منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الجنسية بالولادة في أمريكا.. لماذا فشل ترامب في معركته مع الدستور؟

08 يوليو 2026
المحكمة الأمريكية العليا
المحكمة الأمريكية العليا

تلقت محاولات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتقييد حق الجنسية بالولادة انتكاسة قضائية كبيرة، بعد أن قضت المحكمة العليا الأمريكية برفض الأمر التنفيذي الذي سعى إلى منع منح الجنسية تلقائياً لبعض الأطفال المولودين داخل الولايات المتحدة، في حكم اعتبرته منظمات حقوقية انتصاراً لمبدأ المواطنة الدستورية وحقوق الأسر المهاجرة.

ووفق حكم المحكمة العليا في قضية Trump v. Barbara، فإن الأمر التنفيذي يتعارض مع الضمانات التي يقرها التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي.

المحكمة العليا الأمريكية

وتعود القضية إلى الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب في 20 يناير 2025 بعنوان حماية معنى وقيمة المواطنة الأمريكية، والذي حاول تقييد الاعتراف بجنسية الأطفال المولودين في الولايات المتحدة إذا لم يكن أحد الوالدين مواطناً أمريكياً أو مقيماً دائماً بصورة قانونية.

البيت الأبيض

ويستند الجدل القانوني إلى التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي الذي ينص على أن كل الأشخاص المولودين أو المتجنسين في الولايات المتحدة والخاضعين لولايتها القضائية هم مواطنون أمريكيون، ويعد هذا النص أحد أهم الأسس الدستورية المنظمة للمواطنة في الولايات المتحدة منذ إقراره عام 1868، وفق الأرشيف الوطني الأمريكي.

حق الجنسية بالولادة

واعتبرت منظمات حقوقية الحكم انتصاراً للأسر المهاجرة، إذ قالت منظمة ACLU، وهي من الجهات التي شاركت في الطعن على القرار، إن المحكمة أكدت أن الرئيس لا يستطيع تغيير الدستور بأمر تنفيذي، وأن من يولد داخل الولايات المتحدة يظل متمتعاً بحق الجنسية بالولادة.

ويمثل القرار أهمية خاصة للأطفال المولودين لأسر مهاجرة؛ لأن المساس بحق الجنسية قد يفتح الباب أمام مشكلات قانونية واجتماعية واسعة، منها صعوبة الحصول على التعليم والرعاية الصحية والعمل مستقبلاً، وتؤكد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن انعدام الجنسية يحرم الأشخاص من حقوق أساسية مثل التعليم والعمل والرعاية الصحية والحصول على الوثائق الرسمية.

ورغم أن الحكم يمثل ضربة قوية لسياسات ترامب المتشددة تجاه الهجرة، فإن الملف مرشح للاستمرار بوصفه قضية سياسية وقانونية بارزة، خاصة مع استمرار الجدل داخل الولايات المتحدة حول الهجرة والحدود ومعنى المواطنة، كما يعيد القرار تأكيد دور القضاء في حماية الحقوق الدستورية من محاولات تقييدها بقرارات تنفيذية.

توقعات بالطعن على القرار

في البداية، أوضح أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن، وعضو الحزب الجمهوري، الدكتور نبيل ميخائيل، إن قرار المحكمة العليا المتعلق برفض تقييد حق الجنسية بالولادة لن يكون محل ترحيب من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ لأنه يتعارض مع أحد أبرز الوعود التي طرحها خلال حملاته الانتخابية بشأن تشديد سياسات الهجرة.

وقال ميخائيل في تصريح لـ”صفر” إن المحكمة العليا تنطلق من تفسير دستوري يعد الجنسية بالولادة حقاً أصيلاً، مؤكداً أن أي تغييرات محتملة في هذا الملف لن يكون لها أثر رجعي على من حصلوا بالفعل على الجنسية الأمريكية بحكم ولادتهم داخل الولايات المتحدة، وإنما ستنطبق فقط على الحالات التي قد تنشأ إذا دخلت أي قيود مستقبلية حيز التنفيذ.

وتوقع أن تسعى إدارة ترامب إلى الطعن في القرار أو الدفع بإعادة النظر فيه عبر المسارات القضائية، كما قد تتجه إلى فرض قيود على بعض الامتيازات والخدمات التي يحصل عليها المواطنون الأمريكيون المولودون في الولايات المتحدة لكنهم يقيمون بصورة دائمة خارج البلاد.

وأضاف أن حسم هذا الملف لا يتوقف على الحكومة الفيدرالية وحدها، بل يرتبط أيضاً بدور حكومات الولايات الخمسين والمقاطعات التي تمتلك صلاحيات مؤثرة في تحديد كثير من الحقوق والمزايا والالتزامات المرتبطة بحمل الجنسية الأمريكية، سواء اكتُسبت بالميلاد أو عن طريق التجنس.

واختتم ميخائيل حديثه بالإشارة إلى أن القرار، رغم أنه لا يحقق الهدف الذي سعى إليه ترامب بإلغاء حق الجنسية بالولادة، فإنه قد يفتح الباب أمام الإدارة الأمريكية لإعادة صياغة بعض السياسات المرتبطة بالمزايا الممنوحة للمواطنين الأمريكيين المقيمين خارج الولايات المتحدة، ما يحد من نطاق الاستفادة منها دون المساس بالحق الدستوري في الجنسية.

انتصار دستوري للمهاجرين

من جانبه، قال الأكاديمي المتخصص في الشؤون الأمريكية، الدكتور سعيد صادق، لـ”صفر”، إن قرار القضاء بإلغاء حظر الجنسية بالولادة يمثل انتصاراً دستورياً مهماً لحقوق المواطنة والمهاجرين، ويؤكد التمسك بأحد المبادئ الراسخة في التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي الذي ينص على أن كل شخص يولد داخل الولايات المتحدة ويخضع لولايتها القضائية يعد مواطناً أمريكياً.

وأوضح أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المعروف بمواقفه المتشددة تجاه الهجرة أصدر في اليوم الأول من ولايته الثانية، في يناير 2025، أمراً تنفيذياً يهدف إلى تقييد منح الجنسية بالولادة، بحيث لا تُمنح تلقائياً لأبناء المهاجرين غير النظاميين أو غير المواطنين أو غير الحاصلين على إقامة دائمة، وبررت الإدارة الأمريكية القرار بأنه يحد مما يُعرف بـ”سياحة الولادة” ويحمي الأمن القومي، مستندة إلى تفسير ضيق للتعديل الرابع عشر، إلا أن القضاء اعتبر هذا التوجه مخالفاً للدستور.

ويرى صادق أن الحكم يعيد الاعتبار لحقوق المهاجرين، ويحمي ملايين الأطفال المولودين في الولايات المتحدة، حتى وإن كان آباؤهم وأمهاتهم غير موثقين، من مخاطر انعدام الجنسية أو التعرض للتمييز، كما يضمن عدم حرمانهم من الانتماء إلى المجتمع الذي وُلدوا ونشؤوا فيه.

وأضاف أن القرار يعزز مبدأ “الجنسية بالميلاد على الإقليم” الذي ميز الولايات المتحدة تاريخياً عن دول تعتمد على “حق الدم” بوصفه أساساً لاكتساب الجنسية، مؤكداً أن الحكم يجسد سيادة الدستور على السلطة التنفيذية، ويضع حدوداً لمحاولات تعديل التفسيرات الدستورية الجوهرية عبر الأوامر التنفيذية، ما يعزز دور القضاء باعتباره الضامن للحقوق والحريات الأساسية، خصوصاً في ظل سياسات الهجرة المتشددة.

وعن تداعيات القرار، أشار إلى أنه يوفر حالة من الاستقرار القانوني والاجتماعي لملايين الأسر المهاجرة، ويجنب الأطفال عقبات قد تمس حقهم في التعليم والرعاية الصحية والعمل مستقبلاً، فضلًا عن تعزيز اندماجهم في المجتمع الأمريكي، كما يحمل رسالة طمأنة للمهاجرين بأن الحقوق الدستورية لا تزال تحظى بالحماية، ويجعل من الصعب تمرير محاولات مماثلة لتقييد الجنسية بالولادة في المستقبل القريب.

وتوقع صادق استمرار الجدل السياسي حول القضية، مع احتمال تجدد الدعوات داخل الكونجرس لتشريع جديد أو حتى لتعديل دستوري، لكنه استبعد نجاح هذه المساعي في المدى المنظور؛ نظراً لتعقيد إجراءات تعديل الدستور وغياب التوافق السياسي اللازم.

وأختتم صادق حديثه: “القرار يحافظ على أحد التقاليد الدستورية الراسخة في الولايات المتحدة، ويكرس مبدأ المساواة في حق الجنسية للأطفال المولودين على الأراضي الأمريكية بغض النظر عن الوضع القانوني لوالديهم”، مرجحاً استمرار ظاهرة “سياحة الولادة” في ظل بقاء هذا الحق الدستوري دون تغيير في المستقبل القريب.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print