منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

اليمن.. تهم التجسس تهدد حياة العاملين الإنسانيين وتضيّق سبل الإغاثة

02 نوفمبر 2026
اليمن.. تهم التجسس تهدد حياة العاملين الإنسانيين وتضيّق سبل الإغاثة
اليمن.. تهم التجسس تهدد حياة العاملين الإنسانيين وتضيّق سبل الإغاثة

خرج سامي الكلابي من الاحتجاز في 14 أكتوبر/تشرين الأول 2026، لكن مرض السرطان الذي أصابه خلال أكثر من عامين خلف القضبان جعل حريته مشروطة بمعركة أخرى من أجل العلاج، حيث كان الموظف اليمني في مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن قد اعتُقل من عمله بصنعاء في يونيو/حزيران 2024، وحرم من التواصل المنتظم مع أسرته، قبل إحالته إلى النيابة بتهمتي «التجسس» و«إعانة العدو» اللتين قد تصل عقوبتهما إلى الإعدام.

رحبت الأمم المتحدة بالإفراج عن الكلابي البالغ 41 عاماً، ودعت إلى توفير الرعاية الطبية المتخصصة له بصورة عاجلة، لكن عشرات من زملائه ظلوا محتجزين لدى سلطات الحوثيين، في ظل اتهامات أمنية ترفضها المنظمة الدولية وتحذيرات حقوقية من محاكمات تفتقر إلى الضمانات الأساسية.

وتكشف قضيته وجهاً من أزمة تتجاوز حرية العاملين الإنسانيين إلى حق ملايين اليمنيين في الحصول على الغذاء والدواء، بعدما أصبحت الاعتقالات وخطابات التخوين عائقاً أمام استمرار العمل الإغاثي.

-اليمن.. العاملون الإنسانيون خلف القضبان

اعتقالات ومحاكمات تهدد الحق في الحياة

تعود اعتقالات موظفين أمميين وعاملين في المجتمع المدني إلى عام 2021، وشملت موظفين سابقين بالسفارة الأمريكية في صنعاء، ووثقت منظمة مواطنة لحقوق الإنسان مداهمات واحتجاز عاملين في المجالين الإنساني والتنموي خلال مايو/أيار ويونيو/حزيران 2023.
وفي مايو/أيار 2024 بدأت موجة اعتقالات طالت 13 موظفاً أممياً وما لا يقل عن 50 عاملاً في منظمات المجتمع المدني، أعقبتها اعتقالات أخرى في يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب 2025.

وبحسب الأمم المتحدة، بقي 71 من موظفيها محتجزين عقب الإفراج عن الكلابي، إضافة إلى عشرات العاملين في منظمات إنسانية ومؤسسات مدنية.

وامتدت المخاطر إلى حياة المحتجزين؛ إذ توفي مسؤول الأمن والسلامة في منظمة إنقاذ الطفل خلال أكتوبر/تشرين الأول 2023، كما توفي موظف في برنامج الأغذية العالمي بعد احتجازه في صعدة خلال فبراير/شباط 2025. وطالبت الأمم المتحدة بالتحقيق في الوفاة الأخيرة، في حين أثارت منظمة العفو الدولية مخاوف بشأن احتمال تعرضه لسوء المعاملة.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أصدرت المحكمة الجزائية المتخصصة بصنعاء أحكام إعدام بحق 17 شخصاً بتهم التجسس، بعد بث اعترافات متلفزة. وأثارت إجراءات المحاكمة اعتراضات حقوقية ودولية.

ثم أُحيل ثمانية عاملين في مؤسسات أممية وإنسانية وحقوقية إلى النيابة منذ أغسطس/آب 2026، بتهم قد تصل عقوبتها إلى الإعدام. وقالت منظمة العفو الدولية إنهم حُرموا من الوصول الكافي إلى المحامين، وإن أسر بعضهم تحدثت عن اعترافات انتُزعت تحت الإكراه.

 -من الاعتقال إلى المحاكمة.. 5 حقوق مهددة

المرض والتعذيب خلف القضبان

من بين المحتجزين لبيب شائف، البالغ 57 عاماً، والذي اعتُقل من مكتبه في يونيو/حزيران 2024. وبحسب منظمة العفو الدولية، لم يُسمح له إلا بزيارة عائلية واحدة، ويعاني السكري وأصيب بالتهاب الكبد الوبائي خلال احتجازه.

أما الدكتور علي المضواحي، خبير الصحة العامة والمستشار السابق لدى يونيسف، فتقول زوجته إنه تعرض للحبس الانفرادي والتعذيب، وإن المحققين حاولوا إجباره على وصف اللقاحات بأنها أدوات للتجسس.

وتشير العفو الدولية إلى تدهور أوضاع صحية لمحتجزين آخرين، بينهم مرضى بالسكري والسرطان ومهدد بفقدان البصر.

وتتعارض هذه الممارسات، متى ثبتت، مع ضمانات الحرية والمحاكمة العادلة وحظر التعذيب المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب. كما تؤكد قواعد نيلسون مانديلا حق المحتجزين في الرعاية الصحية.

ويشدد التعليق العام رقم 36 للجنة المعنية بحقوق الإنسان على قصر عقوبة الإعدام، في الدول التي لم تلغها، على الجرائم الأشد خطورة التي تنطوي على القتل العمد، ويحذر من فرضها عقب محاكمات غير عادلة.

التخوين يهدد العمل الإنساني

تتهم سلطات الحوثيين بعض العاملين في المنظمات الدولية بالانتماء إلى شبكات تجسس لمصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل، وبثت قناة المسيرة اعترافات لمحتجزين قبل محاكمتهم.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025 اتهم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي موظفين في برنامج الأغذية العالمي بالتجسس. ورفض الأمين العام للأمم المتحدة الاتهامات، محذراً من تعريض سلامة موظفي المنظمة للخطر.

ولا يقتصر أثر هذا الخطاب على سمعة المحتجزين؛ إذ قد يقوض افتراض البراءة ويزرع الشك في العمل الإنساني نفسه، خصوصاً عندما ترتبط الاتهامات ببرامج التطعيم والصحة العامة.

وتؤكد خطة عمل الرباط بشأن التحريض أهمية تقييم خطورة الخطاب وفق سياقه ومكانة المتحدث واحتمال ترتب أذى عليه، دون اعتبار كل اتهام أو خطاب عدائي تحريضاً مجرماً تلقائياً.

3-حين تتعطل الإغاثة.. ملايين اليمنيين في دائرة الخطر

ملايين المدنيين أمام خطر انقطاع المساعدة

تقدر الأمم المتحدة احتياج 22.3 مليون يمني إلى المساعدة والحماية خلال 2026، بينهم 5.2 مليون نازح، في حين يعاني 18.3 مليون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، وأكثر من 2.2 مليون طفل دون الخامسة سوء التغذية الحاد.

وتقول منظمة مواطنة إن الاعتقالات دفعت منظمات إلى تعليق أنشطتها أو إغلاق مكاتبها في مناطق سيطرة الحوثيين. وحذرت الأمم المتحدة من أن احتجاز موظفيها واقتحام مقراتها والاستيلاء على أصولها يعوق إيصال المساعدات، بالتزامن مع تصعيد عسكري أدى إلى تعطيل خدمات إنسانية واسعة.

وتصف رئيسة منظمة مواطنة رضية المتوكل استهداف العاملين الإنسانيين بأنه اعتداء على مصدر أمل لملايين المحتاجين، داعية إلى الحوار بدلاً من الاعتقالات.
ويرى الباحث اليمني فارع المسلمي أن الجماعة تتعامل مع مواطنيها بوصفهم رهائن، في حين يحذر المحامي عبد الله شداد من ترهيب المحامين الذين يتصدون للاحتجاز التعسفي.

وفي تصريح لـ«صفر»، يعتبر الحقوقي ريدان الأصبحي إحالة العاملين الإنسانيين إلى محاكمات قد تنتهي بالإعدام تصعيداً خطيراً، داعياً إلى تحرك دبلوماسي يتجاوز بيانات الإدانة.

ويتهم الدكتور نجيب السعدي، رئيس الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، الحوثيين باستخدام الاحتياجات الإنسانية لتعزيز السيطرة، والتدخل في توزيع المساعدات، وهي اتهامات لم تتمكن «صفر» من التحقق منها بصورة مستقلة.

وتدعو آمنة القلالي، مديرة البحوث بمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، إلى ضغط دولي موحد للإفراج عن المحتجزين. وشارك المركز مع مركز الخليج لحقوق الإنسان ورابطة أمهات المختطفين ومركز صنعاء للدراسات ومنظمات أخرى في بيان مشترك يرفض اتهامات التجسس.

كما تصف ديالا حيدر، الباحثة بمنظمة العفو الدولية، الملاحقات القضائية بأنها كيدية، مطالبة بإعطاء الإفراج عن المحتجزين أولوية دولية.
وجدد المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، والمبعوث الأممي هانس غروندبرغ، مطالبات الإفراج عن موظفي الأمم المتحدة، مؤكدين ضرورة حمايتهم أثناء أداء مهامهم.

حماية العاملين شرط لاستمرار الإغاثة

تكفل قواعد القانون الدولي الإنساني حماية العاملين في الإغاثة، ويؤكد قرار مجلس الأمن 2730 لعام 2024 ضرورة احترامهم وحمايتهم. كما تقر اتفاقية امتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها ضمانات لموظفي المنظمة عن أعمالهم الرسمية.

وتطالب المنظمات الحقوقية بالإفراج عن المحتجزين تعسفياً، وضمان وصولهم إلى المحامين والرعاية الطبية، والتحقيق المستقل في الوفيات والانتهاكات، ووقف الاعترافات المتلفزة والمحاكمات التي تفتقر إلى الضمانات.

لكن الإفراج وحده لا يعالج الخطر الأوسع. فاستمرار ربط الإغاثة بالتجسس يهدد قدرة المنظمات على العمل، ويضع المدنيين أمام احتمال فقدان الخدمات التي يعتمدون عليها للبقاء.

صحيح أن سامي الكلابي استعاد حريته، لكن حماية زملائه وضمان ألا تتحول مهنة إنقاذ الأرواح إلى سبب للاعتقال، يظلان اختباراً لجدية الالتزامات الدولية، والأهم أن أي ضمانات جديدة يجب أن تحمي، إلى جانب العامل الإنساني، حق اليمنيين في وصول المساعدة إليهم دون خوف أو تعطيل.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية