تشهد مشاركة المنتخب السويسري لكرة القدم في كأس العالم 2026 موجة متزايدة من الإساءات الإلكترونية وخطاب الكراهية عبر منصات التواصل الاجتماعي، في تطور يعكس اتساع الظاهرة الرقمية المرتبطة بالبطولات الرياضية الكبرى.
وتأتي هذه الإساءات في أعقاب مباريات المنتخب في دور المجموعات، حيث تحولت الحسابات الرسمية للاعبين إلى منصات لرسائل مسيئة ذات طابع عنصري وتمييزي، ما دفع الاتحاد السويسري لكرة القدم إلى اتخاذ إجراءات وقائية غير مسبوقة للحد من تأثير هذه الظاهرة في اللاعبين.
وأكد متحدث باسم المنتخب السويسري في تصريحات نقلتها وكالة “كيستون إس دي إيه” أن الفريق بات يتوقع تصاعد موجات الإساءات خلال فترات محددة من البطولة، خاصة بعد النتائج التي تثير ردود فعل حادة على منصات التواصل الاجتماعي.
التدخل بشكل استباقي
وأوضح المتحدث أن الجهاز الإداري للمنتخب يراقب باستمرار طبيعة التعليقات الواردة، ويتدخل بشكل استباقي عبر إغلاق خاصية التعليقات عند رصد مؤشرات على تصاعد خطاب الكراهية والتمييز، بهدف حماية اللاعبين من الضغوط النفسية المتزايدة.
وأضاف أن الاتحاد السويسري يقوم بإحالة الحالات التي تتضمن تهديدات أو إساءات جنائية إلى الجهات المختصة في إنفاذ القانون لاتخاذ الإجراءات اللازمة بحق أصحابها.
وأوضح المتحدث أن التعادل الذي حققه المنتخب السويسري أمام منتخب قطر بنتيجة واحد مقابل واحد في المباراة الافتتاحية كان نقطة تحول في مستوى التفاعل الرقمي، حيث شهدت الحسابات الرسمية موجة من الرسائل المسيئة التي استهدفت لاعبين على أساس اللون والأصل والانتماء.
وأكد أن هذا النوع من الخطاب لم يعد حالات فردية معزولة، بل أصبح يتكرر بصورة منظمة في بعض الأحيان، ما دفع الاتحاد إلى تعطيل التعليقات على جميع منصاته الرسمية بشكل كامل خلال فترات محددة من البطولة لتجنب تفاقم الأزمة.
وأشار الاتحاد السويسري لكرة القدم إلى أن الإساءات لم تقتصر على الانتقادات الرياضية، بل تجاوزتها إلى محتوى يحمل طابعاً عنصرياً صريحاً استهدف هوية بعض اللاعبين. وشدد الاتحاد على أنه يتعامل مع هذه الحالات باعتبارها تهديداً مباشراً لسلامة اللاعبين النفسية والمهنية، مؤكداً التزامه باتخاذ جميع الإجراءات القانونية المتاحة لحماية منتسبيه من أي شكل من أشكال التمييز الرقمي.
طابع عنصري
وفي سياق متصل، كشف الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” في بيان حديث عن ارتفاع ملحوظ في حجم التعليقات العنصرية خلال بطولة كأس العالم 2026، حيث أظهرت بيانات الرصد الرقمي أن نحو 11 في المئة من إجمالي المنشورات المسيئة عبر الإنترنت تضمنت محتوى ذا طابع عنصري، وأوضح فيفا أن هذه النسبة تمثل زيادة قدرها 3 في المئة مقارنة بكأس العالم 2022 في قطر، ما يعكس تصاعداً في حدة الخطاب الرقمي المسيء المرتبط بالمنافسات الرياضية الدولية.
وأضاف فيفا أنه رصد نحو ألف حساب على منصات التواصل الاجتماعي وجرى الإبلاغ عنها إلى السلطات المختصة، في إطار جهود مشتركة مع شركات التكنولوجيا والاتحادات الوطنية للحد من انتشار خطاب الكراهية، وأكد أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب تعاوناً دولياً بين المؤسسات الرياضية والجهات القانونية ومنصات التواصل الاجتماعي، لضمان بيئة رقمية أكثر أماناً للاعبين والجماهير على حد سواء.
توسع الهجمات
ولم تقتصر هذه الظاهرة على المنتخب السويسري، إذ تعرض عدد من لاعبي المنتخب الهولندي لإساءات مماثلة عقب مباريات دور الـ32، خاصة بعد إهدار ركلات ترجيح خلال مواجهة المغرب، وشملت الإساءات اللاعبين جاستن كلويفرت وكوينتن تيمبر وكريسينسيو سومرفيل، ما دفعهم إلى إغلاق خاصية التعليقات على حساباتهم الشخصية بوصفه إجراء وقائي لتفادي استمرار الهجمات الرقمية.
وأكد الاتحاد الهولندي لكرة القدم إدانته الشديدة لهذه الإساءات، مشيراً إلى أنه تقدم ببلاغ رسمي إلى النيابة العامة في هولندا لملاحقة المسؤولين عن نشر خطاب الكراهية عبر الإنترنت، وشدد الاتحاد على أن مثل هذه التصرفات تمثل انتهاكاً واضحاً للقوانين الوطنية والمعايير الرياضية الدولية التي تجرم التمييز بجميع أشكاله.
إدانة أممية
في وقت سابق أدان المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك تصاعد مظاهر العنصرية وخطاب الكراهية في الرياضة، مؤكداً أن كرة القدم التي يُفترض أن تكون مساحة للوحدة والتنوع تتحول في بعض الحالات إلى ساحة لانتهاكات رقمية وتمييز قائم على العرق والأصل واللون.
وأوضح تورك أن الإساءات التي يتعرض لها اللاعبون عبر منصات التواصل الاجتماعي تعكس نمطاً متكرراً من العنف الرقمي الذي يستهدف الرياضيين، داعياً الاتحادات الرياضية وشركات التكنولوجيا إلى تحمل مسؤولياتها في التصدي لهذه الظاهرة عبر إجراءات أكثر صرامة للحماية والرصد والمحاسبة، كما شدد على أن التسامح مع الخطاب العنصري في الفضاء الرياضي الرقمي يقوض القيم الأساسية لحقوق الإنسان ويؤثر بشكل مباشر في السلامة النفسية للرياضيين، مطالباً بضرورة تعزيز آليات الإبلاغ السريع عن الإساءات وتفعيل القوانين الدولية والوطنية ضد مرتكبيها.
وتعكس هذه التطورات اتساع نطاق التحديات التي تواجهها الرياضة الحديثة في الفضاء الرقمي، حيث لم تعد المنافسات الرياضية مقتصرة على أرض الملعب، بل امتدت إلى منصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت ساحة إضافية للضغط النفسي على اللاعبين، ويبرز ذلك الحاجة إلى سياسات أكثر صرامة وتنظيماً لمواجهة خطاب الكراهية، إلى جانب تعزيز الوعي الجماهيري بأهمية احترام الرياضيين بغض النظر عن نتائج المباريات أو خلفياتهم.
تشير تقارير الاتحاد الدولي لكرة القدم إلى أن السنوات الأخيرة شهدت زيادة مستمرة في حجم الإساءات الرقمية المرتبطة بالبطولات الكبرى، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي بيئة خصبة لانتشار خطاب الكراهية في فترات المنافسات الرياضية.
كما تؤكد دراسات صادرة عن منظمات أوروبية معنية بمكافحة التمييز أن الرياضيين المنتمين إلى خلفيات عرقية متنوعة يتعرضون لمستويات عليا من الإساءات مقارنة بغيرهم، خصوصاً بعد الهزائم أو الأداء غير المتوقع.
وتوضح هذه المعطيات أن معالجة الظاهرة تتطلب تعاوناً بين الاتحادات الرياضية وشركات التكنولوجيا والجهات التشريعية، إضافة إلى تطوير أدوات رصد أكثر فعالية وتفعيل إجراءات قانونية رادعة بحق مرتكبي الإساءات الرقمية.
