منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بريطانيا عالقة في حلقة يأس.. الناس لا يثقون في الديمقراطية لكن بناء «حلقة أمل» لا يزال ممكناً

03 يونيو 2026
"هذه هي الحلقة المفرغة التي شلتنا: الناس لا يثقون بالحكومة، لذلك لا تستطيع الحكومة الوفاء بالتزاماتها، وبالتالي تتآكل الثقة أكثر فأكثر."
"هذه هي الحلقة المفرغة التي شلتنا: الناس لا يثقون بالحكومة، لذلك لا تستطيع الحكومة الوفاء بالتزاماتها، وبالتالي تتآكل الثقة أكثر فأكثر."

بولي كيرتس

ما سيحدث بعد ذلك؟ هل سيفوز آندي بورنهام في الانتخابات الفرعية بدائرة ميكرفيلد؟ هل سيواصل كير ستارمر قيادة الحكومة؟ هل يترشح ويس ستريتينج؟ وهل يستطيع حزب الإصلاح الفوز بالانتخابات العامة المقبلة؟ وهل الصعود الحالي لحزب الخضر حقيقي أم مؤقت؟

أسئلة لا تتوقف، وتحليلات سياسية تحولت إلى ما يشبه متابعة نتائج المباريات الرياضية. قبل أيام، أرسل لي أحد رؤساء التحرير رسالة يسألني فيها من سيكون رئيس الوزراء بحلول عيد الميلاد؛ لأنه -على حد قوله- وضعني ضمن «قائمة الأذكياء». أجبته ببساطة: لا أعرف. فجاء رده سريعاً: إذن أنت خارج القائمة.

لكن ما يقلقني حقاً ليس هوية رئيس الوزراء المقبل، بل أن ينشغل الجميع بهذه التكهنات في حين يتم تجاهل الأزمة الأعمق. فالمواطنون في بريطانيا لا يفقدون الثقة في هذه الحكومة فقط، بل يفقدون الثقة في الديمقراطية نفسها.

هذا الشعور البارد والمثقل بالإحباط يظهر بوضوح في استطلاعات الرأي، وفي مجموعات النقاش، بل وفي نظرات الناخبين أنفسهم. السياسيون يدركون ذلك جيداً، وهذه الحقيقة تجعل البلاد أكثر صعوبة في الحكم يوماً بعد يوم.

في خضم النقاشات حول أسباب تعثر الحكومات، يتم تجاهل نقطة أساسية: لا يمكنك قيادة بلد لا يثق بك.

الأمر يشبه مؤسسة عمل سامة فقد العاملون فيها الإيمان بقيادتها. هناك مقولة شهيرة تقول إن «الثقافة التنظيمية تلتهم الاستراتيجية على الغداء». يمكنك وضع أفضل الخطط، لكنك لن تنجح في تنفيذها إذا كان الناس لا يثقون بك. والفشل عندها يصبح حتمياً.

نحن عالقون اليوم داخل ما أسميه «حلقة اليأس». الناس لا يثقون بالحكومة، لذلك تعجز الحكومة عن الإنجاز، فيتراجع مستوى الثقة أكثر فأكثر. ومع كل دورة جديدة تتسارع وتيرة الفشل.

ولهذا نرى الناخبين يتجهون نحو خيارات سياسية أكثر غرابة وتطرفاً. فالكثير منهم بات يسأل: هل يمكن أن تكون هذه البدائل أسوأ؟ والإجابة للأسف هي نعم. هذا هو الشكل الحقيقي للتراجع الديمقراطي، وهذه حالة طوارئ ديمقراطية بكل معنى الكلمة.

ولا أرى في المشهد السياسي من يقدم إجابة حقيقية لهذه الأزمة. الجميع يكرر العبارة ذاتها: «علينا أن نحقق الإنجازات». لكن الإنجاز وحده لا يكفي إذا كانت الشرعية والثقة مفقودتين.

اليمين المتطرف واليسار الراديكالي يقدمان حلولاً سهلة وغير قابلة للتطبيق هرباً من الأسئلة الصعبة. أما التيار الوسطي فيغرق في التفاصيل التقنية. وحتى عندما يتحدث توني بلير عن الحاجة إلى قيادة قوية، فإنه يستند إلى نماذج من التكنولوجيا الكبرى والنخب النافذة، في حين تكمن المشكلة في مكان آخر تماماً.

المسألة ليست فرض مزيد من الإرادة على الناس بزعم العمل لمصلحتهم، بل الإصغاء إليهم بصورة فضلى، ومنحهم دوراً حقيقياً في اتخاذ القرار من أجل استعادة الشرعية وبناء ما أسميه «حلقة الأمل».

من وجهة نظري، الحل لا يكمن في تقليص الديمقراطية، بل في توسيعها.

بدلاً من التخلي عن المعايير الديمقراطية كما يحدث في دول عديدة، نحتاج إلى تطوير الديمقراطية نفسها وإصلاح العلاقة المتصدعة بين الدولة ومؤسساتها والمواطنين. علينا أن نجعل الناس يؤمنون مجدداً بفكرة الديمقراطية.

الديمقراطية تحتاج إلى نظام تشغيل جديد.

قد تساعد أنظمة التمثيل النسبي أو التصويت الإلزامي على الطريقة الأسترالية في جعل الأصوات أكثر عدالة، لكن الأهم هو تغيير التجربة اليومية للمواطن مع الديمقراطية. هناك أدوات حديثة تسمح بإشراك الناس بصورة أوسع، منها استخدام الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع وتفويض المزيد من السلطات للمجتمعات المحلية، بحيث يشعر المواطن بأنه مسموع وأن رأيه يحدث فرقاً.

كما تحتاج الديمقراطية إلى منظومة جديدة لتقديم الخدمات العامة.

فالثقة في الدولة تتآكل مع كل تجربة يومية يشعر فيها المواطن بالتجاهل أو البيروقراطية أو الحرمان من الخدمات. الإصلاح الحقيقي يجب أن يقوم على الاحترام والوقاية من المشكلات قبل وقوعها، وليس على إدارة الأزمات بعد تفاقمها.

وتحتاج الديمقراطية كذلك إلى نظام معلومات جديد.

فوسائل التواصل الاجتماعي مزقت السرديات المشتركة التي كانت تسمح للمجتمعات بالاتفاق على الحقائق الأساسية. لقد أصبحت البيئة المعلوماتية أكثر هشاشة، وأصبح التضليل أكثر انتشاراً. لذلك نحن بحاجة إلى دعم الإعلام المهني الموثوق، وتعزيز الثقافة الإعلامية، وفرض مسؤوليات كبرى على المنصات الرقمية.

وأخيراً، نحن بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمواطن والسوق.

على الحكومات أن تواجه اختلالات الأسواق، خصوصاً مع التحولات الكبرى التي يفرضها الذكاء الاصطناعي. كما يجب أن تكون ثمار النمو الاقتصادي أكثر عدالة. نعم، قد يضطر المواطنون إلى تقديم بعض التضحيات، وربما دفع ضرائب عليا على المدى القصير، لكن لا يمكن أن تقع الأعباء كلها على عاتقهم وحدهم.

هذا المشروع يتطلب الصراحة بشأن حجم التحديات، والشجاعة اللازمة لإحداث التغيير. لكنه يتطلب قبل كل شيء بناء الثقة في الوقت نفسه.

إن إصلاح العلاقة بين الدولة والمواطن وتحديث الديمقراطية هو المشروع السياسي الأهم في حياتنا.

التغيرات الكبرى في التاريخ غالباً ما تحدث ببطء شديد بحيث لا تلتقطها دورة الأخبار اليومية، وبسرعة كبيرة بحيث لا تتمكن الأوساط الأكاديمية من تحليلها في الوقت المناسب. وتراجع الديمقراطية يحدث اليوم بهذه الطريقة تماماً.

هناك لحظة خطيرة تقترب؛ نقطة قد يصبح بعدها الإصلاح أكثر صعوبة بكثير. فمع اقتراب نهاية الدورات السياسية، ينشغل السياسيون بالبقاء في السلطة أكثر من اهتمامهم بقدرة الديمقراطية على الصمود. ومن السهل جداً هدم المؤسسات الديمقراطية، لكن إعادة بنائها مهمة شاقة وطويلة.

قد لا أستطيع التنبؤ بمن سيكون رئيس الوزراء في عيد الميلاد المقبل، لكنني مقتنعة بشيء واحد: إذا لم يجعل القائد القادم إصلاح الديمقراطية أولوية عاجلة، فقد لا يكون اسم رئيس الوزراء مهماً بالقدر الذي نظنه.

نقلاً عن الجارديان