منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بالأرقام.. الجرائم الحقيقية هي ما يعيد المفرج عنهم إلى السجن.. لا “الإفراط في التجريم”

29 مايو 2026
ضباط شرطة نيويورك في مسرح جريمة في برونكس في 25 مايو 2026
ضباط شرطة نيويورك في مسرح جريمة في برونكس في 25 مايو 2026

باري لاتزر – كريستوفر بريت باكلين*

تزعم منظمة «مبادرة سياسات السجون»، وهي منظمة غير ربحية تركز على ما تسميه «الإفراط في التجريم»، أن «الانتهاكات غير الجنائية، أو ما يُعرف بالمخالفات الفنية، هي السبب الرئيسي لسجن الخاضعين للمراقبة والإفراج المشروط».

وتتبنى منظمات ضغط أخرى، مثل «مجلس حكومات الولايات» و«معهد فيرا»، الرأي ذاته.

قد يبدو ذلك مقلقاً؛ فالمخالفات الفنية للإفراج المشروط تشمل أموراً مثل التغيب عن موعد مع مسؤول المراقبة، أو خرق حظر التجول، أو تفويت جلسة علاجية.

وهنا يبرز السؤال المنطقي: أليست السجون مخصصة للجرائم الحقيقية، لا للمخالفات البسيطة للقواعد؟ في الواقع، هذا ما يحدث بالفعل.

فمسح وطني شمل سجناء الولايات الأمريكية بين عامي 1979 و2016 أظهر أن الأشخاص المسجونين بسبب مخالفات فنية فقط شكّلوا نحو 12.5% من إجمالي نزلاء السجون.

كما أن أبحاثنا، إلى جانب دراسات أخرى، تُظهر أن كثيراً من هذه المخالفات الفنية تسبقها جرائم حقيقية تؤدي غالباً إلى توقيف أصحابها.

لقد درسنا جميع حالات إعادة سجن المفرج عنهم المشروط في ولاية بنسلفانيا بسبب مخالفات فنية خلال فترة امتدت 22 شهراً، من الأول من يناير 2024 حتى 31 أكتوبر 2025.

وخلال هذه الفترة، أُعيد 9517 شخصاً إلى السجن، كان 58.8% منهم أي 5596 شخصاً قد عادوا بسبب مخالفة فنية لشروط الإفراج.

لكن المفاجأة أن 18.7% من هؤلاء، أي 1047 شخصاً، كانوا قد أُلقي القبض عليهم أيضاً بتهم ارتكاب جرائم جديدة.

بمعنى آخر، فإن واحداً تقريباً من كل خمسة أعيد سجنهم بسبب «مخالفة فنية» كان قد تم توقيفه بالفعل أثناء وجوده خارج السجن لارتكابه جريمة جديدة، وأكثر من 10% منهم بسبب جرائم عنف.

بل إن نسبة «واحد من كل خمسة» تقلل من حجم المشكلة الحقيقي؛ إذ إن عدداً كبيراً من هؤلاء المفرج عنهم المعاد سجنهم كانت مخالفاتهم الفنية نفسها تشير إلى ارتكاب جرائم، مثل الاعتداء أو حيازة المخدرات بشكل غير قانوني.

فعلى سبيل المثال، هناك مخالفة شائعة في بنسلفانيا تُصنف تحت مسمى «سلوك اعتدائي»، وأخرى تُعرف بـ«تحليل بول إيجابي أو تعاطي مخدرات» وكلها مؤشرات على أفعال غير قانونية.

وعندما أضفنا هذه الحالات إلى الإحصاءات، وجدنا أن أكثر من ثلث المخالفين فنياً يبدو أنهم ارتكبوا جرائم جنائية أثناء خضوعهم للمراقبة وقبل إعادتهم إلى السجن مباشرة.

ثم هناك فئة الهاربين، وهم المفرج عنهم الذين يُعادون إلى السجن بسبب انقطاعهم عن التواصل مع مسؤول المراقبة لفترة طويلة، بالمخالفة للشروط المفروضة عليهم.

الهروب هنا قد يكون إشارة إلى محاولة الشخص التهرب من الملاحقة أو الاختباء بعد ارتكاب سلوك إجرامي جديد.

وعند احتساب هؤلاء أيضاً، يتضح أن ما يقرب من نصف من يُعادون إلى السجن بسبب مخالفات فنية إما ارتكبوا سلوكاً إجرامياً أو كانوا فارين قبل إعادتهم خلف القضبان.

لكن إذا كانوا قد ارتكبوا جرائم فعلاً، فلماذا يُعاد سجنهم بموجب «مخالفة فنية» بدلاً من توجيه اتهامات جنائية والسعي لإدانتهم أمام المحكمة؟

الإجابة الصريحة بسيطة؛ لأن إعادة الشخص إلى السجن عبر جلسة مخالفة الإفراج المشروط أسرع وأسهل وأكثر فاعلية بالنسبة للادعاء العام من المرور بالإجراءات القضائية الكاملة.

فجلسة الإفراج المشروط تُعقد أمام ممثلي مجلس الإفراج، دون الحاجة إلى هيئة محلفين، كما أن معيار الإثبات فيها أقل بكثير؛ إذ يكفي «ترجيح الأدلة» بدلاً من إثبات الجريمة «بما لا يدع مجالاً للشك».

هل يبدو ذلك ظلماً بحق المفرج عنه أو انتقاصاً من الإجراءات القانونية؟ الإجابة: لا.

ففي أكثر من 90% من الحالات تنتهي الاتهامات الجنائية الرسمية ومخالفات الإفراج المشروط بالطريقة نفسها: اعتراف بالذنب في مواجهة أدلة دامغة.

ودراستنا في بنسلفانيا ليست الوحيدة التي خلصت إلى أن المخالفات الفنية غالباً ما ترتبط بجرائم حقيقية.

فدراسة فيدرالية تناولت قضايا عام 2021 أجراها المكتب الإداري للمحاكم الأمريكية وجدت أن 34% من حالات إلغاء الإفراج الخاضع للرقابة -وهو المصطلح الفيدرالي بدلاً من «الإفراج المشروط»- بسبب مخالفات فنية، كانت تتضمن أيضاً توقيفات مرتبطة بجرائم جديدة.

وخلصت الدراسة إلى أن «إلغاء الإفراج بسبب مخالفات فنية كان له تأثير محدود للغاية في أعداد السجناء في السجون الفيدرالية».

وهناك أيضاً دراسة أجريت في كاليفورنيا تناولت قضايا من عامي 2003 و2004.

وباستخدام نتائج تلك الدراسة، توصلنا إلى أن 43% من قرارات إعادة المفرج عنهم إلى السجن من قبل مجلس الإفراج تضمنت مزيجاً من المخالفات الفنية ومعظمها حالات هروب إلى جانب مخالفات جنائية.

كما تشير الشهادات والمعلومات غير الرسمية التي سمعناها من ولايات أخرى إلى أن بنسلفانيا ليست حالة استثنائية.

باختصار، المخالفات الفنية ليست «فنية» بالمعنى البسيط الذي يروج له البعض؛ فالمفرج عنهم يُعاد سجنهم غالباً بسبب جرائم إضافية يخفيها تصنيف «المخالفة الفنية».

وفوق ذلك، فإن هؤلاء يرتكبون عادة عدداً أكبر بكثير من المخالفات مقارنة بالمفرج عنهم الذين لا يُعاد سجنهم.

الدراسة الفيدرالية الخاصة بقضايا 2021 وجدت أن حالات إلغاء الإفراج التي انتهت بإعادة السجن تضمنت في المتوسط 10 مخالفات لشروط الإفراج، مقابل ست مخالفات فقط في الحالات التي لم تؤدِّ إلى الإلغاء.

كما أن النظام نفسه متردد أصلاً في إعادة المخالفين فنياً إلى السجن؛ إذ يتلقى معظمهم تحذيرات مكتوبة، وبرامج علاج، وعقوبات أخف بكثير قبل اتخاذ قرار إعادتهم.

فالمفرج عنهم نادراً ما يعودون إلى السجن بسبب أول مخالفة فنية يرتكبونها.. المشكلة الحقيقية ليست السجن غير المبرر لأسباب تافهة كما يدّعي مناهضو السجون.. المشكلة الحقيقية هي العودة المتكررة إلى الجريمة.

باري لاتزر أستاذ فخري للعدالة الجنائية في كلية جون جاي للعدالة الجنائية، وكريستوفر بريت باكلين مدير مكتب التخطيط والأبحاث والإحصاء في إدارة الإصلاحيات بولاية بنسلفانيا. والمقال مقتبس بتصرف من مجلة «سيتي جورنال».

*نقلاً عن نيويورك بوست