رفضت شابة ليبرالية التعاون مع الادعاء العام بعدما تعرّضت لاعتداء من المجرم العنيف رهاميل بيرك داخل مترو الأنفاق، وذلك قبل خمسة أسابيع فقط من اتهامه بدفع مُدرّس متقاعد في نيويورك نحو الموت يوم الخميس الماضي.
اليوم، تشعر المرأة البالغة من العمر 23 عاماً بالندم.. وقالت لصحيفة نيويورك بوست”: “ربما كان جزء مني يقول: لا أريد أن أرسل رجلاً أسود آخر إلى السجن”.
وربما لو أنها تخلّت قليلاً عن ذلك التعاطف المتباهي مع مختلّ حاول قتلها، وأظهرت بعض الرحمة تجاه سكان نيويورك الذين تُركوا تحت رحمة مفترس منفلت يجوب الشوارع، لكان روس فالزون لا يزال على قيد الحياة.
لكن فالزون البالغ من العمر 76 عاماً كان سيئ الحظ حين دخل محطة مترو تشيلسي عصر الخميس، حيث يُزعم أن بيرك دفعه عشوائياً إلى أسفل الدرج، ما أدى إلى إصابته بإصابة دماغية كارثية أودت بحياته بعد ساعات في مستشفى بلفيو.
إن موقف هذه المرأة غير العقلاني تجاه السلامة العامة يمثل نموذجاً مثالياً لما يسميه عالم النفس التطوري جاد سعد “التعاطف الانتحاري”، وهي الحالة التي يتحول فيها التعاطف إلى درجة مفرطة تدفع الأفراد أو المجتمعات إلى اتخاذ قرارات تقوض بقاءهم أنفسهم.
ولعل هذا أفضل تفسير لحملة المضايقات المستمرة منذ سنوات ضد أجهزة إنفاذ القانون في نيويورك وسائر أنحاء البلاد، رغم تنامي الفوضى والانهيار، وازدياد جرأة المجرمين، وارتفاع أعداد الضحايا.
والمفارقة أن النساء، مثل ضحية بيرك التي نجت منه، يشكلن نسبة كبيرة من صفوف المحرّضين الغاضبين ضد شرطة نيويورك وضد وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية. فهن من أكثر الفئات عرضة لاعتداءات المجرمين العنيفين، ومع ذلك يصررن على حمايتهم على حساب ضحاياهم.
فعناصر وكالة الهجرة والجمارك، وكثير منهم من أصول لاتينية، يركزون على اعتقال القتلة ومغتصبي الأطفال سواء في مينيابوليس أو نيويورك، لكن أشد معارضيهم نساء هستيريات تم غسل أدمغتهن لتوجيه غرائزهن الطبيعية في الرعاية نحو الجاني بدلاً من الضحية.
ويقول المعالج النفسي جوناثان ألبرت، مؤلف كتاب “أمة العلاج النفسي” المقرر صدوره الأسبوع المقبل، إن هؤلاء النساء “مهووسات بكيفية نظر الآخرين إليهن، إلى درجة يرفضن فيها القيام بالشيء الصحيح”.
ويقول: “إنه تجلٍّ آخر لما يسمى فيروس العقل اليقظ (ووك)، أي التلقين الأيديولوجي وسوء التقدير الكارثي الذي يشوه كل منطق… إنهن يشعرن أن من واجبهن اتخاذ موقف، وألا يتحملن مسؤولية وقف الهجرة غير الشرعية أو إرسال رجل أسود إلى السجن… لكن الشعور بالذنب الذي تعانيه هذه الشابة الآن يفوق بكثير أي شعور بالعنصرية كانت تخشاه”.
النساء والأطفال هم الأكثر عرضة للخطر في مدينة أنهكتها سياسات التراخي مع الجريمة التي طُبقت منذ عام 2020 على يد حكام ورؤساء بلديات يساريين متعاقبين.
ومع ذلك، صوّت 84% من النساء بين 18 و29 عاماً لمصلحة زهران ممداني، المعروف بعدائه للشرطة، ليصبح رئيساً للبلدية، بعدما وعد باستبدال عناصر شرطة نيويورك بأخصائيين اجتماعيين للتعامل مع أزمات الصحة النفسية والتشرّد وحتى العنف الأسري.
أما القاضية التي أفرجت عن بيرك رغم سلسلة حديثة من أربع اعتقالات بسبب سلوك عنيف وغريب، فهي أيضاً امرأة.
القاضية مارفا براون، المحامية السابقة في “جمعية المساعدة القانونية”، معروفة بتساهلها مع المجرمين العنيفين. وفي مقطع فيديو متداول على وسائل التواصل الاجتماعي، تشرح فلسفتها: “إن الأثر الشخصي لوجود فرد من العائلة داخل السجن يؤثر فيّ بشدة، وهو ما أحمله معي كل يوم في عملي”.
اللجوء إلى العنف
قبل ساعات من اتهامه بقتل فالزون، نقلت الشرطة بيرك إلى مستشفى بلفيو لإجراء تقييم نفسي بعد اعتقاله مجدداً بسبب سلوك عدائي ومختل. لكن المستشفى أطلق سراحه بعد نحو ساعة فقط، ثم دافع لاحقاً عن قراره واعتبره “مناسباً”.
لكن، هل كان هذا القرار مناسباً لفالزون؟ أو لصناع القرار في المدينة الذين يغضون الطرف عن السلامة العامة باسم التعاطف مع المجرمين؟.
فالتشرد المتفشي، وأوكار المخدرات المفتوحة، وتقليص تمويل الشرطة، وإضعاف أنظمة العدالة، كلها سمات للمدن الديمقراطية، ويتم تبريرها دائماً باسم “التعاطف”.
وأكثر المدافعين عن هذا الانهيار الأخلاقي هن النساء الليبراليات البيضاوات المترفات اللواتي أصبحن معروفات اختصاراً بـ”AWFL”، أي “النساء الليبراليات البيضاوات الميسورات”.
الرئيس دونالد ترامب يدفع هؤلاء النساء إلى نوبات غضب استعراضية، بدأت بمظاهرات “قبعات القطط” خلال ولايته الأولى، ووصلت اليوم إلى احتجاجات مناهضة لوكالة الهجرة والجمارك، ومسيرات “لا ملوك” الغامضة في أنحاء البلاد.
وبحسب باحثين في الجامعة الأمريكية أجروا استطلاعاً العام الماضي في واشنطن، كان نحو 90% من المشاركين في احتجاجات “لا ملوك” من البيض، وقرابة 60% منهم من النساء، بمتوسط عمر بلغ 44 عاماً، في حين وافق نحو ربعهم على عبارة تقول: “قد يضطر الأمريكيون إلى اللجوء للعنف من أجل إنقاذ بلادهم”.
وأحياناً، حين تصطدم هؤلاء النساء بالواقع مباشرة، يغيّرن مواقفهن، كما حدث مع آنا كاسباريان، المشاركة في تقديم بودكاست “ذا يونغ تركس”. فقد أعلنت تخليها عن الحزب الديمقراطي بعدما هاجمها ليبراليون ووصفوها بالعنصرية وعدم الرحمة لأنها قالت إنها أصبحت تخشى مغادرة منزلها بعد تعرضها لاعتداء جنسي من مشرّد أثناء تمشيتها مع كلبها في لوس أنجلوس.
كما يجذب سبنسر برات، مرشح “ماغا” غير المتوقع لرئاسة بلدية لوس أنجلوس، أمهات ليبراليات بدأن يتبنين رسائله المتعلقة بـ”أولوية النساء والأطفال” في الأمن العام.
لكن ينبغي ألا ننتظر حتى تصبح النساء أنفسهن ضحايا للجريمة كي يستيقظن.
لقد أدى تسليح التعاطف أيضاً إلى ارتفاع الدعم النسائي غير المتناسب للاغتيالات السياسية، بحسب استطلاع أجرته في يناير مؤسسة “شبكة أبحاث العدوى الاجتماعية” في جامعة روتجرز. وأظهر الاستطلاع أن دعم القتل السياسي بين النساء يفوق الرجال بنحو 15٪.
هذا التحول خطير
صدر هذا الاستطلاع بعد أربعة أشهر فقط من اغتيال المؤثر المحافظ تشارلي كيرك، على يد شاب يُعتقد أنه تأثر بأيديولوجيا المتحولين جنسياً، وبعد أشهر من محاولتي اغتيال منفصلتين استهدفتا دونالد ترامب، وبعد عام من مقتل المدير التنفيذي لشركة تأمين صحي، براين تومبسون، برصاصة في ظهره وسط مانهاتن، على يد من يُعتقد أنه قاتل سياسي بدم بارد يدعى لويجي مانجيوني.
كما ارتفعت نسبة من يبررون قتل دونالد ترامب بين اليساريين من 56% في أبريل الماضي إلى 67%، وفقاً لاستطلاع روتجرز، في حين رأى 54% من المحافظين أن اغتيال زهران ممداني قد يكون مبرراً، ما يشير إلى أن “ثقافة لويجي” تجاوزت الانقسام الأيديولوجي.
لكن النساء كنّ أكثر ما أثار دهشة الباحثين في جامعة روتجرز الذين كتبوا أن “الارتفاع غير المتوقع في تقبّل النساء لخطاب الاغتيال السياسي تحت تأثير التعرض المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي يشير إلى أن شيئاً جوهرياً قد تغيّر في البيئة الأخلاقية”.
وأضاف الباحثون: “هذا التحول مهم لأن النساء لعبن تاريخياً دوراً مهدئاً في الحياة المدنية والاجتماعية. ففي مختلف الثقافات، ارتبطت النساء بصورة كبرى بقيم الرعاية وتجنب الأذى والتماسك الاجتماعي. وعندما تبدأ حتى الفئات المرتبطة تقليدياً بضبط النفس الأخلاقي بإظهار قدر أكبر من التسامح مع العنف السياسي، فهذا يعني أن التآكل لم يعد أيديولوجياً فحسب، بل أصبح بنيوياً”.
نعم، إنه أمر مرعب.. لقد جرى تحويل غرائز النساء الطبيعية في الرعاية والاحتواء إلى أسلحة في حرب سياسية، وخصوصاً داخل اليسار.
نقلاً عن نيويورك بوست
