منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

باراغواي أمام 266 توصية حقوقية في جنيف.. السجون والصحافة والتمييز في الواجهة

30 أغسطس 2026
مجلس حقوق الإنسان في جنيف
مجلس حقوق الإنسان في جنيف

قدمت الدول المشاركة في الاستعراض الدوري الشامل لباراغواي في مجلس حقوق الإنسان بجنيف حزمة واسعة من التوصيات، بلغ عددها 266 توصية، تناولت مختلف جوانب حالة حقوق الإنسان في البلاد.

وتطرقت التوصيات إلى التشريعات والالتزامات الدولية ومكافحة التمييز والعنصرية، كما تناولت استقلال القضاء وأوضاع السجون وحماية الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، فضلاً عن مكافحة الاتجار بالبشر وعمل الأطفال، والحد من الفقر والفوارق الاجتماعية، وتحسين خدمات الصحة والتعليم، وتعزيز حقوق النساء والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة والشعوب الأصلية والمهاجرين.

ووفقاً لتقرير الاستعراض الدوري، ستدرس باراغواي هذه التوصيات على أن تقدم ردودها عليها في موعد مناسب لا يتجاوز موعد انعقاد الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان.

وضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان التي تعقد في جنيف خلال الفترة من 7 سبتمبر إلى 7 أكتوبر 2026، يناقش المجلس تقرير الفريق العامل المعني بالاستعراض الدوري الشامل الخاص بباراغواي.

 وكان الفريق العامل قد استعرض حالة حقوق الإنسان في باراغواي خلال دورته الثانية والخمسين التي عقدت في الفترة من 4 إلى 15 مايو 2026، في حين جرى الاستعراض الخاص بباراغواي في جلسة 6 مايو، برئاسة وفد ترأسه وزير العدل رودريغو نيكورا، واعتمد الفريق العامل التقرير في 15 مايو 2026.

ويكشف التقرير عن صورة مزدوجة لحالة حقوق الإنسان في باراغواي؛ فمن ناحية، عرضت الحكومة مجموعة من الإصلاحات والسياسات التي قالت إنها أسهمت في إحراز تقدم في عدد من المجالات، في حين عكست مداخلات الدول المشاركة استمرار تحديات هيكلية تتطلب إجراءات تشريعية ومؤسسية أكثر عمقاً.

وفي ختام الاستعراض، أعادت باراغواي تأكيد التزامها بآلية الاستعراض الدوري الشامل، وشدد وفدها على تعزيز المؤسسات وتحدي الدولة وتنفيذ سياسات ذات نهج حقوقي، ما يضمن وصول فوائد التنمية والسياسات العامة إلى جميع السكان، ولا سيما الفئات الأشد ضعفاً.

التزامات دولية وتشريعات حقوقية

في مقدمة التوصيات، دعت عدة دول باراغواي إلى تعزيز مواءمة منظومتها التشريعية مع التزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان، ومنها التصديق على البروتوكول الاختياري للعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والانضمام إلى اتفاقيات إقليمية تتعلق بمكافحة جميع أشكال التمييز والتعصب والعنصرية، فضلاً عن اتفاقية ليوبليانا-لاهاي بشأن المساعدة القانونية المتبادلة.

كما دعت التوصيات إلى اعتماد قوانين مناسبة لتنفيذ الالتزامات الناشئة عن القانون الدولي لحقوق الإنسان، ومواءمة الإطار التشريعي الوطني مع تلك الالتزامات.

وشملت التوصيات كذلك تعزيز تنفيذ خطة العمل الأولى للسياسة الوطنية للرعاية للفترة 2025-2030، وضمان توفير الموارد اللازمة والتنسيق بين المؤسسات.

وفي المقابل، عرضت باراغواي خلال الاستعراض ما وصفته بالتقدم في مجال التعاون الدولي لحقوق الإنسان، مؤكدة التزامها بالقانون الدولي لحقوق الإنسان، ومشيرة إلى انضمامها إلى الاتفاقية الخاصة بمكافحة التمييز في مجال التعليم، وإلى اتفاقية البلدان الأمريكية بشأن حماية حقوق الإنسان لكبار السن، إلى جانب استمرارها في إتاحة المجال أمام المكلفين بولايات في إطار الإجراءات الخاصة لزيارة البلاد.

التمييز والعنصرية.. أولوية واسعة في التوصيات

احتلت قضية مكافحة التمييز مساحة كبيرة من التوصيات؛ إذ دعت مجموعة من الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان باراغواي إلى اعتماد قانون شامل يحظر جميع أشكال التمييز، ويغطي مختلف أسس التمييز ومجالات الحياة الاجتماعية، مع ضمان سبل انتصاف فعالة للضحايا.

وتضمنت التوصيات مطالب تتعلق صراحة بالتمييز على أساس الأصل الإثني والإعاقة ونوع الجنس والهوية الجنسانية والميل الجنسي، فضلاً عن الدعوة إلى مواجهة خطاب الكراهية.

كما طالبت دول أخرى بتعزيز التشريعات والسياسات الخاصة بمكافحة العنصرية والتمييز العنصري، مع إيلاء اهتمام خاص للمنحدرين من أصل إفريقي والشعوب الأصلية والأشخاص ذوي الإعاقة والنساء.

وكان لمصر حضور ضمن هذه التوصيات، حيث دعت إلى تعزيز التشريعات الوطنية لمكافحة العنصرية والتمييز وكراهية الأجانب، وضمان مكافحة جميع أشكال التمييز ضد المنحدرين من أصل إفريقي.

كما دعت مصر، في توصية أخرى، إلى اتخاذ تدابير إضافية لمكافحة الاتجار بالأشخاص، ولا سيما الأطفال، وضمان توفير الحماية والدعم اللازمين للضحايا، إضافة إلى توصية تتعلق بتوافق التشريعات الوطنية الخاصة بالمهاجرين مع الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم.

السجون والحبس الاحتياطي واستقلال القضاء

أظهرت التوصيات أن أوضاع السجون ونظام العدالة في باراغواي يمثلان أحد أبرز الملفات التي تحتاج إلى معالجة.

فقد دعت عدة دول إلى الحد من الاستخدام المفرط للحبس الاحتياطي، وتحسين ظروف الاحتجاز، ومعالجة الاكتظاظ داخل السجون، وتوسيع استخدام البدائل للحبس الاحتياطي.

وطالبت توصيات أخرى بإلغاء ممارسة العزل المطول، وضمان إجراء تحقيقات مستقلة في حالات التعذيب وسوء المعاملة، وتصنيف التعذيب جريمة مستقلة، إلى جانب تحسين أوضاع السجون ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وضمان حصول الضحايا، ولا سيما الأطفال، على الدعم اللازم.

كما ركزت التوصيات على استقلال القضاء وكفاءته وحياده وشفافية إجراءاته، وعلى ضمان وصول الجميع إلى العدالة، خاصة الفئات التي تواجه معوقات مرتبطة بعدم المساواة أو التمييز.

ودعت توصيات إلى تعزيز آليات التعويض لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة خلال فترة الديكتاتورية، وتحسين سرعة الإجراءات القضائية وشفافيتها.

وفي عرضها أمام الدول، قالت باراغواي إنها حققت تقدماً في خفض نسبة الحبس الاحتياطي، ورقمنت الإجراءات القضائية، وعززت الضوابط الداخلية والتدريب في مجالي الأخلاقيات وحقوق الإنسان.

كما أشارت إلى نموذج جديد لإدارة السجون شمل تحسين البنية التحتية وتصنيف السجناء وتدريب الموظفين، وفصل المدانين عن المحبوسين احتياطياً.

الصحفيون والمدافعون عن حقوق الإنسان

من أكثر الملفات حساسية في التقرير حماية الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، فقد توالت التوصيات المطالبة بإقرار قانون شامل لحمايتهم، وإنشاء آلية حماية فعالة ومستقلة، وضمان التحقيق السريع والنزيه في الاعتداءات والتهديدات وأعمال الانتقام التي قد يتعرضون لها.

كما طالبت التوصيات بضمان حرية الصحافة وحرية التعبير والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات، وتهيئة بيئة آمنة للصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء المجتمع المدني، مع إخضاع المسؤولين عن الاعتداءات للمساءلة.

وطالت الانتقادات كذلك الإطار القانوني المنظم لمنظمات المجتمع المدني.

فقد دعت توصيات إلى مراجعة وتعديل القانون رقم 2024/7363، أو إلغائه أو مواءمته مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ما يضمن حرية تكوين الجمعيات، ويزيل القيود المفرطة على منظمات المجتمع المدني، ويحمي البيانات الشخصية، وييسر الوصول إلى التمويل بشروط شفافة.

الأطفال.. من العمل والاستغلال إلى الزواج المبكر

برزت حماية الأطفال بوصفها أحد المحاور الرئيسية في التقرير، خصوصاً فيما يتعلق بعمل الأطفال والاستغلال والاتجار بهم.

وتكررت التوصيات المطالبة بالقضاء على ممارسة “criadazgo”، وهي ممارسة تتعلق بإلحاق الأطفال بأسر أخرى للعمل المنزلي، مع الدعوة إلى تجريمها صراحة وتعزيز برامج الحماية الاجتماعية وتوفير الموارد الكافية للوقاية منها.

وطالبت دول عدة بتطوير الاستراتيجية الوطنية لمنع عمل الأطفال والقضاء عليه، ومعالجة العمل المنزلي غير المدفوع، ولا سيما المناطق الريفية والقطاع غير الرسمي، وضمان إعادة الأطفال إلى التعليم ونظام الحماية الاجتماعية.

كما دعت توصيات إلى تكثيف مكافحة الاتجار بالأشخاص، وخاصة الأطفال، وضمان العدالة والتعويض والحماية والدعم للضحايا.

وفي ملف آخر، دعا عدد من الدول إلى رفع الحد الأدنى لسن الزواج إلى 18 عاماً دون استثناءات، وإلغاء الاستثناءات القانونية التي تسمح بزواج الأطفال.

كما أوصى التقرير بضمان تسجيل جميع المواليد وإصدار شهادات الميلاد لهم، وتسهيل إجراءات التسجيل، خصوصاً في المناطق الريفية والنائية.

الفقر والفوارق الاجتماعية

رغم إشادة عدد من الدول بالسياسات التي اتخذتها باراغواي للحد من الفقر، ظل الفقر وعدم المساواة ضمن أبرز القضايا التي تكررت في التوصيات.

ودعت التوصيات إلى مواصلة تنفيذ الخطة الوطنية للحد من الفقر للفترة 2023-2030، مع ضمان تطبيقها على المستوى الإقليمي، وتحسين التنسيق بين المؤسسات وتركيز التدخلات على الفئات الضعيفة.

كما طالبت بتكثيف الجهود للحد من الفقر من خلال خطة التنمية الوطنية في أفق 2050، وتقليص الفوارق بين المناطق الحضرية والريفية، وتوسيع برامج التحويلات النقدية ودعم فرص العمل للأسر الضعيفة في المناطق الريفية.

كما ربطت التوصيات بين مكافحة الفقر والحق في السكن والمياه والصرف الصحي والخدمات الأساسية، مع اهتمام خاص بالأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة والفئات المهمشة والمجتمعات الريفية والسكان الأصليين.

الصحة والتعليم.. فجوة الريف والمناطق النائية

في قطاع الصحة، دعت التوصيات إلى تعزيز قدرات التنفيذ والرصد داخل وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية، وضمان وصول الجميع إلى الخدمات الصحية، ومنها خدمات الصحة الجنسية والإنجابية.

وطالبت دول أخرى بتخصيص الموارد اللازمة لضمان حصول الجميع بصورة منصفة على الرعاية الطبية والأدوية والخدمات الصحية الجيدة.

وتكرر التركيز على المناطق الريفية والنائية، حيث دعت التوصيات إلى زيادة الاستثمار في البنية التحتية الصحية، وتوفير الموارد البشرية الكافية، وضمان استدامة الخدمات، مع مراعاة احتياجات الشعوب الأصلية.

كما تضمنت توصيات ضمان الوصول العادل إلى الأدوية والإمدادات الطبية ووسائل النقل الطبي.

وفي التعليم، طالبت التوصيات بضمان التعليم الابتدائي والثانوي المجاني والجيد والمنصف لجميع الأطفال، وزيادة معدلات الالتحاق، والحد من التسرب، وتعزيز التعليم الشامل للطلاب ذوي الإعاقة والفئات الضعيفة.

كما تركزت الدعوات على الأطفال في المناطق الريفية وأطفال الشعوب الأصلية، وعلى توفير التدريب الكافي للمعلمين وضمان مجانية التعليم وتوافره، ما يرسخ التعليم باعتباره منفعة عامة.

المرأة والعنف والتمثيل السياسي

احتل وضع المرأة والعنف القائم على النوع الاجتماعي مساحة واسعة من التوصيات التي دعت إلى تعزيز حماية حقوق المرأة، وزيادة تمثيلها في هيئات صنع القرار، واتخاذ تدابير تشريعية لتعزيز مشاركتها الكاملة والمتساوية والفعالة في الحياة السياسية.

وطالبت الدول كذلك بتنفيذ أنظمة شاملة للوقاية من العنف ضد النساء والفتيات والمراهقات، وتوفير الدعم والتعويض للضحايا، وتعزيز الخدمات المتخصصة، ومنها الملاجئ والمساعدة القانونية والدعم النفسي والاجتماعي، خصوصاً في المناطق الريفية.

كما دعت توصيات إلى معالجة الثغرات في التحقيق والملاحقة القضائية في جرائم العنف الجنساني، وتعزيز مساءلة الجناة، وضمان حصول الضحايا على الخدمات المناسبة.

وشملت التوصيات العنف الرقمي ضد المرأة، وقتل النساء، وحماية الفتيات والنساء من مختلف أشكال التمييز والعنف.

الشعوب الأصلية والأشخاص ذوو الإعاقة

خصص التقرير حيزاً مهماً لحقوق الشعوب الأصلية، حيث دعت التوصيات إلى ضمان حقوقهم في الأراضي والمياه والخدمات الأساسية، وتحسين إمكانية وصولهم إلى القضاء والصحة والتعليم، وضمان التشاور المبكر والحر والمستنير معهم في القضايا التي تمس حقوقهم.

كما طالبت توصيات بتعزيز قدرات المعهد الوطني لشؤون السكان الأصليين، وتحسين التنسيق بين المؤسسات، وتوفير خدمات صحية وتعليمية وقضائية تراعي الخصائص الثقافية، فضلاً عن منع الطرد القسري وحماية الأراضي وضمان المشاركة في صنع القرار.

وبالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة، دعت التوصيات إلى تعزيز التعليم الشامل، وخدمات التأهيل والأجهزة المساعدة، وتحسين الوصول إلى الخدمات العامة، وضمان فرص كبرى للتوظيف والرعاية الصحية، مع اتخاذ إجراءات إضافية لمنع التمييز والعنف ضد النساء ذوات الإعاقة.

الهجرة.. دعوة إلى إطار قانوني متوافق مع المعايير الدولية

وفي نهاية قائمة التوصيات تقريباً، تناول التقرير حقوق المهاجرين، داعياً إلى اعتماد وتنفيذ تشريعات وسياسات تضمن الاحترام الكامل لحقوقهم، بغض النظر عن وضعهم، ومنها الحصول على الخدمات الأساسية.

وطالبت توصيات أخرى بتسريع اعتماد إطار قانوني للهجرة، واعتماد قانون للهجرة يتوافق بالكامل مع الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم.

وجاءت مصر ضمن الدول التي دعت تحديداً إلى ضمان توافق التشريعات الوطنية مع أحكام هذه الاتفاقية.

وفي المقابل، أكدت باراغواي خلال الاستعراض تمسكها بالتعاون مع آليات حقوق الإنسان، واستعرض وفدها مجموعة من الإجراءات التي قال إنها حققت تقدماً في مجالات مكافحة الفقر، والصحة والتعليم، والحماية الاجتماعية، وحقوق المرأة والطفل، وحقوق الشعوب الأصلية، والأشخاص ذوي الإعاقة، ومكافحة الاتجار بالبشر.

وبينما أشادت دول عدة بهذه الخطوات، فإن حجم وتنوع التوصيات يعكسان استمرار فجوات بين الإطار القانوني والسياسات المعلنة وبين التطبيق العملي في عدد من الملفات، خصوصاً مكافحة التمييز، واستقلال القضاء، وأوضاع السجون، وحماية الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وحرية المجتمع المدني، والفقر والفوارق بين المناطق، وحماية النساء والأطفال والفئات المهمشة.

وتبقى الخطوة التالية مرتبطة بموقف باراغواي من التوصيات الـ266؛ إذ ينص التقرير على أنها ستدرسها وتقدم ردودها في موعد مناسب لا يتجاوز موعد انعقاد الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان.

وبذلك يتحول الاستعراض من عملية لتقييم حالة حقوق الإنسان إلى اختبار لمدى استعداد الدولة لتحويل التوصيات الدولية إلى تشريعات وسياسات وموارد وآليات تنفيذ قابلة للقياس والمتابعة.