منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

المرحلة الانتقالية.. سوريا تحت ضغط أزمات الاقتصاد والمفقودين والعدالة وعودة اللاجئين

21 مايو 2026
عودة النازحون السوريون
عودة النازحون السوريون

بين طوابير الخبز الطويلة، والمستشفيات التي تعمل بقدرات محدودة، والمنازل التي لا تزال تحمل آثار القصف والنزوح، يعيش ملايين السوريين واحدة من أكثر المراحل هشاشة منذ اندلاع النزاع قبل أكثر من عقد، فمع دخول سوريا مرحلة انتقالية معقدة في عام 2025، لا تبدو معاناة السكان مرتبطة فقط بإرث الحرب الطويل، بل أيضاً بأزمة إنسانية واقتصادية وحقوقية متشابكة تهدد فرص الاستقرار والتعافي.

 وبينما يحاول ملايين النازحين واللاجئين استعادة حياتهم وسط انهيار الخدمات وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، تتزايد المطالب المحلية والدولية بترسيخ العدالة الانتقالية، وكشف مصير المفقودين، وضمان حقوق الضحايا، باعتبارها ركائز أساسية لأي مسار مستدام نحو السلام وإعادة بناء الدولة السورية.

تقول الأمم المتحدة إن سوريا دخلت مرحلة انتقالية تحمل فرصاً حقيقية للاستقرار، لكنها لا تزال محاطة بتحديات هائلة قد تعيد البلاد إلى دوامة الانهيار إذا لم يتم التعامل معها عبر مسار شامل يضمن العدالة وسيادة القانون وتحسين الأوضاع المعيشية، وأكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر أمام مجلس الأمن أن سوريا شهدت تقدماً حقيقياً لكنه هش، محذراً من أن تراجع التمويل الإنساني بوتيرة أسرع من تراجع الاحتياجات يهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية، وفق الأمم المتحدة.

أزمة إنسانية هي الأكبر عالمياً

بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، يحتاج أكثر من 16.7 مليون شخص داخل سوريا إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2025، وهو من أعلى مستويات الاحتياج منذ بداية النزاع عام 2011، وتشير الأمم المتحدة إلى أن النساء والأطفال يشكلون النسبة الأكبر من المتضررين، في وقت يعاني فيه ملايين السوريين من انعدام الأمن الغذائي ونقص الخدمات الصحية والتعليمية.

وأكد برنامج الأغذية العالمي أن نحو 12.9 مليون شخص في سوريا يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، بينما يعيش أكثر من 90 بالمئة من السكان تحت خط الفقر، وفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

كما ارتفعت أسعار الغذاء والوقود بشكل غير مسبوق نتيجة استمرار التدهور الاقتصادي وتراجع قيمة العملة المحلية، إضافة إلى اضطراب سلاسل الإمداد الإقليمية.

وقال توم فليتشر إن نقص التمويل الإنساني أجبر برنامج الأغذية العالمي على خفض مساعداته الغذائية الطارئة بنسبة 50 بالمئة خلال الأشهر الأخيرة، إضافة إلى تعليق برنامج دعم الخبز الذي كان يوفر المساعدة اليومية لملايين السوريين، مؤكداً أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى عواقب كارثية على المجتمعات الأكثر هشاشة.

الاقتصاد المنهك يعمق المعاناة

تشير بيانات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا “الإسكوا” إلى أن الاقتصاد السوري خسر مئات المليارات من الدولارات منذ اندلاع النزاع، فيما تراجعت القدرة الشرائية بشكل حاد مع ارتفاع معدلات البطالة والفقر وانهيار البنية الإنتاجية.

وأكد نائب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا كلاوديو كوردوني أن السوريين ما زالوا يواجهون أوضاعاً معيشية قاسية دفعت إلى موجات احتجاج وانتقادات في عدة مناطق.

وأضاف أن العقوبات الاقتصادية، رغم تخفيف بعضها، لا تزال تعرقل فرص الاستثمار وإعادة الإعمار، كما تؤثر على التدفقات المالية وإمكانية استعادة النشاط الاقتصادي.

ووفق البنك الدولي، يحتاج قطاع البنية التحتية السوري إلى عشرات مليارات الدولارات لإعادة تأهيل شبكات الكهرباء والمياه والطرق والمستشفيات والمدارس، في حين تعاني المؤسسات الحكومية من ضعف التمويل ونقص الكوادر والخبرات بعد سنوات الحرب الطويلة.

عودة اللاجئين بين الأمل والمخاوف

تشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى عودة أكثر من 315 ألف لاجئ سوري خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2025، إضافة إلى عودة ملايين النازحين داخلياً إلى مناطقهم، لكن الأمم المتحدة تؤكد أن العودة لا تزال محفوفة بالمخاطر نتيجة نقص الخدمات الأساسية واستمرار التوترات الأمنية وضعف فرص العمل.

وقالت المفوضية إن العودة الآمنة والطوعية والكريمة تمثل أحد أهم التحديات الحقوقية في المرحلة الحالية، خاصة مع استمرار مخاوف بعض اللاجئين من الاعتقال أو الملاحقة أو غياب الوثائق الرسمية والسكن الملائم.

وفي العديد من المناطق، عاد السكان إلى أحياء مدمرة جزئياً تفتقر إلى المدارس والمستشفيات والمياه والكهرباء، بينما تعجز السلطات المحلية عن تلبية الاحتياجات المتزايدة نتيجة محدودية الموارد وضعف التمويل الدولي.

ملف المفقودين والمعتقلين

يبقى ملف المعتقلين والمفقودين أحد أكثر الملفات الحقوقية إيلاماً في سوريا، وأكدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن أكثر من 112 ألف شخص لا يزالون قيد الاختفاء القسري أو الاعتقال منذ عام 2011، بينهم آلاف النساء والأطفال.

وتواصل عائلات المفقودين البحث عن أي معلومات حول مصير أبنائها بعد سنوات طويلة من الغياب، بينما دعت منظمات حقوقية إلى إنشاء آلية وطنية مستقلة لكشف مصير المفقودين وضمان حق العائلات في الوصول إلى الحقيقة والعدالة.

وفي هذا السياق، اعتبرت الأمم المتحدة أن إنشاء المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا يمثل خطوة مهمة لمعالجة أحد أكثر الملفات تعقيداً في البلاد، خاصة في ظل وجود مقابر جماعية وتقارير واسعة عن التعذيب والوفاة داخل مراكز الاحتجاز.

بداية مسار العدالة الانتقالية

شهد عام 2025 تطورات وُصفت بأنها غير مسبوقة في ملف المساءلة القانونية، حيث بدأت محاكمات مرتبطة بجرائم ارتكبت خلال السنوات الأولى للنزاع، وأشار نائب المبعوث الأممي كلاوديو كوردوني إلى أن مثول عاطف نجيب أمام المحكمة بتهم مرتبطة بأحداث درعا عام 2011 يمثل تحولاً مهماً في مسار العدالة.

كما جرى توقيف شخصيات أخرى متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة، من بينها أمجد يوسف المرتبط بمجزرة التضامن، إضافة إلى اللواء السابق عدنان عبود حلوة المتهم بالضلوع في الهجوم الكيميائي على الغوطة الشرقية عام 2013.

وأكد كوردوني أن هذه الإجراءات تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة سوريا على بناء نظام قضائي يستند إلى القانون الوطني والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، مشدداً على أهمية ضمان المحاكمات العادلة ومنع أي شكل من أشكال الانتقام أو التسييس.

لكن منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش شددتا على أن نجاح العدالة الانتقالية يتطلب إصلاحاً قضائياً شاملاً، وضمان استقلال القضاء، وحماية الضحايا والشهود، إضافة إلى محاسبة جميع المسؤولين عن الانتهاكات بغض النظر عن مواقعهم أو انتماءاتهم.

النساء والأطفال في قلب الأزمة

أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” أن الأطفال السوريين لا يزالون يدفعون ثمناً باهظاً للحرب، حيث يعاني الملايين من التسرب المدرسي وسوء التغذية والصدمات النفسية، بينما تضاعفت معدلات عمالة الأطفال والزواج المبكر في العديد من المناطق.

كما أوضحت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن النساء السوريات يتحملن أعباء اقتصادية واجتماعية هائلة، خصوصاً مع ازدياد أعداد الأسر التي تعيلها النساء نتيجة فقدان المعيل أو الاعتقال أو النزوح.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن النساء يواجهن صعوبات كبيرة في الوصول إلى الرعاية الصحية والدعم النفسي والخدمات القانونية، إضافة إلى استمرار مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي داخل بعض المخيمات والمجتمعات الهشة.

الانقسام الجغرافي وتعقيدات السيادة

رغم تراجع حدة المعارك الواسعة، لا تزال سوريا تعاني من انقسامات جغرافية وسياسية معقدة تؤثر على الوضع الحقوقي والإنساني. فبعض المناطق الشمالية والشرقية لا تزال خارج سيطرة الحكومة المركزية، بينما تستمر التوترات المحلية في السويداء ومناطق أخرى.

وأعربت الأمم المتحدة عن قلقها من الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للأراضي السورية، معتبرة أن هذه العمليات تهدد الاستقرار وتلحق أضراراً مباشرة بالمدنيين والبنية التحتية.

كما تواصل بعثات الأمم المتحدة مراقبة التطورات الأمنية في مناطق متعددة، وسط مخاوف من أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى موجة نزوح إضافية وتدهور أكبر في الأوضاع الإنسانية.

العدالة وإعادة الإعمار

يرى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن نجاح المرحلة الانتقالية في سوريا يعتمد على تحقيق توازن دقيق بين العدالة وإعادة الإعمار والاستقرار الاقتصادي، وتؤكد الأمم المتحدة أن إعادة بناء المدن المدمرة وحدها لن تكون كافية دون إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع وضمان سيادة القانون.

وأشار كوردوني إلى أن تشكيل مؤسسات تشريعية وإدارية تمثل مختلف مكونات المجتمع السوري يعد خطوة أساسية لتعزيز الشرعية والاستقرار، مؤكداً أن المشاركة السياسية الواسعة والشفافية ستكونان عاملين حاسمين في نجاح المرحلة الانتقالية.

بدأت الأزمة السورية في مارس 2011 مع احتجاجات شعبية طالبت بإصلاحات سياسية واقتصادية، قبل أن تتحول تدريجياً إلى نزاع مسلح معقد شاركت فيه أطراف محلية وإقليمية ودولية متعددة، وخلال أكثر من 14 عاماً، شهدت البلاد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع مقتل مئات الآلاف ونزوح أكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها، كما وثقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان انتهاكات واسعة شملت القصف العشوائي والاعتقال التعسفي والتعذيب والهجمات الكيميائية، واليوم، ومع دخول البلاد مرحلة انتقالية جديدة، تواجه سوريا اختباراً تاريخياً يتمثل في قدرتها على تحقيق العدالة وإعادة الإعمار واستعادة الاستقرار بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية