منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بحارة هرمز.. عالقون بين مخاطر الحرب وحق العودة إلى الوطن

05 أكتوبر 2026
بحارة هرمز.. عالقون بين مخاطر الحرب وحق العودة إلى الوطن
بحارة هرمز.. عالقون بين مخاطر الحرب وحق العودة إلى الوطن

على متن ناقلة النفط “سي – مون”، لم يعد القبطان العراقي رحمن الجبوري يستعد لمخاطر البحر وحدها، بين خليج عمان ومدخل مضيق هرمز، أصبح احتمال الهجوم جزءاً من يوم العمل، في حين تقلص طاقم الناقلة من 27 إلى 17 بحاراً بعد مغادرة بعضهم خوفاً من المخاطر.

أمضى الجبوري أربعة أشهر متواصلة بعيداً عن أسرته، في منطقة تحول فيها الاستعداد للطوارئ إلى روتين يومي، وأصبح النوم والراحة والعمل محكومين باحتمال أن تتحول السفينة التجارية في لحظة إلى ضحية لهجوم.

لم يكن الجبوري من البحارة العالقين داخل المضيق، لكن تجربته تكشف وجهاً آخر للأزمة، فهناك بحارة يواصلون العمل قرب منطقة الحرب بعدما أصبح البحر نفسه بيئة عمل خطرة، في حين لم يعد قرار البقاء أو المغادرة بيدهم وحدهم، وفي الجهة الأخرى، وجد 21 بحاراً مصرياً أنفسهم عالقين قرب مضيق هرمز بعد تعطل حركة سفنهم وتعقد مغادرتهم بسبب المخاطر الأمنية وصعوبة تأمين طريق آمن.

وبحلول سبتمبر، قالت وزارة الخارجية المصرية إن بحارة مصريين كانوا ضمن أطقم مئات السفن العالقة في المضيق، وإن بعثاتها الدبلوماسية تعمل لمساعدة الراغبين في النزول من السفن والعودة إلى مصر، في حين تمكنت من تسهيل عودة عدد منهم عبر موانئ في المنطقة.

آلاف البحارة في منطقة الخطر

تقول المنظمة البحرية الدولية إن ما يصل إلى 400 سفينة تحمل نحو ستة آلاف بحار بقيت عالقة في الخليج بعدما تعذر عليها المغادرة بأمان، في حين امتد تأثير الأزمة إلى نحو 20 ألف بحار وعامل موانئ وأفراد أطقم بحرية في المنطقة.

وبحسب سجل الحوادث لدى المنظمة، بلغ عدد الحوادث المؤكدة المرتبطة بالسفن التجارية في مضيق هرمز والمنطقة المحيطة به 88 حادثاً حتى 30 سبتمبر 2026، وسجلت 24 وفاة مؤكدة بين البحارة، إلى جانب إصابات وحالات فقدان وأضرار لحقت بسفن تجارية.

لكن خلف أرقام السفن والحوادث توجد بيئة عمل تغيرت جذرياً، فالبحار قد يقضي أشهراً على سفينة لا يستطيع النزول منها، وقد يتعذر تبديل الطاقم أو العودة إلى الوطن، في حين يصبح احتمال الهجوم جزءاً من حسابات يوم العمل.

ويقول الاتحاد الدولي لعمال النقل لـ”صفر” إن تصنيف مضيق هرمز والمناطق المحيطة به ضمن مناطق الخطر يعكس حجم المخاطر التي يواجهها البحارة، مشدداً على ضرورة توفير الحماية والضمانات المهنية وعدم تعريضهم لمخاطر لا تتناسب مع طبيعة عملهم وحقوقهم التعاقدية.

عقود تمتد والعودة تتعطل

يقول الضابط البحري طارق أبو عليان لـ”صفر” إن حالة الترقب المستمرة ووجود السفن قرب بؤر التوتر رفعا مستويات الضغط النفسي لدى أفراد الطواقم، مع الخوف من الهجمات أو استهداف السفن التجارية واضطرار بعض البحارة إلى البقاء في البحر فترات أطول من المعتاد.

ويضيف أن بعض السفن واجهت صعوبات في الحصول على المياه العذبة والمواد الغذائية نتيجة تعطل خطوط النقل وتأخر التزويد، في حين فاقمت مشكلات الاتصال عزلة البحارة وقلق أسرهم.

كما أدت الأزمة، بحسب أبو عليان، إلى تمديد عقود بعض البحارة بصورة غير مخطط لها وتعذر تبديل الأطقم بسبب القيود على الحركة الجوية والبحرية، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف التأمين والضغوط التشغيلية على السفن العاملة في المناطق عالية الخطورة.

هل يستطيع البحار أن يرفض؟

يرى الدكتور صلاح الرقاد المختص في القانون الدولي أن البحارة على السفن التجارية يظلون في الأصل مدنيين، ولا يبرر وجودهم في منطقة نزاع استهدافهم أو تعريضهم للخطر لمجرد وجود سفنهم فيها.

ويقول الرقاد لـ”صفر” إن حمايتهم تستند إلى القانون الدولي الإنساني والقواعد المنظمة للعمل البحري، ومنها سلامة الطواقم والرعاية الطبية والغذاء و الظروف الإنسانية المناسبة، إضافة إلى حق العودة إلى الوطن في الحالات التي تنطبق عليها اتفاقية العمل البحري لعام 2006.

ويؤكد أن الحرب لا تُسقط هذه الحقوق، وأن مسؤولية حماية البحار لا تقع عليه وحده، بل تمتد بحسب طبيعة كل حالة إلى الدول والجهات المشغلة وأصحاب السفن.

وتضع اتفاقية العمل البحري لعام 2006 إطاراً لحقوق البحارة يشمل ظروف العمل والمعيشة والراحة والأجور والرعاية الطبية والغذاء والسلامة والصحة المهنية وآليات الشكاوى، إضافة إلى أحكام الإعادة إلى الوطن.

وعلى المستوى التعاقدي، صنف المنتدى الدولي للمفاوضة الجماعية الذي يضم الاتحاد الدولي لعمال النقل وممثلي أصحاب العمل مضيق هرمز والخليج العربي وخليج عمان ضمن مناطق العمليات الحربية.

وتوفر قواعد المنتدى للبحارة المشمولين باتفاقياته ضمانات إضافية، بينها تعويضات خاصة وحق رفض الإبحار في المنطقة وإمكان طلب الإعادة إلى الوطن على نفقة الشركة، وفق الشروط التعاقدية المعمول بها.

لكن وجود الحق يطرح مسألة أكثر تعقيداً حول قدرة البحار على استخدامه فعلياً إذا كان يخشى خسارة عمله، أو إذا لم يعد هناك ممر آمن يسمح له بالمغادرة.

93 بحاراً تُركوا على السفن

يصبح الفرق بين الحق المكتوب والقدرة على استخدامه أكثر وضوحاً في حالات التخلي عن البحارة. ففي يوليو، قالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إنها كانت على علم بوجود تسع سفن على الأقل تضم 93 فرداً من أطقمها تركهم مُلّاك السفن في مضيق هرمز منذ بداية الحرب.

وبحسب الأمم المتحدة، تُرك هؤلاء في بعض الحالات من دون غذاء أو مياه أو وقود أو رعاية طبية أو كهرباء أو وسائل للتواصل مع أسرهم، وسط عزلة طويلة وعدم يقين بشأن سلامتهم وإمكانية النزول من السفن. وحذرت المفوضية من أثر استمرار وجودهم داخل منطقة نزاع في صحتهم الجسدية والنفسية، ودعت إلى توفير المساعدة القنصلية والإمدادات الأساسية وتسهيل إجلائهم وإعادتهم إلى أوطانهم.

وهنا تتجاوز القضية مخاطر الإبحار نفسها إلى مسؤولية حماية العامل من أن يتحول مكان عمله إلى مكان لا يستطيع مغادرته بسبب الحرب أو تخلي صاحب العمل عن مسؤوليته.

بين الحق والقدرة على استخدامه

تكشف أزمة هرمز أن حماية البحار لا تقاس بعدد الاتفاقيات التي تحميه فقط، وإنما بقدرته الفعلية على استخدام الحقوق التي تمنحها له، فحق العودة يحتاج إلى شركة تتحمل مسؤوليتها، وسلطات تسمح بالمغادرة، وممر آمن، ووسيلة نقل واتصال تتيح للبحار طلب المساعدة ولعائلته معرفة ما يحدث، أما حق رفض الإبحار فلا يؤدي وظيفته إذا كان العامل يخشى أن يكون ثمن استخدامه فقدان مصدر رزقه.

وبين رحمن الجبوري الذي واصل العمل قرب منطقة الخطر، والبحارة المصريين الذين انتظروا طريق العودة، والعشرات الذين قالت الأمم المتحدة إن ملاك سفنهم تركوهم في المنطقة، تظهر أزمة تتجاوز حركة الملاحة والسفن إلى حقوق العامل نفسه، فالحماية لا تقاس بحق مكتوب في اتفاقية، بل بقدرة البحار على استخدامه، وحين يصبح عليه أن يختار بين راتبه وسلامته، أو يبقى على سفينة لا يستطيع مغادرتها، يصبح حق العودة نفسه جزءاً من كلفة الحرب.