير القابلة للتصرف، كما قدم مفهوماً متكاملاً للتنمية يتجاوز النمو الاقتصادي، وأكد مسؤولية الدول عن التعاون والعمل المشترك للتغلب على العقبات التي تعترض التنمية.

إلا أن بيرسون أشار إلى فجوة أساسية تتمثل في أن الإعلان، رغم أهميته، ليس صكاً ملزماً قانوناً، الأمر الذي حال دون إعطاء الحق في التنمية الأثر القانوني المطلوب، وجعله، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من دول الجنوب العالمي، أقرب إلى طموح لم يتحول بعد إلى التزام قابل للإنفاذ.

ودعا إلى اعتماد عهد دولي بشأن الحق في التنمية، معتبراً أن وجود وثيقة ملزمة قانوناً سيضع التنمية في صميم جدول الأعمال الدولي، ويتيح معالجة التحديات النظامية والهيكلية التي تواجهها الدول، كما سيكرس الحق في التنمية ضمن القانون الدولي لحقوق الإنسان على قدم المساواة مع الحقوق الأخرى، من خلال التزامات محددة للدول.

وأوضح أن مشروع العهد الذي أوصى مجلس حقوق الإنسان بالنظر فيه من جانب الجمعية العامة يمثل أساساً مناسباً للعمل، وإن كان يمكن تطوير بعض جوانبه، خصوصاً ما يتعلق بالتزامات الدول بالتعاون والتنفيذ والمتابعة. وشدد على أن التدابير الوطنية وحدها لا تكفي لمعالجة العقبات الهيكلية، وأن التعاون الدولي يجب أن يكون جزءاً أصيلاً من أي إطار قانوني للحق في التنمية.

وأشار إلى أن مشروع العهد، بصيغته الحالية، يحتاج إلى تعزيز آليات التنفيذ والمتابعة، لكنه رأى فيه اتفاقية إطارية يمكن استكمالها مستقبلاً ببروتوكولات إضافية تضع التزامات أكثر تحديداً موضع التنفيذ.

وفيما يتعلق بآفاق اعتماد العهد، أشار بيرسون إلى أن التقدم في نيويورك خلال السنوات الماضية كان محدوداً، مع عدم وجود خريطة طريق واضحة حتى الآن، لكنه أعرب عن اعتقاده بأن أغلبية الدول الأعضاء تدعم اعتماد الوثيقة، متوقعاً تكثيف المفاوضات خلال الأشهر المقبلة، بهدف اعتمادها في عام 2027 أو في موعد أقصاه 2028.

وفي المقابل، شددت دوروتي بوتزل، ممثلة الاتحاد الأوروبي، على أن الحق في التنمية حق عالمي وغير قابل للتصرف وغير قابل للتجزئة، وينبع من الكرامة الإنسانية، معتبرة أن التنمية الحقيقية لا يمكن اختزالها في مؤشرات النمو الاقتصادي، بل يجب أن تترافق مع حقوق الإنسان والحريات الأساسية والديمقراطية.

وأكدت أن الحوكمة الرشيدة وسيادة القانون والمؤسسات الشفافة والخاضعة للمساءلة ومكافحة الفساد والمشاركة الهادفة، بما في ذلك مشاركة المجتمع المدني، تمثل شروطاً أساسية لاستدامة مكاسب التنمية. كما شددت على أن المساواة بين الجنسين ليست أجندة منفصلة عن التنمية، وأن استبعاد النساء والفتيات من التعليم والرعاية الصحية والفرص الاقتصادية وحقوق الملكية والمشاركة السياسية يقوض عدالة واستدامة أي عملية تنموية.

وعرضت بوتزل حجم المساهمة الأوروبية في التنمية، مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية قدموا العام الماضي 112.5 مليار دولار من المساعدات الإنمائية الرسمية، وهو ما يمثل قرابة نصف إجمالي المساعدات الإنمائية التي قدّمتها الدول المانحة الأعضاء في لجنة المساعدة الإنمائية.

كما أشارت إلى استراتيجية البوابة العالمية، التي قالت إنها حشدت أكثر من 306 مليارات يورو خلال أربع سنوات لتمويل مشروعات في مجالات الاتصال الرقمي والمناخ والصحة والتعليم والطاقة، إلى جانب دعم تصنيع اللقاحات والأدوية ومنتجات التكنولوجيا الصحية في إفريقيا، معتبرة أن هذه المشروعات تمثل تطبيقاً عملياً للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

اكوا دابو

ومن الجانب الإفريقي، قدم فرانس فيليون، مدير مركز حقوق الإنسان بجامعة بريتوريا وعضو الفريق العامل المعني بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في إفريقيا، تجربة القارة باعتبارها إحدى أقدم التجارب القانونية في الاعتراف بالحق في التنمية.

وأشار إلى أن الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، الذي اعتمد عام 1981 ودخل حيز النفاذ عام 1986، ذهب إلى أبعد من إعلان الأمم المتحدة عندما اعترف في المادة 22 بالحق في التنمية كحق قائم بذاته وقابل للإنفاذ قانوناً، مع إلزام الدول، بصورة فردية وجماعية، بضمان ممارسته.

واستشهد فيليون بأحكام اللجنة الإفريقية والمحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، التي أكدت أن التنمية لا يمكن فرضها على الشعوب دون مشاركتها، وأن استبعاد المجتمعات من القرارات والمنافع المرتبطة بأراضيها ومواردها يمكن أن يشكل انتهاكاً للحق في التنمية.

ورأى أن التجربة الإفريقية تقدم دليلاً على أن التنمية ليست مجرد نمو اقتصادي، وإنما عملية قائمة على حقوق الإنسان، تقوم على المشاركة والإنصاف والمساءلة واحترام أنماط حياة المجتمعات.

في المقابل، أقرّ بأن تطبيق الحق في التنمية لا يزال محدوداً على المستوى الوطني في العديد من الدول الإفريقية، مشيراً إلى أن عدداً قليلاً من الدساتير الإفريقية ينص صراحة على هذا الحق، وأن الاجتهاد القضائي المحلي بشأنه لا يزال نادراً.

وأوضح فيليون أن دراسة حديثة شملت 51 خطة وطنية للتنمية في دول إفريقية لم تجد خطة تنص صراحة على أنها قائمة على الحق في التنمية.

وأشار إلى أن اللجنة الإفريقية بدأت عام 2024 إعداد تعليق عام بشأن الحق في التنمية بهدف توضيح التزامات الدول وتوفير فهم أعمق لهذا الحق، داعياً إلى الربط بين هذه العملية ومشروع العهد الدولي الجاري بحثه على المستوى الأممي.

بعد 40 عامًا من الإعلان.. الحق في التنمية يصطدم بفجوة العدالة داخل مجلس حقوق الإنسان

أما جوانا ماريا إيبانيز ريفاس، عضو آلية الخبراء المعنية بالحق في التنمية، فأكدت أن الآليات الإقليمية يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في حماية الحق في التنمية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من خلال الصكوك الإقليمية، أو عبر الاستناد إلى أهداف التنمية المستدامة وغيرها من الأطر الدولية.

وأشارت إلى تجربة نظام حقوق الإنسان في الأمريكتين، حيث تطورت اجتهادات قضائية بشأن التنمية الشاملة، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وحقوق الشعوب الأصلية في تقرير مصيرها فيما يتعلق بعمليات التنمية الخاصة بها.

وأكدت أن هذه التجارب يمكن أن توفر أساساً عملياً لخريطة طريق دولية لإعمال الحق في التنمية، داعية إلى تعزيز التعاون بين الدول، والمجتمع المدني، والأوساط الأكاديمية، والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، وآليات الأمم المتحدة.

وخلال النقاش، توحّدت مواقف عدد كبير من الدول حول الحاجة إلى معالجة العوائق الهيكلية أمام التنمية، وإن اختلفت مواقفها بشأن بعض القضايا السياسية والاقتصادية؛ فقد أكدت مجموعة أصدقاء ميثاق الأمم المتحدة، في بيان ألقته فنزويلا، أن الحق في التنمية يتطلب تعاوناً وتضامناً دوليين، ووصولاً منصفاً إلى التمويل والتكنولوجيا، واحترام سيادة الدول على ثرواتها ومواردها الطبيعية.

كما دعمت “حركة عدم الانحياز”، في بيان ألقته أوغندا، وضع خريطة طريق للتفعيل العملي للحق في التنمية، بما في ذلك اعتماد مشروع العهد الدولي. وأكدت دول مثل سريلانكا وإثيوبيا وباكستان وماليزيا والهند ونيجيريا وكينيا وبنغلاديش وإندونيسيا وفيتنام ضرورة تعزيز التمويل الدولي، ومعالجة الديون، وتقليص الفجوة التكنولوجية، وتوفير بيئة دولية أكثر إنصافاً للبلدان النامية.

وتكررت خلال النقاش الإشارة إلى أثر التدابير القسرية الانفرادية. فقد اعتبرت فنزويلا وإيران وإثيوبيا وزيمبابوي ودول أخرى أن هذه الإجراءات تقيد قدرة الدول النامية على تنفيذ سياساتها التنموية، بينما دعت إلى إزالة ما وصفته بالعقبات الاقتصادية والمالية والتجارية التي تعرقل التنمية.

وفي السياق ذاته، ركّزت الصين على اتساع الفجوة التنموية بين الشمال والجنوب وعلى الحاجة إلى إعطاء الأولوية للتنمية في الأجندة الدولية، بينما ربطت باكستان بين الحق في التنمية والتقنيات الناشئة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، محذرة من أن يؤدي التطور التكنولوجي إلى تعميق الفجوة الرقمية بين الدول.

وأكدت دول أخرى، من بينها قطر والإمارات ومصر، أهمية التعاون الدولي والاستثمار في الإنسان وتعزيز أهداف التنمية المستدامة.

وقالت مصر إن الذكرى الأربعين للإعلان تمثل فرصة لتجديد الالتزام بالحق في التنمية، مشددة على أن التنمية ليست شأناً محلياً، وأن المجتمع الدولي مطالب بالانتقال من الوعود إلى العمل الملموس.

وفي ختام المناقشة، عاد أعضاء الفريق إلى التأكيد على أن اعتماد عهد دولي ملزم بشأن الحق في التنمية يمثل أحد أبرز المسارات المطروحة للمرحلة المقبلة.

ورأى بيرسون أن اجتماع الجمعية العامة المقرر في 23 سبتمبر بمناسبة الذكرى الأربعين للإعلان يمكن أن يوفر دفعة سياسية جديدة للمفاوضات، بينما أكد أن وجود التزام واضح بالتعاون الدولي سيكون عنصراً أساسياً في أي عهد مستقبلي.

وشدد فيليون على أن العهد يمكن أن يوفر أساساً قانونياً لأجندة التنمية لما بعد عام 2030، وأنه ينبغي أن تسير عملية اعتماده بالتوازي مع إعادة تصور الأجندة التنموية العالمية، بحيث تصبح حقوق الإنسان جزءاً أصيلاً من إطار التنمية المقبل.

أما إيبانيز ريفاس فأكدت أن المجتمع الدولي لا يحتاج إلى انتظار اعتماد العهد للبدء في العمل، مشيرة إلى وجود أساس قائم بالفعل يتمثل في الصكوك الإقليمية والاجتهاد القضائي وخطط التنمية الوطنية، إلى جانب الخبرات المتراكمة التي يمكن الاستفادة منها في بناء خريطة طريق عملية.

وبذلك عكست المناقشة بعد أربعة عقود من إعلان الحق في التنمية اتفاقاً واسعاً على أن الاعتراف المبدئي لم يعد كافياً، وأن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من إعلان الحق إلى ضمان ممارسته.

وبينما تتجه الأنظار إلى مفاوضات مشروع العهد الدولي، يبقى السؤال الأبرز هو قدرة الدول والمجتمع الدولي على بناء نظام اقتصادي وتنموي يتيح لجميع الشعوب المشاركة في التنمية والاستفادة من ثمارها، ويجعل الحق في التنمية معياراً يقاس بما يتغير في حياة الناس، لا بعدد القرارات والإعلانات الدولية.