في السلفادور، تتكثف ملامح مشهد أمني غير مسبوق منذ إعلان حالة الطوارئ الممتدة التي دخلت عامها الرابع حتى مطلع 2026، حيث تبدو الدولة كمن يسير على حبل مشدود بين مطلب الاستقرار وهاجس العدالة.
فبينما تروّج الحكومة لنجاحات أمنية خفضت معدلات القتل إلى مستويات تاريخية وفق بيانات الرئاسة السلفادورية لعام 2025، والتي أشارت إلى انخفاض الجرائم العنيفة بأكثر من 80% مقارنة بما قبل 2019، تتصاعد في المقابل أسئلة حقوقية حادة حول الثمن الذي دُفع لتحقيق هذا الانخفاض.
تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة الصادر في أواخر 2025 يشير إلى أن السلفادور انتقلت من كونها واحدة من أعلى دول العالم في معدلات القتل، إلى معدل منخفض نسبياً يقل عن 3 حالات لكل 100 ألف نسمة، وهو تحول يُقدَّم سياسياً باعتباره “نموذجاً ناجحاً”.
لكن خلف هذا الرقم، تتكشف طبقات معقدة من الاعتقال الجماعي، إذ تشير منظمات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية في تقارير 2025-2026 إلى أن عدد المعتقلين منذ بدء حالة الطوارئ تجاوز 75 ألف شخص، في واحدة من أوسع حملات الاحتجاز في تاريخ أمريكا اللاتينية الحديث.
هذا التحول الأمني لم يأتِ عبر أدوات تقليدية فقط، بل عبر منظومة استثنائية من القوانين المعلقة، حيث تم تعليق بعض ضمانات الإجراءات القضائية الأساسية، ما خلق حالة من الجدل حول حدود سلطة الدولة في مواجهة الجريمة المنظمة.
فبينما تعتبر الحكومة أن هذه الإجراءات ضرورة “وجودية” لاستئصال العصابات، ترى جهات حقوقية أن ما يحدث يشبه “توسيعاً دائماً لحالة الاستثناء”، حيث تتحول التدابير المؤقتة إلى بنية دائمة للحكم.
وتكشف بيانات صادرة عن لجنة حقوق الإنسان في أمريكا اللاتينية عام 2026 أن نسبة كبيرة من المعتقلين لم توجه لهم تهم محددة بشكل فوري، ما أثار مخاوف من تآكل مبدأ قرينة البراءة.
وفي المقابل، تصر السلطات على أن آلاف القادة الميدانيين للعصابات تم اعتقالهم بالفعل، وأن البنية الإجرامية التقليدية للمارا سالفاتروتشا وباريو 18 تعرضت لتفكيك غير مسبوق.
لكن المشهد ليس مجرد أرقام أمنية، بل هو انعكاس لتحول اجتماعي عميق، حيث يعيش المجتمع حالة من الانقسام بين من يرى في هذه السياسات “إنقاذاً وطنياً”، ومن يعتبرها “إعادة هندسة قسرية للمجتمع عبر القبضة الأمنية”.
المحاكمات الجماعية وحدود العدالة
تتجه السلفادور منذ 2024 نحو نمط قضائي غير مألوف يتمثل في المحاكمات الجماعية واسعة النطاق، حيث تُعرض مجموعات من الموقوفين أمام القضاء في جلسات موحدة، وهو ما أثار جدلاً حقوقياً واسعاً حول مدى توافق هذه الإجراءات مع معايير المحاكمة العادلة المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادقت عليه السلفادور.
تشير تقارير منظمة العفو الدولية لعام 2025 إلى أن بعض هذه المحاكمات شملت مئات المتهمين في قضايا مرتبطة بالانتماء إلى العصابات، دون توفير الوقت الكافي لإعداد الدفاع أو الاطلاع الكامل على ملفات الاتهام، وهو ما اعتبرته المنظمة “إضعافاً ممنهجاً لحق الدفاع”. كما أفادت هيومن رايتس ووتش في تقرير 2026 أن نسبة من القضايا اعتمدت على أدلة ظرفية أو شهادات سرية، ما يزيد من احتمالات الخطأ القضائي.
وفي السياق نفسه، تعاني المنظومة السجنية من ضغط هائل، إذ تشير بيانات وزارة العدل السلفادورية لعام 2025 إلى أن نسبة إشغال السجون تجاوزت 300% في بعض المرافق، ما أدى إلى ظروف احتجاز توصف بأنها قاسية من قبل تقارير الأمم المتحدة، خاصة مع تقليص برامج إعادة التأهيل وتكدس آلاف المعتقلين في مساحات محدودة.
وتشير إحصاءات صادرة عن المعهد القضائي في سان سلفادور عام 2026 إلى ارتفاع غير مسبوق في عدد القضايا المعروضة دفعة واحدة، ما أدى إلى ضغط شديد على القضاة وتقليص زمن النظر في الملفات، وهو ما انعكس على جودة الأحكام وإمكانية الاستئناف.
وفي المقابل، تقول السلطات إن هذه الإجراءات الاستثنائية أدت إلى تفكيك شبكات إجرامية كانت تتحكم في أحياء بأكملها لعقود، وأن المحاكمات الجماعية تمثل “حلًا عملياً” لمواجهة حجم الجريمة المنظم. لكن هذا الطرح لا يبدد المخاوف من أن تتحول العدالة إلى أداة إدارية، أكثر منها عملية فردية دقيقة تقوم على تقييم كل حالة على حدة.
المدنيون بين الاشتباه والأمن
في قلب التحولات الأمنية الجذرية التي تشهدها السلفادور حتى عام 2026، يبرز المدنيون كأكثر الفئات تأثراً بسياسات الاعتقال الواسع، حيث تشير تقارير حقوقية صادرة في 2025 عن منظمة هيومن رايتس ووتش إلى تسجيل حالات احتجاز لأشخاص دون سوابق جنائية، بناءً على الاشتباه بالارتباط غير المباشر بالعصابات.
هذه السياسة، وإن حققت انخفاضاً ملموساً في معدلات العنف وفق بيانات حكومية، إلا أنها خلقت حالة من القلق المجتمعي، حيث يعيش جزء من السكان في حالة خوف من الاعتقال المفاجئ، وهو ما وصفته تقارير محلية بأنه “مناخ اشتباه ممتد”. وتشير دراسة صادرة عن جامعة أمريكا الوسطى عام 2026 إلى أن نسبة من العائلات في الأحياء الشعبية باتت تعتبر أن مجرد التشابه في الوشوم أو السكن في مناطق معينة قد يشكل سبباً للاعتقال.
وأظهرت بيانات صادرة عن لجنة حقوق الإنسان في 2025 أن مئات من الحالات أُفرج عنها لاحقاً بعد ثبوت عدم وجود أدلة كافية، ما يطرح إشكالية حول تكلفة هذه السياسة على المستوى الإنساني والاجتماعي. ففي مجتمع خرج من عقود من العنف، تبدو الثقة بين المواطن والدولة كجسر هش يُبنى فوق مياه مضطربة.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن هذه الإجراءات، رغم فعاليتها في خفض معدلات الجريمة، قد تترك آثاراً طويلة المدى على النسيج الاجتماعي، خاصة في ظل غياب آليات تعويض واضحة للمتضررين من الاعتقال الخاطئ.. وهذا يخلق نوعاً من التوتر الصامت، حيث يلتقي الخوف بالأمل في مساحة واحدة غير مستقرة.
في الوقت نفسه، تبرز شهادات من داخل المجتمع المدني تتحدث عن تغير في العلاقة بين المواطن والمؤسسات الأمنية، إذ باتت الشرطة تُرى في بعض المناطق كقوة ردع مطلقة، أكثر من كونها جهة حماية تقليدية. هذا التحول يعكس ما يسميه بعض الباحثين بـ”أمننة الحياة اليومية”، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع تفاصيل الحياة العادية بشكل غير مسبوق.
لكن رغم هذه المخاوف، لا يمكن تجاهل أن جزءاً من المجتمع يرى في هذه السياسات حماية ضرورية من عودة الفوضى، وهو ما يخلق انقساماً اجتماعياً عميقاً بين من يقدّم الأمن على الحرية، ومن يرى أن الحرية هي شرط الأمن ذاته.
مأزق الشرعية الحقوقية
تضع التجربة السلفادورية حتى 2026 الدولة أمام معادلة شديدة التعقيد، حيث تحقق السياسات الأمنية نتائج ملموسة في خفض الجريمة وفق مؤشرات رسمية، لكنها في الوقت ذاته تثير أسئلة جوهرية حول استدامة هذه النتائج في ظل التحديات الحقوقية والقانونية المتصاعدة.
تشير تحليلات صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2025 إلى أن استدامة الأمن لا تعتمد فقط على الردع، بل على بناء مؤسسات قضائية قوية قادرة على ضمان العدالة الفردية. وفي هذا السياق، يطرح خبراء القانون بدائل متعددة، أبرزها تعزيز التحقيقات الفردية بدل المحاكمات الجماعية، وتوسيع برامج إعادة التأهيل بدل الاعتماد المفرط على الاحتجاز.
كما توصي تقارير أكاديمية من جامعة السلفادور الوطنية 2026 بضرورة إعادة تفعيل آليات الرقابة القضائية المستقلة، لضمان ألا تتحول حالة الطوارئ إلى نظام دائم خارج حدود الدستور. فالدولة، في سعيها للسيطرة على العنف، قد تجد نفسها أمام تحدٍ آخر يتمثل في الحفاظ على شرعيتها القانونية والأخلاقية.
الاستقرار بالقوة يهدد العدالة
في تقييم تحليلي للوضع القائم في سياسات مكافحة العصابات والجريمة المنظمة، قال أستاذ العلاقات الدولية فرانك مسمار، إن استدامة الاستقرار لا يمكن أن تتحقق عبر الأدوات الأمنية وحدها، بل عبر منظومة متكاملة تقوم على سيادة القانون، وضمان الحقوق الأساسية، وتكريس الشفافية والمساءلة بوصفها ركائز مركزية لاستعادة الشرعية ومنع تآكل ثقة الجمهور في مؤسسات الدولة.
وأشار د. مسمار، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، إلى أن التركيز على الإجراءات الشفافة، بما يشمل وضوح آليات التوقيف والمحاكمة والرقابة القضائية، يمثل خط الدفاع الأول ضد انهيار الثقة بين المجتمع والدولة، مضيفاً أن أي انزياح عن هذه المعايير يؤدي تدريجياً إلى إضعاف العقد الاجتماعي الذي يربط المواطن بمؤسسات الحكم، لافتا إلى أن غياب الشفافية أو تراجعها يفتح المجال أمام تصاعد الشكوك حول عدالة الإجراءات، وهو ما ينعكس مباشرة على مستوى التعاون المجتمعي مع الأجهزة الأمنية.
وأشار مسمار إلى أن بعض الممارسات الأمنية المكثفة، رغم ما قد تحققه من نتائج سريعة في خفض معدلات الجريمة، إلا أنها قد تحمل في طياتها آثاراً اجتماعية وسياسية عميقة على المدى المتوسط والبعيد. وأوضح أن هذه الممارسات، إذا لم تُضبط بإطار قانوني صارم ورقابة مستقلة، قد تؤدي إلى خلق حالة من الاستياء المتراكم داخل المجتمعات المتضررة، خصوصاً تلك التي تشعر بأنها تقع خارج نطاق الحماية القانونية الكاملة.
وأضاف أن هذا الشعور بالظلم، حين يترافق مع الخوف وانعدام اليقين القانوني، يمكن أن يتطور إلى بيئة خصبة لاضطرابات اجتماعية صامتة أو حتى معلنة، ما يضعف من قدرة الدولة على بناء شراكات حقيقية مع المجتمع في مجال مكافحة الجريمة. وأكد أن التعاون الطوعي بين المواطن والدولة يمثل عنصراً جوهرياً في نجاح أي سياسة أمنية، وأن تقويض هذا التعاون ينعكس سلباً على فعالية الأجهزة المختصة.
كما أشار مسمار إلى أن استمرار هذه الديناميكيات دون معالجة مؤسسية قد يؤدي إلى تآكل تدريجي في شرعية مؤسسات الدولة، حيث تصبح السلطة الأمنية في نظر شريحة من المجتمع مرتبطة بالخوف أكثر من ارتباطها بالحماية. وأضاف أن هذا التحول المفاهيمي يشكل خطراً استراتيجياً، لأنه يعيد إنتاج العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس القسر بدل التوافق.
وبخصوص البدائل الممكنة، أشار إلى أن هناك مسارات قانونية وإنسانية يمكن أن تحقق توازناً بين تفكيك الشبكات الإجرامية وضمان الحقوق الفردية. ولفت إلى أهمية اعتماد التحقيقات المستهدفة القائمة على أدلة موثوقة، بدلاً من المقاربات الجماعية الواسعة، مع تعزيز القدرات المؤسسية للأجهزة القضائية والأمنية بما يضمن احترام الإجراءات القانونية الواجبة.
كما أشار إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للجريمة، وعلى رأسها الفقر والبطالة والهشاشة الاجتماعية، موضحاً أن أي سياسة أمنية لا تتضمن بعداً تنموياً واجتماعياً ستظل معالجة سطحية للأعراض دون الوصول إلى الجذور. وأضاف أن إدماج السياسات الاقتصادية والاجتماعية في الاستراتيجية الأمنية يمثل شرطاً أساسياً لتقليل إعادة إنتاج العنف.
وختم بالقول إن أي نموذج أمني يسعى إلى النجاح الحقيقي يجب أن يقوم على معادلة دقيقة تجمع بين الفعالية والمشروعية، بحيث لا يتم التضحية بالحقوق الفردية باسم الأمن، ولا يتم إضعاف الأمن باسم المطلق الحقوقي، بل عبر توازن دقيق يعيد بناء الثقة ويؤسس لاستقرار راسخ يقوم على العدالة قبل القوة.
تهديد صريح للعدالة
من جانبه، قال أستاذ العلوم السياسية، د. إسماعيل تركي، إن تضارب القوانين والأنظمة المرتبطة بالرقابة الأمنية في ظل انتشار الإرهاب والتطرف والجريمة المنظمة، يؤدي إلى حالة من التداخل الخطير بين الإجراءات الأمنية الاستثنائية وبين القواعد القانونية التي وُضعت أساسًا لإدارة المجتمعات في أوقات السلم والاستقرار، محذرًا من أن هذا الخلط يفتح الباب أمام تجاوزات قد تمس جوهر العدالة وسيادة القانون.
وأشار د. تركي، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، إلى أن هناك مبادئ قانونية عامة تُعد من الثوابت في مختلف دول العالم، وعلى رأسها عدم جواز الاعتقال دون تهمة واضحة، أو الاحتجاز دون سند قانوني صادر عن جهة مختصة، وهي القضاء، مؤكدًا أن أي إجراء خارج هذا الإطار يُعد انتهاكًا صريحًا للشرعية القانونية.
وأوضح أن إصدار القوانين والإجراءات يجب أن يتم وفق تسلسل دستوري واضح، منسجم مع المبادئ القانونية العليا، مشددًا على أنه لا يجوز لأي جهة، بما فيها الأنظمة العسكرية، أن تصدر أوامر أو بيانات تُعامل كقوانين يُحاسَب عليها المواطنون، متسائلًا: هل هذه التشريعات صادرة عن محاكم مختصة؟ وهل تستند إلى أطر قانونية سليمة؟ أم أنها مجرد أدوات استثنائية تُفرض خارج نطاق الشرعية؟
وشدد تركي على ضرورة الحذر من توسع السلطة التنفيذية في استخدام القوانين والأنظمة بما يتجاوز حدودها، مشيرًا إلى أن العدالة لا تتحقق إلا بوجود محاكم مهنية مستقلة تصدر أحكامها وفق معايير قانونية واضحة.
وأوضح أنه لا عقوبة دون حكم قضائي، وأن الاعتقال الإداري يجب أن يكون مؤقتًا ومحددًا بمدة زمنية قصيرة تقتضيها ضرورات التحقيق.
وأشار إلى أن من أهم ضمانات العدالة توافر قضاء مهني قائم على قضاة مؤهلين يتم اختيارهم عبر هيئات مستقلة، إلى جانب ضمان حق الدفاع للمتهم من خلال توفير محامين أكفاء، بحيث تقوم منظومة العدالة على توازن واضح بين الادعاء العام والدفاع. وأضاف أن غياب هذه الضمانات يضعف شرعية الأحكام ويجعلها محل شك.
وتابع أن من أبرز الإشكاليات في بعض الدول النامية تدخل السلطة التنفيذية في عمل القضاء، من خلال التأثير في تعيين القضاة أو توجيه عملهم، وهو ما يتعارض مع المعايير الديمقراطية، موضحًا أن دور وزارة العدل يجب أن يقتصر على الدعم الإداري واللوجستي للمحاكم، دون التدخل في استقلالها.
واختتم تركي تصريحه بالتأكيد على أن تحقيق العدالة يتطلب فصلًا حقيقيًا بين السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، بحيث تقوم كل سلطة بدورها دون تغول على الأخرى، مشددًا على أن القضاء يظل الضامن الأساسي للتوازن المجتمعي، وأن أي تجاوز في هذا الإطار يهدد سيادة القانون ويفتح المجال أمام الظلم.

