يواصل الغرق حصد مئات الآلاف من الأرواح كل عام، وبينما تبقى معظم هذه الوفيات قابلة للوقاية، يحيي العالم في 25 يوليو اليوم الدولي للوقاية من الغرق، باعتباره مناسبة أممية لتجديد الالتزام بحماية الحق في الحياة، وتعزيز الوعي بأن الغرق لم يعد مجرد حادث عرضي، بل تحدٍ عالمي في مجال الصحة العامة والتنمية يتطلب استجابة منسقة على المستويات كافة.
ويأتي إحياء المناسبة في عام 2026 تحت شعار “معاً لتغيير مسار المأساة”، وهو الشعار الذي اعتمدته منظمة الصحة العالمية للدعوة إلى توحيد جهود الحكومات والمجتمعات والقطاعات المختلفة من أجل تسريع العمل للحد من وفيات الغرق، وترجمة الاستراتيجية العالمية للوقاية من الغرق إلى إجراءات عملية تنقذ الأرواح.
وتؤكد المنظمة أن الهدف المشترك يتمثل في خفض وفيات الغرق بنسبة 35% بحلول عام 2035، مشددة على أن تحقيق هذا الهدف يعتمد على إسهام الجميع؛ «كل شخص، وفي كل مكان، وفي كل سياق».
نشأة اليوم
اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم الدولي للوقاية من الغرق بموجب القرار A/RES/75/273 الصادر في 29 أبريل 2021، وحددت 25 يوليو من كل عام موعداً لإحيائه.
وجاء القرار اعترافاً بالغرق باعتباره قضية عالمية للصحة العامة والتنمية، ودعوة إلى تعزيز الجهود الرامية إلى الوقاية منه، مع تكليف منظمة الصحة العالمية بتنسيق أنشطة الوقاية من الغرق داخل منظومة الأمم المتحدة، وإعداد المواد التوعوية، وتنظيم الفعاليات العالمية، ودعم الأنشطة الوطنية والمحلية في مختلف الدول.
وتؤكد الأمم المتحدة أن هذا اليوم يمثل فرصة لتسليط الضوء على الأثر الإنساني العميق للغرق في الأسر والمجتمعات، وفي الوقت نفسه إبراز الحلول العملية التي أثبتت فعاليتها في الوقاية منه، ما يعزز حماية الأرواح ويحد من الخسائر البشرية والاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بهذه الظاهرة.
أرقام تكشف حجم الأزمة
توضح منظمة الصحة العالمية أن الغرق لا يزال أحد أكثر أسباب الوفاة التي يمكن الوقاية منها إهمالاً على مستوى العالم. وتشير أحدث بياناتها إلى أن الغرق يودي بحياة نحو 300 ألف شخص سنوياً، أي بمعدل يقارب 30 شخصاً كل ساعة، في حين يشكل الأطفال دون الخامسة ما يقرب من ربع هذه الوفيات.
كما يعد الغرق من بين أبرز أسباب وفاة الأطفال واليافعين، إذ يحتل المرتبة الرابعة بين أسباب وفاة الأطفال من عمر سنة إلى أربع سنوات، والثالثة بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين خمس وأربع عشرة سنة.
وتلفت المنظمة إلى أن 92% من وفيات الغرق تقع في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، في حين تحدث معظمها في الأنهار والبحيرات والآبار وخزانات المياه المنزلية وأحواض السباحة، مع تعرض الأطفال والمراهقين في المناطق الريفية لمخاطر كبرى مقارنة بغيرهم.
وتؤكد أن معدلات الوفاة بالغرق في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل تزيد بأكثر من ثلاثة أضعاف عنها في الدول مرتفعة الدخل.
استراتيجية عالمية لتغيير الواقع
تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن إطلاق الاستراتيجية العالمية للوقاية من الغرق جاء استجابة للحاجة إلى توحيد جهود الحكومات والمنظمات الدولية والمجتمع المدني والقطاع الخاص والباحثين حول أهداف مشتركة، والعمل بصورة منسقة لمعالجة جميع أشكال الغرق، مع وضع المجتمعات الأكثر تضرراً في صميم عملية صنع القرار.
وتدعو الاستراتيجية إلى تعبئة جميع القطاعات لتحقيق هدف واضح يتمثل في خفض وفيات الغرق بنسبة 35% بحلول عام 2035، مؤكدة أن سد الفجوة يتطلب مشاركة الجميع، وأن كل إجراء صغير يسهم في إنقاذ الأرواح.
وفي إطار الاحتفال بعام 2026، أطلقت منظمة الصحة العالمية أيضاً الحزمة الفنية PROTECT التي تقدم للحكومات مجموعة من التدابير والسياسات العملية المبنية على الأدلة، لتحويل أهداف الاستراتيجية العالمية إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، ما يشمل تحسين البنية التحتية، وتعزيز السلامة المائية، والاستعداد لمخاطر الفيضانات، وتقوية التشريعات، وتنسيق العمل بين مختلف القطاعات.
حلول أثبتت فعاليتها
تؤكد الأمم المتحدة أن الوقاية من الغرق ليست أمراً معقداً، بل تعتمد على مجموعة من التدخلات المجربة، منها تركيب الحواجز التي تمنع الوصول غير الآمن إلى المياه، وتوفير أماكن آمنة لرعاية الأطفال بعيداً عن مصادر المياه، وتعليم السباحة ومهارات السلامة المائية والإنقاذ الآمن، وتدريب المارة على الإنقاذ والإنعاش القلبي الرئوي، ووضع لوائح تنظم سلامة القوارب والعبارات ووسائل النقل المائي وتطبيقها، فضلاً عن تحسين إدارة مخاطر الفيضانات والتخطيط للاستجابة للكوارث.
وتدعم منظمة الصحة العالمية هذه الجهود من خلال التعاون مع وزارات الصحة في العديد من البلدان، وتمويل ودعم البحوث، وتنظيم برامج تدريبية وورش عمل تجمع الحكومات ومنظمات المجتمع المدني ووكالات الأمم المتحدة، بهدف تبادل الخبرات وتوسيع نطاق التدخلات الفعالة للوقاية من الغرق
ولا تنظر الأمم المتحدة إلى الغرق باعتباره قضية صحية فقط، بل تؤكد ارتباطه المباشر بالتنمية المستدامة، والعدالة الاجتماعية، والحد من الفقر، وصحة الأطفال، والتكيف مع تغير المناخ، والحد من مخاطر الكوارث.
وتشير إلى أن قرار الجمعية العامة لعام 2021 أبرز العلاقة بين الوقاية من الغرق وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، داعياً إلى دمج تدابير الوقاية ضمن السياسات الوطنية المتعلقة بالصحة والتعليم والنقل وإدارة الكوارث.
وتحذر المنظمة من أن تغير المناخ يزيد مخاطر الغرق نتيجة تزايد الفيضانات والعواصف وموجات الحر، وهو ما يجعل تعزيز القدرة على الصمود وتحسين نظم الإنذار المبكر والتخطيط لإدارة مخاطر الفيضانات جزءاً أساسياً من جهود الوقاية.
مسؤولية مشتركة
وتختتم الأمم المتحدة رسالتها بمناسبة اليوم الدولي للوقاية من الغرق لعام 2026 بتأكيد أن كل وفاة غرق تمثل مأساة يمكن منعها، وأن المعرفة بالحلول متوافرة، لكن المطلوب هو الإسراع في تنفيذها.
ولذلك تدعو الحكومات، والمؤسسات التعليمية، والقطاع الخاص، والعاملين في الأنشطة المائية، والأسر، وقادة المجتمعات المحلية، إلى أداء دورهم في بناء بيئات أكثر أماناً حول المياه، وترسيخ ثقافة الوقاية؛ لأن كل حياة تستحق الحماية، وكل إجراء يمكن أن يصنع الفارق بين الحياة والموت.
