لا ينتهي أثر الحروب عندما تصمت الأسلحة أو تتوقف المعارك، فخلف المدن المدمرة والبيوت الخالية يبقى جرح آخر أقل ظهوراً وأكثر امتداداً.. الجرح النفسي للناجين، فضحايا التعذيب، والناجون من القصف والنزوح والاعتقال، لا يغادرون التجربة بمجرد النجاة الجسدية، بل يحمل كثير منهم آثاراً عميقة قد تلازمهم لسنوات، في صورة قلق واكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة وفقدان الشعور بالأمان.
وتكشف هذه الآثار أن الصحة النفسية في مناطق النزاع ليست مسألة ثانوية أو رفاهية علاجية، بل حق إنساني أساسي وجزء لا يتجزأ من الحق في الصحة والكرامة والتعافي، فغياب الدعم النفسي المتخصص، وضعف الخدمات، والوصمة الاجتماعية، كلها عوامل تجعل الصدمة تتحول من تجربة فردية إلى أزمة مجتمعية ممتدة، تعوق قدرة الناجين على استعادة حياتهم والعودة إلى التعليم والعمل وبناء العلاقات.
وتؤكد بيانات منظمة الصحة العالمية الصادرة عام 2025 حجم هذه الأزمة، إذ تشير إلى أن نحو 22% من الأشخاص الذين عاشوا حروباً أو نزاعات خلال السنوات العشر الأخيرة يعانون من اضطرابات نفسية تشمل الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة والفصام، وهي نسبة تفوق المعدلات العالمية بشكل واضح.
كما تصل معدلات اضطراب ما بعد الصدمة إلى نحو 15.3% بين من تعرضوا مباشرة للحروب والعنف المسلح، ما يضع الصحة النفسية في قلب أي استجابة إنسانية وحقوقية جادة لما بعد النزاعات.

أرقام تكشف الصدمة العالمية
تشير دراسة علمية منشورة في المكتبة الوطنية الأمريكية للطب عام 2019 أن نحو 354 مليون ناجٍ بالغ من الحروب حول العالم يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، في حين يعاني نحو 117 مليون شخص من اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب معاً.
ولا تبدو الفجوة كبيرة بين الدول التي شهدت أو ما تزال تشهد نزاعات، إذ تراوحت معدلات اضطراب ما بعد الصدمة لدى السوريين بين 16% و84%، في حين تراوحت نسب الاكتئاب بين 11% و49%، والقلق بين 49% و55%، وفق مراجعة علمية منشورة عام 2025 في مجلة الصحة لشرق المتوسط التابعة لـمنظمة الصحة العالمية حول انتشار الاضطرابات النفسية بين اللاجئين السوريين والنازحين داخلياً.
وتشير المعطيات إلى تقارب النسب في مناطق نزاع أخرى مثل غزة ولبنان وأوكرانيا، ما يعكس الطبيعة الممتدة للأثر النفسي للحروب.

جراح تتجاوز الجسد
لا يقتصر الأثر النفسي على الناجين من الحروب فقط، بل يمتد إلى ضحايا التعذيب الذين يعانون غالباً من اضطرابات نفسية معقدة وطويلة الأمد.
وتشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن ما يصل إلى 44% من اللاجئين في بعض دول إعادة التوطين أفادوا بأنهم تعرضوا للتعذيب، ما يعكس حجم هشاشتهم النفسية واحتياجهم إلى دعم وإعادة تأهيل طويل الأمد.
وتبدو آثار الحروب أكثر قسوة على الأطفال والنساء، خصوصاً في البيئات التي تشهد نزوحاً مستمراً وفقداناً للأمان والخدمات الأساسية، ففي مراجعة بحثية حديثة حول الحرب في غزة نُشرت عام 2025، بلغت معدلات اضطراب ما بعد الصدمة بين الأطفال نحو 54%، في حين وصلت معدلات الاكتئاب إلى 41%، في مؤشر على التأثير العميق للحرب في النمو النفسي والاجتماعي للأطفال.

الصدمة النفسية.. خطر مجتمعي
لا تتوقف آثار الصدمة عند الفرد فقط، بل تمتد إلى الأسرة والمجتمع، خاصة عندما تغيب خدمات الدعم النفسي والرعاية طويلة الأمد.
وتحذر دراسات وخبراء من أن الصدمات غير المعالجة قد تسهم في ارتفاع معدلات العنف الأسري والانحراف الاجتماعي والاضطرابات السلوكية، خصوصاً لدى الأطفال الذين ينشؤون في بيئات مشبعة بالخوف والعنف والصدمات غير المعالجة؛ ما يحول الصحة النفسية من ملف علاجي إلى قضية اجتماعية وتنموية تمس استقرار المجتمعات وقدرتها على التعافي بعد الحروب.
وتُعد الصحة النفسية جزءاً من الحق في الصحة الذي تكفله المواثيق الدولية. وتنص المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966 على “حق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة البدنية والعقلية”.
وفي عام 2025 أكدت المقررة الخاصة المعنية بالتعذيب لدى الأمم المتحدة أليس جيل إدواردز ضرورة ضمان “إعادة التأهيل والدعم النفسي للناجين”، معتبرة أن إشراك الضحايا والاستماع إلى تجاربهم يمثل جزءاً أساسياً من العدالة والتعافي.

فجوة بين التوثيق والتعافي
في هذا الإطار، يوضح مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الحقوقي فضل عبد الغني، أن كثيراً من الأطفال الذين تعرضوا لانتهاكات جنسية خلال الحرب السورية تحولوا اليوم إلى شباب، دون وجود بيانات كافية حول أوضاعهم النفسية والاجتماعية الحالية.
وأوضح عبد الغني أن منظومة التوثيق الدولية تركز غالباً على تسجيل الانتهاكات لأغراض المساءلة، دون أن ترافقها برامج كافية لإعادة التأهيل والدعم النفسي للضحايا.

الصدمة لا تنتهي بسهولة
من جانبها، أكدت الدكتورة إخلاص محمود أحمد، المتخصصة في علم النفس وخبيرة الصدمات، أن الإنسان لا يغادر التجربة الصادمة بجسده فقط، بل يحملها في ذاكرته وانفعالاته ونظرته إلى نفسه والآخرين والعالم.
وأوضحت في حديثها لـ“صفر” أن الناجين يعيشون غالباً في حالة دائمة من اليقظة والخوف والترقب، وكأن الخطر ما يزال قائماً، ما يفسر أعراضاً مثل القلق والكوابيس واسترجاع المشاهد المؤلمة وصعوبة النوم والانسحاب الاجتماعي وفقدان الثقة والشعور بالذنب أو الخدر العاطفي.
وأشارت إلى أن مرحلة ما بعد الحرب قد تكون أحياناً أكثر صعوبة من الحرب نفسها؛ لأن الناجي يُطلب منه أن “يتابع حياته” في حين يبقى داخله عالقاً في التجربة الصادمة.

الصدمة أزمة إنسانية
وترى “أحمد” أن الصدمة النفسية تتحول من حالة فردية إلى أزمة مجتمعية وإنسانية عندما تصبح المعاناة واسعة النطاق ومتكررة وغير معالجة، خاصة في البيئات التي يعيش فيها آلاف الأشخاص تجارب الفقد والتهجير والعنف دون وجود خدمات نفسية كافية أو بيئة حاضنة.
وحذرت الخبيرة النفسية من أن الصدمات غير المعالجة قد تؤثر في أنماط التربية والعلاقات الأسرية والقدرة على العمل والتعلم، بل وقد تنتقل آثارها بين الأجيال، خصوصاً لدى الأطفال الذين ينشؤون مع آباء يعانون من اضطرابات نفسية مرتبطة بالحرب أو التعذيب.
وشددت على أن غياب الدعم النفسي يُعد شكلاً من أشكال استمرار المعاناة، معتبرة أن الإحاطة النفسية للناجين ليست رفاهية، بل حق إنساني أساسي وجزء من العدالة وإعادة البناء بعد النزاعات.


