منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الحق في الحماية والأمن.. أمريكيون يواجهون عنف المستوطنين بالضفة الغربية

04 أغسطس 2026
الضفة الغربية تواجه انتهاكات وعنف من المستوطنين
الضفة الغربية تواجه انتهاكات وعنف من المستوطنين

كشف تصاعد اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية عن أزمة تتجاوز العنف الميداني إلى مسألة الحق في الحماية والأمن الشخصي، بعدما أكد فلسطينيون يحملون الجنسية الأمريكية أنهم أصبحوا هدفًا لهجمات متكررة، في وقت يقولون إن الحماية التي يتوقعونها من دولتهم لا تواكب حجم التهديدات التي يواجهونها، مع اتساع دائرة العنف وما يرافقها من عمليات قتل وتصعيد عسكري.

ووفقا لتحقيق ميداني أجرته “الغارديان” تقع بلدة ترمسعيا على تماس مباشر مع بؤر استيطانية، ويشكل المواطنون الأمريكيون من أصل فلسطيني نحو 80% من سكانها، إذ تعود أصولهم إلى جاليات استقرت في نيويورك وشيكاغو ومدينة باترسون بولاية نيوجيرسي، ويعود كثير منهم صيفًا لتعريف أبنائهم بالثقافة الفلسطينية واللغة العربية.

وتحولت الأراضي الفاصلة إلى ساحة شهدت إحراقًا بزجاجات حارقة، بينما وضع مستوطنون صخرة لإعلان سيطرتهم على المنطقة، في وقت زار فيه السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي مستوطنة شيلو مرتين خلال العامين الماضيين، رغم اعتبار الأمم المتحدة المستوطنة مخالفة للقانون الدولي.

اعتبر رئيس مجلس ترمسعيا والمحامي شبه المتقاعد المتخصص في قانون الأسرة ياسر القم أن ما يحدث يمثل مفارقة غير مسبوقة، قائلاً إن فلسطين أصبحت المكان الوحيد الذي يهاجم فيه مواطنون أمريكيون مواطنين أمريكيين آخرين من أجل الأرض، مؤكدًا أن سكان البلدة لا يملكون سوى وسائل دفاع محدودة في مواجهة اعتداءات متكررة تشمل إطلاق النار ليلًا وترهيب السكان والاعتداء على المنازل.

أكد القم أنه تواصل مرارًا مع السفارة الأمريكية طلبًا للحماية، مشيرًا إلى أنها تدخلت في إحدى الحالات لإنهاء سيطرة الجيش الإسرائيلي على منزل طبيب أمريكي من أصل فلسطيني، إلا أن تلك التدخلات ظلت محدودة، بينما قُتل تسعة أمريكيين من أصل فلسطيني في الضفة الغربية منذ عام 2022 على يد مستوطنين أو قوات الجيش الإسرائيلي.

حماية محدودة

أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن جميع المواطنين الأمريكيين في الضفة الغربية يحصلون على الخدمات القنصلية، وأدانت أعمال العنف “من أي طرف”، مؤكدة أن الولايات المتحدة لا تؤيد ضم الضفة الغربية وأن استقرارها ينسجم مع هدف تحقيق السلام.

استعاد المواطن الأمريكي الفلسطيني غيث عودة تفاصيل انتقال أسرته إلى ترمسعيا عام 2021، موضحًا أن الاعتداءات تصاعدت خلال العام الأخير، بعدما تعرض منزله لست مداهمات عسكرية، وأحرق المستوطنون جزءًا من منزل والديه، كما تعرض أحد أبنائه الستة لتهديد مباشر بالسلاح.

وقال إن السفارة الأمريكية اكتفت بإحالته إلى سلطات إنفاذ القانون المحلية، معبرًا عن شعوره بأن الأمريكي الإسرائيلي يحظى بحماية لا يحصل عليها الأمريكي الفلسطيني.

روت المتقاعدة ميسون علي، التي عاشت سنوات طويلة في ولاية فرجينيا الأمريكية، كيف هاجم مستوطنون منزلها في دير دبوان بزجاجات حارقة، مؤكدة أنها نجت بعدما أغلقت المصاريع المعدنية قبل إشعال النار في المنزل، وأضافت أنها أحاطت منزلها بالأسوار وتخلت عن حياتها اليومية خوفًا من تكرار الاعتداءات، بينما لم تتلقَ أي تواصل من السفير الأمريكي.

وثّقت أسوشيتد برس حادثة أخرى بعدما أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية مقتل الفلسطيني الأمريكي نصر الله أبو صيام (19 عامًا) برصاص مستوطنين خلال هجوم على قرية مخماس شرق رام الله.

وأفاد شهود بأن مستوطنين هاجموا أحد المزارعين قبل اندلاع مواجهات مع الأهالي، بينما قال الجيش الإسرائيلي إنه استخدم وسائل لتفريق الشغب ونفى إطلاق قواته النار.

أشارت الوكالة إلى بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية التي أظهرت مقتل 240 فلسطينيًا في الضفة الغربية خلال العام الماضي على يد القوات الإسرائيلية والمستوطنين، مقابل مقتل 17 إسرائيليًا، بينهم ستة جنود، فيما قالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إن أبو صيام أول فلسطيني يقتل على يد مستوطنين خلال عام 2026.

اتساع الانتهاكات

حذرت هيومن رايتس ووتش في تقرير نشره موقعها الرسمي منذ أيام، من أن تصاعد عنف المستوطنين ينذر بوقوع فظائع جماعية، بعدما أدى هجوم على قرية تل في 24 يوليو 2026 إلى مقتل أربعة فلسطينيين وإسرائيليين اثنين، أعقبته هجمات انتقامية على قرى فلسطينية وإعلان الحكومة الإسرائيلية تنفيذ عملية عسكرية واسعة في الضفة الغربية.

وثّقت المنظمة، عبر مقابلات مع شهود والتحقق من تسجيلات مصورة، مشاركة ما بين 40 و50 مستوطنًا في الهجوم، مؤكدة أن جنودًا إسرائيليين كانوا موجودين في الموقع، بينما أظهرت الوقائع، بحسب المنظمة، نمطًا متكررًا من هجمات ينفذها مستوطنون بحضور الجيش أو دون تدخله، في ظل ما وصفته بدعم مالي ومادي وقانوني تقدمه الدولة الإسرائيلية للمستوطنين.

أعلنت الحكومة الإسرائيلية، عقب الحادث، إعادة نشر خمس كتائب عسكرية في الضفة الغربية، وتسريع إجراءات تقنين البؤر الاستيطانية وإنشاء أخرى جديدة، بينما دعا مسؤولون إسرائيليون إلى هدم منازل وقرى فلسطينية وتوسيع السيطرة على الأراضي.

ذكّرت المنظمة بأن محكمة العدل الدولية قضت في يوليو 2024 بعدم قانونية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وأكدت التزام إسرائيل بإخلاء المستوطنات والسماح بعودة الفلسطينيين النازحين وتعويضهم.

دعت الباحثة بالإنابة في شؤون إسرائيل وفلسطين بمنظمة هيومن رايتس ووتش سارة سنبر إلى تحرك دولي عاجل لمنع مزيد من الانتهاكات، مؤكدة أن سنوات الإفلات من العقاب حولت الضفة الغربية إلى “برميل بارود”، وأن غياب المحاسبة يفتح الباب أمام مزيد من التصعيد، بينما يواصل مدنيون فلسطينيون، بينهم أمريكيون من أصل فلسطيني، العيش تحت تهديد دائم يمس حقهم في الحياة والأمن والبقاء في منازلهم.