في ظل تصاعد لافت في التوترات الاجتماعية والسياسية داخل بريطانيا، عاد ملف جرائم الكراهية ضد المسلمين واليهود إلى واجهة المشهد الأمني والإعلامي، بعد حادث طعن في منطقة غولدرز غرين شمال لندن، أعاد فتح النقاش حول حدود الأمن المجتمعي، وخطاب التحريض، ودور الدولة في حماية التعايش.
الحادث، الذي أعلنت السلطات تصنيفه كعمل إرهابي وفق التحقيقات الأولية، لم يُقرأ كواقعة معزولة، بل كحلقة جديدة في سلسلة أحداث تتقاطع فيها السياسة بالدين بالهوية، على وقع أرقام متصاعدة تشير إلى هشاشة متزايدة في النسيج الاجتماعي البريطاني.
ووثّقت تقارير رسمية لعامي 2025 و2026 تسجيل أكثر من 3,700 حادثة معاداة لليهود في 2025 وحده بحسب مركز CST، إلى جانب ارتفاع جرائم الكراهية الدينية ضد المسلمين بنسبة تقارب 19% في بعض الفترات وفق بيانات وزارة الداخلية، ما يجعل الجالية المسلمة واليهودية في قلب مشهد أمني واحد تتداخل فيه المخاوف والاتهامات والقلق من المستقبل.
موجة عنف في لندن
تشير المعطيات الأمنية الحديثة إلى أن حادث غولدرز غرين الأخير لم يكن سوى نقطة تكثف في مسار طويل من التوترات المتراكمة التي تعيد رسم ملامح المشهد الأمني في لندن، فبحسب ما تكشفه مصادر شرطية، تتعامل التحقيقات مع الواقعة باعتبارها امتداداً لنمط أوسع من الجرائم ذات الطابع الإرهابي، لا كحادث منفرد، في ظل بيئة أمنية تتداخل فيها الدوافع الفردية مع سياقات أيديولوجية أوسع.
وتعكس بيانات الشرطة البريطانية لعام 2025، الصادرة عن وزارة الداخلية، حجم هذا التحول القلق، إذ تم تسجيل أكثر من 115 ألف جريمة كراهية في إنجلترا وويلز، وهو رقم يضع الظاهرة في نطاق بنيوي لا يمكن اختزاله في حوادث متفرقة، والأهم أن هذه الجرائم لم تعد تتوزع بشكل عشوائي، بل باتت تُظهر أنماط استهداف واضحة تطول المسلمين واليهود بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ما يعكس تداخلاً معقداً بين الهوية والدين والسياق الاجتماعي.
وتشير التقارير الأمنية إلى أن نحو 45% من الجرائم ذات الطابع الديني في العام نفسه استهدفت المسلمين، مقابل قرابة 29% استهدفت اليهود، في مؤشرات تكشف عن تقارب مقلق في حجم الاستهداف، رغم اختلاف التمثلات المجتمعية والديموغرافية لكلتا الفئتين.
هذا التوازي في نسب الاستهداف لا يعكس مجرد أرقام، بل يشي بتحول في طبيعة الكراهية نفسها، من كونها موجَّهة في اتجاه واحد إلى كونها حالة عامة من الاستقطاب المتبادل أو المتزامن.
ويرى محللون أمنيون أن لندن تعيش اليوم حالة يمكن وصفها بـ”تراكم التوتر”، حيث لا تنفجر الأحداث في لحظة واحدة، بل تتراكم طبقاتها بصمت حتى تتحول إلى موجات عنف متكررة.
الأرقام تكشف زيادة الكراهية
تكشف البيانات الحديثة عن اتساع مقلق في دائرة جرائم الكراهية داخل بريطانيا، حيث لم تعد الظاهرة تُقرأ باعتبارها حوادث متفرقة، بل مؤشراً على تحولات أعمق في بنية التوتر الاجتماعي، فبحسب ما وثقه مركز حماية الجالية اليهودية في بريطانيا CST، سُجل خلال عام 2025 نحو 3700 حادثة معاداة لليهود، وهو ثاني أعلى رقم منذ بدء عمليات الرصد، وفق تقرير نُشر في فبراير 2026.
وتظهر هذه الأرقام أن وتيرة التصعيد لم تأتِ بشكل خطي، بل اتخذت طابعاً متسارعاً بلغ ذروته عقب التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، حيث تضاعف المعدل الشهري تقريباً مقارنة بالفترة التي سبقت أكتوبر 2023، في مؤشر على حساسية السياق الدولي وانعكاسه المباشر على الداخل البريطاني.
وفي موازاة ذلك، تعكس بيانات وزارة الداخلية البريطانية اتجاهاً مماثلاً في ما يتعلق بجرائم الكراهية الدينية الموجهة ضد المسلمين، إذ سجلت زيادة تقارب 19% خلال عام واحد، هذه الجرائم لم تعد محصورة في شكل واحد، بل امتدت من الاعتداءات اللفظية والتحرش إلى حالات عنف جسدي، ما يعكس، وفق التوصيف الوارد في التقرير الرسمي، انتقال الظاهرة من مستوى الحوادث الفردية إلى نمط أكثر انتظاماً وتكراراً داخل المجتمع.
ويكتسب هذا التطور بعداً أكثر عمقاً عند النظر إلى طبيعة الأهداف، إذ لا تقتصر الاعتداءات على الأفراد فقط، بل تمتد إلى الرموز والمؤسسات الدينية، فقد وثقت جهات حقوقية بريطانية أكثر من 300 حادثة استهدفت أماكن عبادة أو رموزاً دينية خلال عام 2025، شملت مساجد وكنائس ومعابد، ما يشير إلى توسع نطاق الاستهداف ليطال البنية الرمزية للتعدد الديني في البلاد.
من غولدرز غرين للسياسة الدولية
أعاد حادث الطعن في منطقة غولدرز غرين شمال لندن فتح ملف بالغ الحساسية داخل دوائر الأمن والاستخبارات البريطانية، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على تعقّد طبيعة التهديدات وتداخل مستوياتها المحلية والدولية.
وتشير مصادر مطلعة على سير التحقيقات، وفق ما أوردته “صحيفة التايمز البريطانية” و”الغارديان”، إلى أن المقاربة لم تعد تقتصر على تحليل الفاعل الفردي، بل امتدت إلى تفكيك ما يُعرف داخل الدوائر الأمنية بـ”بيئة التحريض الرقمي”، حيث تتشكل أنماط من التفاعل داخل تطبيقات مشفرة ومنصات مغلقة، تعيد إنتاج الخطاب المتطرف وتعيد توجيهه نحو أهداف محددة داخل أوروبا.
وتضيف المصادر أن ما لا يقل عن 18 قناة رقمية نشطة على منصات مشفرة تم رصدها ضمن تحقيقات موازية تتعلق بخطاب تحريضي مرتبط بحوادث مشابهة خلال الفترة ذاتها، وفق تقديرات أمنية غير معلنة نُشرت ضمن تسريبات تحليلية أمنية بريطانية في 2026.
وفي السياق، تشير بيانات صادرة عن “مكتب مكافحة الإرهاب البريطاني” إلى أنه تم إحباط ما يقارب 14 مخططاً أو حادثة محتملة خلال الفترة الأخيرة داخل المملكة المتحدة، من بينها 6 حالات مرتبطة بشكل مباشر بأهداف ذات طابع ديني يهودي في لندن ومدن أخرى، وهو ما دفع السلطات إلى رفع مستوى التأهب الأمني في العاصمة وتعزيز إجراءات المراقبة حول مواقع العبادة.
وتكشف هذه المعطيات عن تحول نوعي في فهم طبيعة التهديد، إذ لم تعد الحوادث تُقرأ كأفعال منفصلة، بل كجزء من شبكة تفاعلات تتجاوز الحدود الجغرافية، وتشير تقديرات أمنية بريطانية صادرة عن “مركز دراسات الأمن الوطني” في تقريره لعام 2026 إلى أن نحو 60% من التحقيقات المتعلقة بحوادث العنف ذات الطابع الأيديولوجي تتضمن في مرحلة ما تتبعاً لمحتوى رقمي مشفر أو غير علني، ما يعكس تعاظم الدور الذي تلعبه الفضاءات الافتراضية في تشكيل مسارات التطرف.
وفي ضوء هذا التشابك، يبدو المشهد الأمني البريطاني أمام تحدٍ مركب، حيث تتداخل البُنى المحلية مع امتدادات رقمية وعابرة للحدود، ما يجعل من الكراهية، وفق توصيف بعض المحققين، “لغة سياسية تتجاوز الجغرافيا”، وهو توصيف يعكس انتقال التهديد من كونه فعلاً فردياً معزولاً إلى بنية تفاعلية ممتدة، تُعاد صياغتها باستمرار داخل فضاءات غير مرئية، لكنها قادرة على التأثير المباشر في الواقع الميداني.
مجتمع بين الخوف والتعايش
في قلب هذا التصاعد، يعيش المسلمون واليهود في بريطانيا حالة قلق متبادل، حيث تشير استطلاعات اجتماعية إلى ارتفاع الإحساس بعدم الأمان داخل كلا الجاليتين، مع تزايد الإبلاغ عن حوادث كراهية بنسبة تجاوزت 30% في بعض المناطق الحضرية الكبرى خلال 2025، وفق تقارير هيئات مراقبة المجتمع المدني.
ويرى خبراء الاجتماع أن المشكلة لم تعد فقط أمنية، بل نفسية واجتماعية، إذ يتحول الخوف إلى عزلة تدريجية داخل بعض المجتمعات، ما يضعف فرص التفاعل ويغذي دوائر الانغلاق.
وتؤكد تقارير رسمية أن الحكومة البريطانية عززت ميزانيات حماية دور العبادة ووسّعت برامج الإبلاغ عن جرائم الكراهية، إلا أن الفجوة بين الإجراءات والشعور العام بالأمان ما زالت قائمة.
كيف تتحول الكراهية لنظام عالمي
قال الدكتور مجيد بودن، رئيس جمعية المحامين في القانون الدولي في باريس، إن خطابات وأفعال الكراهية لم تعد مجرد انحرافات سلوكية أو تعبيرات هامشية، بل أصبحت في جوهرها جرائم مكتملة الأركان يعاقب عليها القانون في معظم دول العالم، بما في ذلك بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، غير أن الإشكال الحقيقي -بحسب تعبيره- لا يكمن في غياب النصوص القانونية، بل في ضعف تفعيلها وتطبيقها على نحو صارم وغير انتقائي.
وأشار بودن، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، إلى أن “القانون حين يُترك دون إنفاذ فعّال يتحول من أداة حماية إلى شاهد صامت على توسع الكراهية”، موضحاً أن الإحجام عن الملاحقة القضائية أو تطبيق القانون بانتقائية يخلق بيئة خصبة لتنامي خطاب الكراهية، بل ويجعله أكثر جرأة وانتشاراً داخل المجتمعات.
وأضاف أن جذور هذه الظاهرة ليست حديثة، بل تمتد إلى بنى تاريخية عميقة ارتبطت عبر قرون بفكرة “الغريب” الذي يُنظر إليه كعنصر دخيل على الجماعة، مرجحا أن هذا التصور ظل يتجدد عبر التاريخ، حيث كان القبول بالآخر يتأرجح بين فترات تسامح نسبي وأخرى من الرفض الحاد، خصوصاً في أوقات الأزمات الاقتصادية وشح الموارد، رغم أن هذا الرفض -بحسب وصفه- لا يستند إلى أي أساس قانوني أو أخلاقي أو حتى عرفي.
وأكد أن القانون الدولي الحديث حاول معالجة هذه الإشكاليات عبر تكريس مبادئ واضحة لحماية الإنسان، لا سيما المهاجر والغريب باعتباره في موقع هشّ أمام المجتمعات المستقبِلة، مشيراً إلى أن حرية التنقل والاستقرار باتت من الحقوق الإنسانية الأساسية، حتى وإن كانت الدول تمتلك حق تنظيمها، إلا أن جوهرها الإنساني يظل ثابتاً وغير قابل للمساومة.
وأشار بودن إلى أن تصاعد جرائم الكراهية في السنوات الأخيرة في أوروبا وأمريكا، خصوصاً ضد المسلمين واليهود، يعكس تداخل العوامل الفكرية والهيكلية مع الظروف السياسية الراهنة، وعلى رأسها التوترات في الشرق الأوسط.
ولفت إلى أن غياب خطاب فكري مضاد قادر على تفكيك رواسب الكراهية أسهم في انتقالها من الهامش إلى مركز النقاش العام، بعدما كانت تُعبّر عنها أقلية محدودة وسط صمت الأغلبية.
وأضاف أن التمييز تاريخياً لم يكن موجهاً فقط نحو الأديان أو الأعراق، بل شمل أيضاً الفئات الاجتماعية المستضعفة والطبقات العاملة، حيث جرى تكريس فجوات غير عادلة في القيمة الاجتماعية رغم المساواة القانونية الشكلية، وهو ما امتد ليشمل حتى الفقراء داخل المجتمعات نفسها.
ورجح أن الإفلات من العقاب يمثل أحد أخطر المحركات لانتشار الكراهية، لأنه يكرّس ثقافة التجاوز ويضعف هيبة القانون، ما يفتح الباب أمام صعود تيارات اليمين المتطرف التي تسعى، بحسب تعبيره، إلى تحويل خطاب الكراهية إلى أدوات سياسية داخل البرلمانات والتشريعات.
وأكد أن هذا الخطاب لم يعد محصوراً في المجال السياسي التقليدي، بل تسلل أيضاً إلى بيئات الشركات الكبرى، حيث بدأت اعتبارات الأصل والانتماء الثقافي تتسلل تدريجياً إلى معايير التوظيف، في تحول خطير يهدد مبدأ الكفاءة الذي حكم مؤسسات عالمية لعقود، وفق ما أشارت إليه تقارير صحفية دولية.
وأشار إلى أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب موقفاً حاسماً يعتبر الكراهية جريمة لا رأياً، محذراً من أن التساهل معها يحولها إلى قوة انتخابية وسياسية تُضعف حماية المجتمعات وتماسكها.
بنية عنف رقمية ومجتمعية
قال سعيد سلّام، مدير مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية الأوروبي إن تصاعد جرائم الكراهية في بريطانيا لم يعد ظاهرة معزولة أو أحداثاً متفرقة، بل أصبح انعكاساً مباشراً لتداخل معقّد بين الصراعات الخارجية والتوترات الداخلية، حيث تتحول الهويات الدينية والثقافية تدريجياً إلى خطوط تماس سياسية واجتماعية قابلة للاشتعال في أي لحظة.
وأشار في تصريحات خاصة لـ”صفر” إلى أن هذا التحول الخطير يغذّيه خطاب شعبوي متصاعد يوظف “سياسة الهوية” كأداة لحشد التأييد السياسي، ما يمنح التيارات المتطرفة شعوراً مضاعفاً بالشرعية، ويدفعها إلى تبرير العنف بوصفه دفاعاً عن القيم الوطنية.
وأضاف أن الإعلام، في بعض السياقات، والسياسة في أحيان أخرى، يتحولان إلى جزء من منظومة إنتاج الانقسام وإعادة تشكيل الصور النمطية عن “الآخر”، بما يكرّس بيئة اجتماعية مشحونة وغير مستقرة.
ورجح سلّام أن الإشكالية الأعمق لا تكمن فقط في تصاعد الخطاب، بل في محدودية الأدوات القانونية في ملاحقته وردعه، رغم تطور التشريعات في بريطانيا وأوروبا، موضحا أن الجرائم الرقمية تحديداً باتت أكثر تعقيداً، سواء من حيث تتبع مصادرها أو إثبات دوافعها العنصرية، مشيراً إلى أن بطء الإجراءات القضائية في مواجهة التحريض الممنهج يخلق فجوة خطيرة بين وقوع الجريمة وإحساس المجتمع بوجود العدالة.
وأكد أن هذا الخلل البنيوي يؤدي إلى ما وصفه بـ”دورة العنف الصامت”، حيث يشعر الضحايا بأنهم بلا حماية حقيقية، بينما يتحرك المعتدون وكأنهم خارج نطاق المحاسبة الفعّالة، ما يدفع فئات اجتماعية إلى الانكفاء على الذات، ويحوّل المجتمع إلى مجموعات منعزلة تعيش داخل دوائر مغلقة من الخوف وعدم الثقة.
وأشار إلى أن التأثيرات لا تتوقف عند حدود الفرد، بل تمتد إلى تشكيل “ارتياب جماعي” يعيد تعريف الفضاء العام باعتباره ساحة تهديد محتملة، لا مجالاً للتعايش المشترك. وأضاف أن هذا المناخ يضعف رأس المال الاجتماعي، ويقوض الثقة بين مكونات المجتمع، ويخلق جيلاً يشعر بالاغتراب عن الدولة ومؤسساتها، وهو ما يشكل أرضية خصبة للاستقطاب الراديكالي وصعود التيارات اليمينية المتطرفة التي توظف هذا الشعور لتعزيز خطابها السياسي.
وأضاف أن منصات التواصل الاجتماعي لعبت دوراً محورياً في تسريع هذه التحولات، حيث تسهم خوارزمياتها في تضخيم المحتوى التحريضي وإعادة تدويره، بما يحول العنف الرقمي إلى “تدريب مسبق” على العنف الواقعي.
ورجح أن غياب تنظيم فعّال يلزم الشركات التقنية بتحمل مسؤولياتها يجعل هذه المنصات بيئة مفتوحة لتداول الأخبار المضللة وخطابات الكراهية، ما يفاقم الانقسام داخل المجتمعات الأوروبية.
وأشار إلى أهمية فرض رقابة شفافة على مصادر التمويل الخارجي التي قد تُستخدم لتغذية خطاب التطرف، بالتوازي مع فتح مسارات حوار مجتمعي مستدام يعيد بناء الهوية الوطنية على أسس جامعة لا إقصائية.
واختتم كلامه بالتأكيد على أن بناء مجتمع متماسك في بريطانيا يمر عبر تحويل التسامح من خيار أخلاقي إلى مشروع وطني مؤسسي، قادر على حماية الديمقراطية من الانزلاق نحو الاستقطاب الحاد، وإعادة ترميم الثقة التي تتآكل تحت ضغط الكراهية والانقسام.
