منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الكونغو الديمقراطية بين الرصاص والوباء.. المدنيون يدفعون ثمن الحرب مرتين

07 يونيو 2026
جنود مسلحون في الكونغو
جنود مسلحون في الكونغو

في جمهورية الكونغو الديمقراطية لا تنتهي كلفة النزاع عند حدود القتل والنزوح وفقدان المنازل. فالحرب هناك تفتح باباً آخر للمعاناة، حين تدفع السكان إلى مخيمات مكتظة، وتُعطل المستشفيات، وتقطع سلاسل الإمداد الطبي، وتمنح الأمراض المعدية بيئة مثالية للانتشار.

وبينما تتركز الأنظار غالبا على المواجهات المسلحة والانتهاكات المباشرة في شرق البلاد، تتفاقم أزمة صحية أقل ظهوراً لكنها لا تقل خطورة، فالأوبئة، من الكوليرا والحصبة والملاريا وجدري القردة إلى موجات متكررة من الإيبولا، أصبحت وجهاً آخر للنزاع، يهدد المدنيين الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين جبهتين.. جبهة العنف وجبهة المرض.

وتُعد الكونغو الديمقراطية واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في إفريقيا، حيث تتداخل النزاعات المسلحة المزمنة مع الفقر وضعف البنية التحتية الصحية والنزوح الواسع، وفي هذا السياق، لا يعود تفشي الأمراض مجرد أزمة صحية، بل يتحول إلى اختبار مباشر للحق في الصحة، والمياه النظيفة، والصرف الصحي، والحماية الإنسانية.

النزوح يوسع دائرة الخطر

تشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن عقوداً من الصراع وعدم الاستقرار والأوبئة والصدمات المناخية أدت إلى اقتلاع ملايين الأشخاص من مناطقهم في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

وبحلول سبتمبر 2025، بلغ عدد الأشخاص المتضررين من النزوح المرتبط بالأزمة نحو 8.2 مليون شخص، مع توقعات بارتفاع العدد إلى نحو 9 ملايين بحلول نهاية عام 2026، بينهم 5.8 مليون نازح داخلياً.

وتدفع هذه الأرقام آلاف الأسر إلى العيش في مخيمات مكتظة أو مراكز إيواء مؤقتة تفتقر إلى المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي والرعاية الطبية الأساسية، وهي شروط تجعل الوقاية من الأمراض المعدية أكثر صعوبة، وتزيد خطر انتشار الأوبئة بين الفئات الأكثر هشاشة.

نظام صحي ينهار تحت ضغط الحرب

لا يقتصر أثر النزاع على تهجير السكان، بل يمتد إلى تدمير أو تعطيل المرافق الصحية وإضعاف قدرة السلطات والمنظمات الإنسانية على الاستجابة.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الأزمة في شرق الكونغو أدت إلى انهيار أجزاء واسعة من البنية الصحية، إذ أصبحت 70% من المرافق الصحية في شمال كيفو خارج الخدمة، كما جرى إخلاء خمسة مراكز لعلاج جدري القردة، ما أثر في عشرات المرضى المؤكدين وعطل خدمات التشخيص والعلاج والاستجابة السريعة.

وتواجه البلاد حالات طوارئ صحية متزامنة تشمل الكوليرا والحصبة وشلل الأطفال المشتق من اللقاحات وجدري القردة والحمى الصفراء، إلى جانب الأزمة الإنسانية المرتبطة بالنزاع.

وهذا التداخل يجعل أي تفشٍّ وبائي أكثر صعوبة في الاحتواء، خصوصاً عندما يكون الوصول إلى المناطق المتضررة محدوداً بسبب انعدام الأمن.

الوجه الآخر للنزاعات

يرى خبراء الصحة العامة أن النزاعات المسلحة تخلق بيئة مثالية لانتشار الأمراض والأوبئة، إذ تؤدي إلى تدمير المرافق الصحية، واستهداف العاملين في المجال الطبي أو إجبارهم على مغادرة مناطق عملهم، فضلاً عن تعطيل حملات التطعيم وبرامج الرصد الوبائي.

وفي الكونغو الديمقراطية، أسهمت هذه الظروف خلال السنوات الأخيرة في تفشي أمراض عدة، منها الكوليرا والحصبة والملاريا وجدري القردة، إلى جانب موجات متكررة من فيروس الإيبولا.

ويؤكد العاملون في المجال الإنساني أن كثيراً من المناطق المتضررة من النزاع أصبحت شبه معزولة عن الخدمات الطبية، ما يؤدي إلى تأخر اكتشاف الحالات المرضية وصعوبة احتوائها.

كما أن انعدام الأمن يحد من قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى المجتمعات الأكثر هشاشة، الأمر الذي يسمح للأمراض بالانتشار لفترات طولى وبمعدلات عليا.

وتتحمل النساء والأطفال وكبار السن العبء الأكبر لهذه الظروف، إذ ترتفع معدلات الإصابة بالأمراض وسوء التغذية بين الفئات الأكثر ضعفاً، وتواجه النساء الحوامل تحديات إضافية في الحصول على الرعاية الصحية قبل الولادة وبعدها، في حين يواجه الأطفال خطر الإصابة بأمراض يمكن الوقاية منها باللقاحات في وقت تتعطل فيه حملات التحصين بسبب الظروف الأمنية.

الحق في الصحة تحت النار

من منظور حقوق الإنسان، لا يُنظر إلى تفشي الأوبئة في مناطق النزاع باعتباره مجرد أزمة صحية، بل باعتباره انعكاساً لانتهاك الحق في الصحة.

فالحق في الصحة لا يقتصر على توفير العلاج داخل المستشفيات، بل يشمل القدرة على الوصول إلى مياه نظيفة، وصرف صحي آمن، وغذاء كافٍ، وبيئة صحية، ومرافق طبية تعمل بانتظام ودون تمييز.

وحين يُحرم المدنيون من هذه الحقوق بسبب النزاع أو انعدام الأمن أو انهيار المؤسسات العامة، تصبح حياتهم معرضة لخطر مضاعف لا يقتصر على آثار الحرب المباشرة، بل يمتد إلى أمراض يمكن الوقاية منها أو علاجها إذا توفرت الظروف الأساسية للاستجابة الصحية.

تراجع إجراءات الوقاية

أوضح الخبير في علم الفيروسات والخبير السابق بمنظمة الصحة العالمية، الدكتور يحيى مكي، أن انتقال فيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية يرتبط بشكل أساسي بالتفاعل المباشر بين الإنسان والحياة البرية في المناطق الغابية، مضيفاً أن نقص النظافة بسبب ندرة المياه أو صعوبة الوصول إليها يضاعف احتمالات العدوى.

وأوضح مكي، في حديثه لـ”صفر”، أن فترة حضانة فيروس إيبولا تتراوح عادة بين 7 أيام و21 يوماً، مشيراً إلى أن الشخص المصاب يمكن أن يصبح مصدراً للعدوى بمجرد ظهور الأعراض وتفاقمها، خصوصاً مع انتقال الفيروس عبر سوائل الجسم المختلفة، ومنها الدم والبول والإفرازات الأخرى.

وربط الخبير السابق بمنظمة الصحة العالمية بين النزاعات المسلحة المتواصلة في الكونغو الديمقراطية وتفاقم انتشار الأمراض الوبائية، مؤكداً أن الحروب والنزاعات والأزمات الإنسانية غالباً ما تؤدي إلى انهيار الخدمات الصحية وتراجع إجراءات الوقاية والرصد الوبائي، لتصبح المجتمعات أكثر عرضة لانتشار الأوبئة والأمراض المعدية.

وأضاف أن النزاعات تدفع آلاف الأسر الفقيرة إلى اللجوء إلى الغابات بحثاً عن الغذاء أو صيد الحيوانات البرية، ما يزيد احتمالات الاحتكاك بمصادر العدوى الطبيعية. كما أن انعدام الأمن يضعف عمل المستشفيات والمراكز الصحية، ويحد من قدرة الكوادر الطبية على التدخل السريع واحتواء الإصابات.

وأشار مكي إلى أهمية تعزيز التعاون الدولي لدعم الدول المتضررة من الأوبئة، وتقوية الاستجابة الصحية، ومساندة الأنظمة الطبية المحلية.

وأضاف أن منظمة الصحة العالمية تؤدي دوراً مهماً في دعم برامج التطعيم ومراقبة الأمراض المعدية، إلى جانب توفير الخبرات الفنية والمستلزمات الطبية اللازمة لمكافحة الأوبئة.

وشدد على أن مواجهة الأوبئة العابرة للحدود تتطلب مستوى من التعاون الدولي لا يقل أهمية عن التعاون الأمني في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.

دفع الثمن مرتين

من جانبه، قال الخبير في الشؤون الإفريقية، الدكتور علي محمود كلني، إن الجهود الصحية الرامية إلى احتواء تفشي الأوبئة في الكونغو الديمقراطية، خاصة فيروس إيبولا، تواجه تحديات متزايدة بفعل استمرار النزاعات المسلحة، مشيراً إلى أن العديد من الأصوات الإنسانية باتت تربط بين تفاقم الأزمة الصحية واستمرار أعمال العنف في البلاد.

وأضاف كلني في حديثه لـ”صفر”: “الظروف التي تفرضها النزاعات تجعل السيطرة على الأمراض أكثر تعقيداً، خصوصاً في ظل النزوح الجماعي للسكان، وتدهور البنية التحتية الصحية، وصعوبة وصول الفرق الطبية إلى المناطق المتضررة، ما يضعف الاستجابة الصحية ويزيد فرص انتشار الأوبئة”.

ويرى كلني أن الكونغو الديمقراطية تدفع ثمن النزاعات مرتين؛ الأولى من خلال الخسائر البشرية والمادية التي تخلفها المواجهات المسلحة، والثانية عبر التداعيات الإنسانية والصحية التي تنشأ في بيئة مضطربة تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.

وقال: “كل مركز صحي يتوقف عن العمل بسبب انعدام الأمن، وكل قرية تُهجّر من سكانها، يمثلان حلقة جديدة في سلسلة انتشار المرض وتعميق المعاناة الإنسانية”.

ولفت إلى أن شرق الكونغو الديمقراطية، حيث تنشط جماعات مسلحة متعددة، يواجه تحديات استثنائية تعوق جهود مكافحة الوباء، موضحاً أن السلطات الصحية تجد صعوبة كبيرة في تنفيذ برامج الرصد الوبائي والتطعيم والتوعية المجتمعية، ما يمنح الفيروس مساحة أوسع للانتشار بين المجتمعات الأكثر هشاشة.

وأضاف أن تزايد الدعوات الصادرة عن أطراف إفريقية وأممية وعربية لإقرار هدنة إنسانية تتيح للفرق الطبية ومنظمات الإغاثة الوصول الآمن إلى المناطق المتضررة، يمثل فرصة مهمة لتعزيز جهود الاحتواء والعلاج والتطعيم، وتمكين السكان من الحصول على الخدمات الصحية التي حُرموا منها بسبب النزاع.

وشدد كلني على أن التجارب السابقة في مناطق النزاع أثبتت أن مكافحة الأوبئة لا تعتمد على الأدوية واللقاحات وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى بيئة آمنة تسمح بوصول المساعدات الطبية واستمرار عمل المؤسسات الصحية.

وأكد أن ملايين المدنيين باتوا عالقين بين جبهتين متوازيتين: جبهة العنف المسلح وجبهة المرض، حيث تتداخل المخاطر الأمنية مع التهديدات الصحية لتضاعف معاناة السكان.

واختتم حديثه متسائلاً: “كم من الأرواح كان يمكن إنقاذها لو مُنحت الصحة فرصة للانتصار على الحرب؟” مضيفاً أن وقف النزاعات، حتى وإن كان مؤقتاً، قد لا يضع حداً لجميع أزمات الكونغو الديمقراطية، لكنه قد يمنح شعباً أنهكته الحروب والأوبئة فرصة نادرة للتنفس واستعادة الأمل والتمسك بالحياة.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان