في قرى جنوب الصومال، لم يعد الجفاف حدثاً موسمياً عابراً، بل أصبح عاملاً يحدد شكل الحياة اليومية ومصير آلاف الأسر، تتقلص مصادر المياه تدريجياً، وتختفي المراعي، وتتحول الأرض الزراعية إلى مساحات جافة تدفع السكان إلى ترك منازلهم قسراً، في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في منطقة القرن الإفريقي خلال السنوات الأخيرة.
وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، تعرضت مناطق واسعة من الصومال خلال عامي 2023 و2024 لموجات جفاف متتالية أثرت في أكثر من 6.6 مليون شخص، بينهم مئات الآلاف اضطروا للنزوح الداخلي بسبب فقدان مصادر المياه والغذاء، وتؤكد الأمم المتحدة أن هذا الرقم يعكس اتساع نطاق الأزمة ليشمل أغلب المحافظات الجنوبية التي تعتمد على الزراعة والرعي بوصفهما مصدرين رئيسيين للمعيشة.
ويشير مكتب أوتشا في تقاريره الإنسانية إلى أن تكرار فشل مواسم الأمطار منذ عام 2020 أدى إلى انهيار شبه كامل في الدورة الزراعية في مناطق جوبا السفلى ووسط شبيلي، وهما من أهم الأقاليم الزراعية في البلاد، ما دفع السكان إلى الاعتماد على المساعدات الإنسانية بشكل متزايد.
نزوح واسع بسبب انهيار مصادر المياه
توضح المنظمة الدولية للهجرة أن موجات النزوح الداخلي في الصومال تجاوزت 3.8 مليون نازح داخلي حتى عام 2025، يعيش جزء كبير منهم في مخيمات مكتظة حول العاصمة مقديشو ومراكز حضرية أخرى، وتؤكد المنظمة أن الجفاف يشكل أحد أبرز أسباب النزوح، إلى جانب النزاعات المسلحة، لكن تأثيره في السنوات الأخيرة أصبح أكثر حدة نتيجة تدهور البنية التحتية للمياه.
وتشير تقارير ميدانية صادرة عن المنظمة إلى أن آلاف الأسر في جنوب البلاد فقدت إمكانية الوصول إلى المياه بشكل كامل، ما أجبرها على السير لمسافات طويلة تصل أحياناً إلى عشرات الكيلومترات يومياً للحصول على كميات محدودة من المياه غير الآمنة.
الأمن الغذائي في حالة حرجة
يظهر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي IPC أن أكثر من 5 ملايين شخص في الصومال يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم مئات الآلاف في مستويات طارئة أو قريبة من المجاعة، ويعكس هذا التصنيف الذي تستخدمه الأمم المتحدة وشركاؤها حجم التدهور في القدرة على الحصول على الغذاء بشكل منتظم.
ويؤكد برنامج الأغذية العالمي أن الصومال يعد من أكثر الدول تأثراً بتقلبات المناخ في إفريقيا، حيث يؤدي الجفاف إلى تراجع الإنتاج الزراعي ونفوق أعداد كبيرة من المواشي التي يعتمد عليها أكثر من 70 بالمئة من السكان في معيشتهم.
الأطفال في قلب الكارثة الإنسانية
تشير منظمة الأمم المتحدة للطفولة يونيسف إلى أن أكثر من 1.8 مليون طفل في الصومال يحتاجون إلى مساعدات غذائية عاجلة، في حين يعاني مئات الآلاف من سوء التغذية الحاد، وتوضح المنظمة أن نقص المياه النظيفة أسهم في ارتفاع حالات الأمراض المرتبطة بالمياه مثل الإسهال الحاد والكوليرا، ما يزيد من معدلات الوفيات بين الأطفال في المناطق المتضررة.
وتؤكد يونيسف أن الأطفال في مناطق الجفاف يقضون ساعات طويلة يومياً في جلب المياه، ما يؤدي إلى انقطاعهم عن التعليم ويزيد من هشاشة وضعهم الصحي والاجتماعي، خصوصاً في المناطق الريفية في جنوب البلاد.
تراجع التمويل الإنساني يفاقم الأزمة
يؤكد برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في الصومال دخلت مرحلة حرجة خلال عام 2025 نتيجة فجوة تمويلية كبيرة أجبرت الوكالة على تقليص نطاق المساعدات الغذائية والنقدية بشكل واسع، في وقت تتصاعد فيه مستويات انعدام الأمن الغذائي إلى مستويات قياسية، ووفق بيان رسمي صادر عن البرنامج في أكتوبر 2025، فقد تم تقليص عدد المستفيدين من المساعدات الطارئة في الصومال من 1.1 مليون شخص في منتصف العام إلى نحو 350 ألف شخص فقط في نوفمبر، أي إن أقل من شخص واحد من كل عشرة أشخاص محتاجين يحصلون على دعم غذائي طارئ حالياً.
ويشير البرنامج إلى أن هذا الانخفاض الحاد في التغطية يأتي في سياق اتساع رقعة الأزمة الإنسانية، حيث يواجه نحو 6.5 مليون شخص في الصومال مستويات من انعدام الأمن الغذائي الحاد أو ما هو أسوأ وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي IPC، بينهم قرابة مليوني شخص في مرحلة الطوارئ الغذائية.
وتوضح بيانات برنامج الأغذية العالمي أن التمويل الإنساني المخصص للصومال خلال عام 2025 تراجع بنحو 34 بالمئة مقارنة بالعام السابق، ما أدى إلى إعادة هيكلة برامج الإغاثة وتقليص الحصص الغذائية وتقليص نطاق العمليات الجغرافية في عدة مناطق ريفية، خصوصاً في الجنوب الأكثر تضرراً من الجفاف والنزاع.
ويضيف البرنامج أن تداعيات هذا التراجع لا تقتصر على تقليص المساعدات المباشرة، بل تمتد إلى انهيار قدرة الأسر النازحة على تلبية احتياجاتها الأساسية، حيث يعتمد ملايين النازحين بشكل كامل على التحويلات النقدية والمساعدات الغذائية بوصفها مصدراً وحيداً للبقاء، ما يجعل أي خفض في التمويل عاملاً مباشراً في زيادة معدلات الجوع وسوء التغذية.
وفي السياق ذاته، يحذر برنامج الأغذية العالمي من أن استمرار الفجوة التمويلية قد يؤدي إلى توقف أو تعليق أجزاء من عمليات الإغاثة بحلول مواسم الجفاف القادمة، مع حاجة عاجلة إلى مئات ملايين الدولارات لضمان استمرار الحد الأدنى من الاستجابة الإنسانية، في وقت تتراجع فيه إسهامات المانحين الدوليين بشكل عام في قطاع الإغاثة العالمي.
وتؤكد الأمم المتحدة أن أزمة التمويل لا تنفصل عن السياق العالمي الأوسع، حيث أدى انخفاض التمويل الإنساني الدولي إلى تقليص الدعم الموجه لعدة أزمات متزامنة حول العالم، ما انعكس بشكل مباشر على قدرة المنظمات الإنسانية في الصومال على الاستجابة السريعة للارتفاع المتواصل في أعداد المحتاجين.
وبحسب برنامج الأغذية العالمي، فإن تقليص المساعدات في الصومال يأتي في وقت تتزايد فيه مؤشرات الهشاشة الإنسانية، إذ إن أكثر من 4.4 مليون شخص يواجهون مستويات أزمة أو طوارئ في الأمن الغذائي، في حين يظل الأطفال والنساء الأكثر تضرراً من نقص التغذية وانعدام الخدمات الأساسية.
ويؤكد البرنامج أن استمرار خفض التمويل قد يؤدي إلى انتقال أعداد إضافية من السكان من مرحلة “الأزمة” إلى مرحلة “الطوارئ” وربما “المجاعة”، وهو ما يهدد بإعادة البلاد إلى مستويات خطيرة شبيهة بأزمات سابقة شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، خاصة في ظل تزامن الجفاف مع النزوح وتدهور الاقتصاد المحلي.
انهيار سبل العيش في جنوب الصومال
تؤكد منظمة الأغذية والزراعة “فاو” أن القطاع الزراعي والرعوي في الصومال يواجه انهياراً تدريجياً نتيجة تكرار الجفاف، حيث فقدت آلاف الأسر جزءاً كبيراً من مواشيها التي تمثل المصدر الأساسي للدخل، وتشير تقديرات أممية إلى نفوق مئات الآلاف من رؤوس الماشية خلال موجات الجفاف الأخيرة، ما أدى إلى تراجع القدرة الاقتصادية للأسر الريفية.
ويؤدي هذا الانهيار إلى انتقال السكان من الريف إلى المدن، ما يخلق ضغطاً إضافياً على الخدمات الأساسية والبنية التحتية الهشة أصلاً في المناطق الحضرية.
النساء يتحملن العبء الأكبر
توضح هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن النساء في جنوب الصومال يتحملن العبء الأكبر خلال أزمات الجفاف، حيث يقمن بجلب المياه وإدارة الموارد المحدودة داخل الأسرة، إضافة إلى مواجهة مخاطر الحماية في الطرق الطويلة نحو مصادر المياه أو المخيمات.
وتشير الهيئة إلى أن انعدام المياه يزيد من الأعباء الصحية والاجتماعية على النساء، ويحد من فرصهن في التعليم والعمل، ما يعمق الفجوة الاجتماعية القائمة.
مناخ متغير
تشير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى أن منطقة القرن الإفريقي تشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة وتذبذباً شديداً في أنماط الأمطار، ما يجعل الجفاف أكثر تكراراً وشدة، وتوضح التقارير العلمية أن الصومال من أكثر الدول عرضة لتغير المناخ بسبب اعتماده الكبير على الزراعة المطرية والرعي.
وتؤكد الأمم المتحدة أن الجفاف المتكرر لم يعد حدثاً استثنائياً، بل أصبح جزءاً من نمط مناخي جديد يهدد استدامة الحياة في مناطق واسعة من الصومال.
الأبعاد القانونية والحقوقية للأزمة
وفق مبادئ القانون الدولي الإنساني، يشكل الوصول إلى المياه والغذاء جزءاً أساسياً من الحق في الحياة والصحة، وتشير لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التابعة للأمم المتحدة إلى أن الدول والمجتمع الدولي ملزمون بضمان الحد الأدنى من الخدمات الأساسية للسكان المتضررين من الكوارث الطبيعية والنزوح.
وتؤكد الأمم المتحدة أن حرمان السكان من المياه في سياق نزاع أو جفاف طويل الأمد يفاقم المخاطر الإنسانية، ويستدعي استجابة عاجلة لتجنب تدهور الأوضاع إلى مستويات أشد خطورة.
تحذيرات أممية من سيناريو أكثر خطورة
يحذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من أن استمرار الجفاف وتراجع التمويل الإنساني قد يؤديان إلى اتساع رقعة النزوح وتفاقم سوء التغذية خلال الأشهر المقبلة، ويؤكد المكتب أن بعض المناطق في جنوب الصومال قد يواجه مستويات أشد من انعدام الأمن الغذائي إذا استمر تراجع المساعدات.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والتمويل المتاح لا تزال كبيرة، ما يهدد بترك ملايين الأشخاص دون دعم كافٍ في مواجهة الجفاف.
يقع الصومال في منطقة القرن الإفريقي التي تعد من أكثر المناطق عرضة للجفاف في العالم، ويعتمد السكان في الجنوب بشكل رئيسي على الزراعة المطرية والرعي، ما يجعلهم شديدي التأثر بتغير المناخ، وخلال العقدين الأخيرين، شهدت البلاد موجات جفاف متكررة تسببت في نزوح ملايين الأشخاص وانهيار أجزاء واسعة من الاقتصاد الريفي، وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن تداخل الجفاف مع النزاعات المسلحة وضعف البنية التحتية وغياب الاستثمار في إدارة المياه أسهمت في تحويل الأزمة من ظاهرة مناخية إلى كارثة إنسانية مزمنة تهدد استقرار المجتمع الصومالي على المدى الطويل.

