لم تعد رحلة الهجرة نحو جزر الكناري الإسبانية مجرد خيار للهروب من الفقر أو البطالة، بل أصبحت بالنسبة لآلاف الشبان في غرب إفريقيا مساراً يختلط فيه الأمل بالمخاطرة، والنجاة باحتمالات الموت. ورغم التحذيرات المتكررة من المنظمات الدولية، يواصل كثيرون الاعتماد على شبكات التهريب للوصول إلى أوروبا، لأنهم يرونها أقل كلفة وأبسط من مسارات الهجرة النظامية التي تبدو بعيدة المنال.
وتكشف دراسة حديثة صادرة عن مركز الهجرة المختلطة أن غالبية المهاجرين الذين سلكوا طريق جزر الكناري استعانوا بمهربين خلال جزء من الرحلة أو طوالها.
وشملت الدراسة أكثر من 1200 مهاجر ولاجئ من السنغال ومالي وغينيا، أُجريت معهم مقابلات في إسبانيا وموريتانيا، إحدى أهم نقاط الانطلاق نحو الأرخبيل الإسباني.
وتوضح نتائج الدراسة أن اللجوء إلى المهربين لم يكن خياراً أولياً لدى كثير من المهاجرين، فقد درس نحو نصف المشاركين إمكانية الهجرة النظامية قبل اتخاذ قرار الهجرة غير النظامية، وأفاد 27 بالمئة منهم بأنهم بحثوا عن طرق قانونية للهجرة، بينما حاول 21 بالمئة تنظيم رحلاتهم بأنفسهم قبل اللجوء إلى شبكات التهريب.
تكلفة التأشيرات تدفع نحو القوارب
تشير بيانات مركز الهجرة المختلطة إلى أن العوامل المالية تمثل الدافع الرئيسي وراء الاعتماد على المهربين.
ويؤكد كثير من المهاجرين أن الوصول إلى جزر الكناري عبر المحيط الأطلسي من خلال المهربين يبدو أقل كلفة وأسرع من إجراءات الهجرة القانونية.
وتوضح الدراسة أن 41 بالمئة من المشاركين الذين حاولوا الهجرة النظامية سابقاً عدلوا عن ذلك بسبب التكاليف المرتفعة، كما أشار 30 بالمئة إلى أن رفض التأشيرات دفعهم نحو الخيارات غير النظامية.
وتبرز هذه الأرقام أزمة أوسع ترتبط بصعوبة الوصول القانوني إلى أوروبا؛ فمتطلبات التأشيرات الأوروبية تفرض شروطاً مالية معقدة على مواطني دول غرب إفريقيا.
وتفيد الدراسة بأن بعض طالبي التأشيرات إلى إسبانيا مطالبون بإثبات امتلاك مدخرات تقارب 29 ألف يورو للفرد الواحد، وهو مبلغ يتجاوز بكثير إمكانات غالبية الأسر في المنطقة.
وترى المنظمة الدولية للهجرة أن تقلص قنوات الهجرة الآمنة والقانونية يدفع مزيداً من الأشخاص إلى الاعتماد على المهربين، كما يزيد اعتمادهم على شبكات غير رسمية تستفيد من القيود المفروضة على التنقل الدولي.
طريق بحري شديد الخطورة
رغم اقتناع كثير من المهاجرين بأن المهربين يقللون مخاطر الرحلة، فإن الواقع يكشف صورة مختلفة.. فقد أظهرت دراسة مركز الهجرة المختلطة أن 40 بالمئة ممن استعانوا بمهربين طوال الرحلة أبلغوا عن تعرضهم لمخاطر جسيمة أثناء عبور الأطلسي.
وتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن طريق غرب إفريقيا الأطلسي نحو جزر الكناري لا يزال من أكثر طرق الهجرة فتكاً في العالم.
وسجلت المنظمة خلال عام 2025 ما لا يقل عن 54 حادث غرق على هذا الطريق، أسفرت عن وفاة أو فقدان 1214 مهاجراً.
وتؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن هذه الأرقام تمثل الحد الأدنى فقط؛ فالكثير من القوارب تختفي في عرض المحيط دون أن تترك أي أثر، فيما يصعب توثيق الحوادث التي تقع بعيداً عن سواحل الدول المعنية.
وتعكس شهادات الناجين حجم المأساة الإنسانية؛ فقد روى مهاجر سنغالي يبلغ 29 عاماً للباحثين أنه شاهد أشخاصاً يسقطون في البحر دون إمكانية إنقاذهم، كما تحدث عن نقص حاد في سترات النجاة وخوف دائم من انقلاب القارب وسط أمواج الأطلسي العاتية.
المهربون بين الحماية والاستغلال
تكشف الدراسة مفارقة لافتة، فمعظم المهاجرين لا ينظرون إلى المهربين باعتبارهم مجرمين، رغم تعرض كثير منهم لانتهاكات مباشرة على أيدي هذه الشبكات.
ويشير مركز الهجرة المختلطة إلى أن المهربين نادراً ما يُنظر إليهم كمصدر رئيسي للخطر.. ويرتبط ذلك باعتقاد واسع بأنهم يوفرون خبرة ملاحية وتنظيمية تقلل احتمالات الفشل أثناء الرحلة.
لكن الشهادات التي وثقتها الدراسة ترسم واقعاً مختلفاً، فقد تحدث مهاجرون عن تعرضهم للابتزاز المالي والاستغلال والتهديد، كما أفادت نساء بأن بعض المهربين طالبوهن بخدمات جنسية مقابل تسهيل العبور أو تخفيض تكاليف الرحلة.
وتؤكد منظمات حقوق الإنسان أن النساء والفتيات يواجهن مخاطر مضاعفة على طرق الهجرة غير النظامية.
وتشير تقارير المنظمة الدولية للهجرة والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن الاستغلال الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي من أكثر الانتهاكات انتشاراً خلال رحلات الهجرة المختلطة.
مخاطر قبل الوصول إلى البحر
لا تقتصر التهديدات على عبور المحيط الأطلسي؛ فالكثير من المهاجرين يواجهون مخاطر جسيمة داخل دول العبور قبل الوصول إلى السواحل.
وتظهر دراسة مركز الهجرة المختلطة أن 41 بالمئة من المهاجرين الذين شعروا بالخطر في موريتانيا تعرضوا للسرقة، كما أفاد 40 بالمئة بتعرضهم للعنف الجسدي، بينما أشار 25 بالمئة إلى الاحتجاز.
وحمّل 41 بالمئة من المشاركين الجيش والشرطة مسؤولية الانتهاكات التي تعرضوا لها، كما أشار 24 بالمئة إلى العصابات الإجرامية، و20 بالمئة إلى المهربين.
وتوضح هذه المعطيات حجم التداخل بين سياسات مكافحة الهجرة والانتهاكات الحقوقية التي يواجهها المهاجرون.
وفي الجزائر، وثقت منظمة هاتف إنذار الصحراء ترحيل 34236 مهاجراً إلى النيجر خلال عام 2025.
وتعد هذه العمليات من أكبر حملات الإبعاد المسجلة في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
وتقول منظمات حقوقية إفريقية وأوروبية إن بعض عمليات الترحيل تتم في ظروف صعبة، كما تحذر من تعريض المهاجرين لمخاطر صحية وأمنية في المناطق الحدودية الصحراوية.
تراجع الأعداد لا يعني تراجع الأزمة
تشير بيانات مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة إلى وصول 17788 مهاجراً إلى جزر الكناري خلال عام 2025، ويمثل ذلك انخفاضاً بنسبة 62 بالمئة مقارنة بعام 2024 الذي شهد وصول 46843 شخصاً.
كما أظهرت بيانات وكالة فرونتكس الأوروبية انخفاض الوافدين عبر طريق غرب إفريقيا بنحو الثلث خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2025.
وأرجعت الوكالة ذلك إلى تشديد الرقابة الحدودية في موريتانيا وزيادة التعاون بين الاتحاد الأوروبي ودول المغادرة.
غير أن المنظمات الإنسانية تحذر من تفسير هذا الانخفاض باعتباره نجاحاً كاملاً للسياسات الحالية؛ فالمنظمة الدولية للهجرة تؤكد أن تراجع الأعداد لا يعني تراجع المخاطر، بل قد يعكس زيادة صعوبة الرحلات وارتفاع كلفة التهريب وتشديد الإجراءات الأمنية.
البعد الحقوقي والقانوني
تنص الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم على ضرورة حماية المهاجرين من الاستغلال والعنف والتمييز، كما تؤكد الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951 حق الأشخاص الفارين من الاضطهاد في طلب الحماية الدولية.
وتشدد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على أن مكافحة التهريب يجب ألا تؤدي إلى انتهاك حقوق طالبي اللجوء أو حرمانهم من الوصول إلى إجراءات الحماية.
كما تدعو المنظمة الدولية للهجرة إلى توسيع المسارات النظامية للهجرة والعمل. وترى أن غياب البدائل القانونية يدفع آلاف الأشخاص نحو شبكات التهريب ويزيد أرباح الجماعات الإجرامية.
أزمة إنسانية مستمرة
تؤكد بيانات الأمم المتحدة أن عام 2025 شهد وفاة أو فقدان 7667 مهاجراً على طرق الهجرة العالمية المختلفة.
وسجل طريق غرب إفريقيا الأطلسي وحده أكثر من 1200 حالة وفاة أو فقدان.. ويظل أحد أخطر الممرات البحرية في العالم.
ويرى مركز الهجرة المختلطة أن الدوافع الاقتصادية لا تزال العامل الأكثر تأثيراً في قرارات الهجرة. فالفقر والبطالة وتراجع الفرص التعليمية تدفع آلاف الشبان إلى المخاطرة بحياتهم أملاً في مستقبل أفضل.
وفي المقابل، تؤكد منظمات حقوق الإنسان أن تشديد الرقابة وحده لن يوقف الهجرة غير النظامية، وتدعو إلى سياسات تنموية توفر فرص العمل داخل دول المنشأ، كما تطالب بتوسيع قنوات الهجرة القانونية وتعزيز عمليات الإنقاذ البحري وحماية المهاجرين من الاستغلال.
وبين تشديد الحدود الأوروبية واتساع شبكات التهريب، يستمر طريق الكناري في ابتلاع أرواح الباحثين عن فرصة جديدة للحياة.

