في أقصى شمال باكستان، بين جبال كاراكورام الشاهقة والوديان المعزولة، تعيش قبائل الهونزا التي ارتبط اسمها لعقود بحكايات العمر الطويل والصحة النادرة.
قصص عن رجال ونساء يتجاوزون المئة عام، ونساء يُقال إن بعضهن أنجبن في سن متقدمة جداً، حتى انتشرت أسطورة أن سكان الوادي “لا يعرفون المرض”.
لكن خلف الصورة السياحية عن “وادي الخالدين” توجد قصة أكثر تعقيداً؛ فطول العمر الذي يلفت أنظار العالم لا يعني غياب الأمراض، بل يرتبط بمزيج من العوامل الطبيعية ونمط الحياة والغذاء التقليدي والعزلة الجغرافية، في وقت ما زال فيه سكان المنطقة يواجهون تحديات حقيقية في الوصول إلى الرعاية الصحية، خصوصاً النساء والأطفال.
بين الأسطورة والواقع الطبي
اشتهرت منطقة الهونزا، الواقعة في إقليم غلغت بلتستان شمالي باكستان، باعتبارها موطناً لأشخاص يعيشون أعماراً طويلة جداً. وانتشرت روايات غير موثقة عن وصول بعض السكان إلى 120 أو حتى 150 عاماً، وعن نساء حافظن على الخصوبة والإنجاب في أعمار متقدمة.
لكن الدراسات السكانية الحديثة لم تجد أدلة علمية مؤكدة تثبت وجود أعمار استثنائية بهذا الحجم، ويرى باحثون أن جزءاً من هذه الروايات ارتبط تاريخياً بضعف سجلات الميلاد في المناطق الجبلية النائية، ما يجعل تقدير الأعمار القديمة غير دقيق.
ومع ذلك، تشير الأبحاث إلى أن سكان الهونزا يتمتعون ببعض العوامل التي ترتبط عادة بالصحة وطول العمر، منها النشاط البدني اليومي، والنظام الغذائي الغني بالحبوب والخضراوات والفواكه المجففة، وانخفاض معدلات السمنة مقارنة بالمناطق الحضرية.
لماذا يبدو سكان الهونزا أكثر صحة؟
يعتمد سكان الوادي تقليدياً على غذاء محلي قليل التصنيع، يشمل الحبوب الكاملة والمشمش المجفف والمكسرات والخضراوات المزروعة محلياً وكميات محدودة من اللحوم.
كما أن طبيعة الحياة الجبلية تجعل الحركة جزءاً يومياً من حياة السكان؛ فالزراعة والتنقل في التضاريس المرتفعة يتطلبان جهداً بدنياً مستمراً.
لكن منظمة الصحة العالمية تؤكد أن طول العمر لا يرتبط بعامل واحد، بل بمجموعة واسعة من المحددات، بينها الدخل والتعليم والرعاية الصحية والبيئة ونمط الحياة.
الأمومة في سن متقدمة
تعد قصص النساء اللواتي ينجبن في أعمار متقدمة من أكثر الروايات انتشاراً حول الهونزا، إلا أن معظم هذه القصص لا تستند إلى سجلات طبية منشورة يمكن التحقق منها.
طبياً، تنخفض الخصوبة لدى النساء بشكل كبير بعد سن الأربعين، ويصبح الحمل بعد سن الخمسين نادراً للغاية ويرتبط بمخاطر أعلى على الأم والجنين، لذلك فإن أي حالات حمل في أعمار متقدمة تحتاج إلى توثيق طبي دقيق.
وتكشف هذه النقطة جانباً حقوقياً مهماً؛ فالاحتفاء بقصص “الأمومة المتأخرة” يجب ألا يخفي حاجة النساء إلى خدمات صحية آمنة طوال حياتهن، خصوصاً في المناطق التي تواجه نقصاً في الأطباء والمرافق المتخصصة.
الصحة ليست غياب المرض فقط
رغم الصورة المثالية التي ارتبطت بالمنطقة، فإن غلغت بلتستان تواجه تحديات صحية مشابهة لمناطق جبلية أخرى في العالم.
وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي إلى أن باكستان ما زالت تواجه تحديات كبيرة في وفيات الأمهات أثناء الحمل والولادة وسوء تغذية الأطفال ومحدودية الوصول إلى الخدمات الصحية في المناطق الريفية ونقص الكوادر الطبية خارج المدن الكبرى.
وبحسب بيانات البنك الدولي، بقي معدل وفيات الأمهات في باكستان مرتفعاً مقارنة بالعديد من الدول متوسطة الدخل، حيث سجل نحو 154 وفاة لكل 100 ألف ولادة حية وفق أحدث التقديرات الدولية المتاحة.
وتشير اليونيسف إلى أن سوء تغذية الأطفال يمثل تحدياً واسعاً في باكستان، إذ يعاني نحو 40% من الأطفال دون الخامسة من التقزم المرتبط بسوء التغذية المزمن.
العزلة الجغرافية.. نعمة وتحدٍ
ساعدت عزلة وادي الهونزا تاريخياً في الحفاظ على نمط حياة تقليدي بعيد عن بعض عوامل الحياة الحديثة مثل الأغذية المصنعة وقلة الحركة.
لكن العزلة نفسها تخلق تحديات كبيرة، فالوصول إلى المستشفيات المتخصصة قد يتطلب ساعات طويلة من السفر عبر طرق جبلية صعبة.
وتواجه النساء بشكل خاص صعوبات إضافية عند الحاجة إلى رعاية الحمل والولادة، بسبب المسافة ونقص وسائل النقل والخدمات الطبية المتخصصة.
وتؤكد مبادئ الأمم المتحدة بشأن الحق في الصحة أن الرعاية الصحية يجب ألا تكون متاحة فقط نظرياً، بل يجب أن تكون قابلة للوصول فعلياً، بما في ذلك للفئات التي تعيش في المناطق النائية.
هل السكان لا يعرفون المرض؟
هذه العبارة جزء من الصورة الشعبية أكثر من كونها حقيقة علمية، فالسكان، مثل غيرهم، يصابون بالأمراض، لكن انخفاض بعض عوامل الخطر المرتبطة بنمط الحياة الحديث قد يجعل بعض الأمراض المزمنة أقل انتشاراً مقارنة بالمجتمعات الحضرية.
وفي السنوات الأخيرة، بدأت المنطقة تواجه تغيرات اجتماعية واقتصادية؛ من بينها تغير النظام الغذائي، وانتشار المنتجات المصنعة، وتأثيرات تغير المناخ على الزراعة والمياه.
لا يعيش سكان الهونزا خارج أزمة المناخ، فجبال شمال باكستان من أكثر المناطق حساسية لارتفاع درجات الحرارة.
وتحذر الأمم المتحدة من أن ذوبان الأنهار الجليدية وتغير أنماط الأمطار يزيدان مخاطر الفيضانات المفاجئة ونقص المياه، ما يؤثر على الزراعة التي يعتمد عليها السكان.
وفي عام 2022 تعرضت مناطق واسعة من باكستان لفيضانات كارثية أثرت على أكثر من 33 مليون شخص، وأظهرت هشاشة المجتمعات الريفية أمام الصدمات المناخية.
حق الحياة الكريمة
قصة الهونزا في باكستان ليست قصة شعب لا يعرف المرض، بل قصة مجتمع استطاع الحفاظ على بعض عناصر الحياة الصحية رغم ظروفه الصعبة.
فالدرس الحقيقي من الوادي ليس أن الإنسان يستطيع تجاوز قوانين الطبيعة، بل أن البيئة النظيفة، والغذاء المتوازن، والحركة اليومية، والروابط الاجتماعية عوامل تساعد على حياة أطول وأكثر صحة.
لكن طول العمر وحده لا يكفي لقياس رفاه الإنسان، فالحق في الصحة لا يعني فقط أن يعيش الإنسان سنوات أكثر، بل أن يعيشها بكرامة، مع إمكانية الوصول إلى الطبيب والدواء والتعليم والرعاية، سواء كان يعيش في مدينة حديثة أو في وادٍ معزول بين أعلى جبال العالم.
