منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الصحراء الغربية.. نزاع معلّق بين تقرير المصير وحقوق السكان

03 يوليو 2026
الصحراء الغربية.. نزاع طويل الأمد
الصحراء الغربية.. نزاع طويل الأمد

بعد نحو نصف قرن على اندلاع النزاع حول الصحراء الغربية، لا يزال الإقليم واحداً من أكثر الملفات السياسية والحقوقية استعصاءً على الحل في إفريقيا، فبين مطالبة جبهة البوليساريو بحق تقرير المصير، ودفع المغرب بمقترح الحكم الذاتي تحت سيادته، يعيش سكان الإقليم ومخيمات اللجوء واقعاً طويلاً من التعليق السياسي والإنساني، في ظل مسار أممي متعثر وتوترات ميدانية متقطعة.

ومع مرور السنوات، لم تعد القضية مرتبطة بمسألة السيادة وحدها، بل أصبحت تمس قدرة السكان على العيش في استقرار، والتمتع بحقوقهم الأساسية، والوصول إلى فضاء مدني وإعلامي مفتوح، بعيداً عن أزمة ممتدة بلا أفق واضح للحسم.

وتُعد الصحراء الغربية من أطول النزاعات غير المحسومة في إفريقيا، إذ بدأ الملف بصورته الحالية عقب انسحاب إسبانيا من الإقليم عام 1975 في سياق إنهاء الاستعمار، ومنذ ذلك الحين، ظل الإقليم محل نزاع بين المغرب وجبهة البوليساريو التي تطالب باستقلاله وتتمتع بدعم سياسي من الجزائر.

ومع امتداد النزاع لعقود، تشكل واقع إنساني وسياسي معقد؛ فجزء من الصحراويين يعيش داخل الإقليم المتنازع عليه، في حين يقيم آخرون في مخيمات اللاجئين جنوب غرب الجزائر، في وضع طويل الأمد من عدم اليقين السياسي والاجتماعي.

مسار أممي متعثر

أنشأت الأمم المتحدة عام 1991 بعثة المينورسو بهدف مراقبة وقف إطلاق النار والتحضير لاستفتاء لتقرير المصير، لكن هذا المسار لم يصل إلى تسوية نهائية، وبقيت العملية السياسية عالقة بين مواقف متباعدة وحسابات إقليمية معقدة.

وفي تقريره الصادر في أكتوبر 2024، أشار الأمين العام للأمم المتحدة إلى أن الوضع في الصحراء الغربية ظل يتسم بالتوترات والأعمال العدائية منخفضة الحدة بين المغرب وجبهة البوليساريو، مع استمرار الصعوبات التي تواجه بعثة المينورسو في الحركة والمراقبة الميدانية.

كما شددت الأمم المتحدة على الحاجة إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين يضمن حق تقرير المصير لشعب الصحراء الغربية.

تقرير المصير جوهر الأزمة

يبقى حق تقرير المصير القضية المركزية في النزاع، إذ ما تزال الأمم المتحدة تصنف الصحراء الغربية ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.

وتعتبر جبهة البوليساريو أن أي تسوية لا تتضمن استفتاءً يتيح للسكان اختيار مستقبلهم تمثل تجاوزاً لهذا الحق، في حين يطرح المغرب مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها حلاً “واقعياً وعملياً”.

وبين هذين الطرحين، يستمر الجمود السياسي، وينعكس مباشرة على الحياة اليومية للسكان، سواء داخل الإقليم أو في مخيمات اللاجئين، حيث تطول حالة الانتظار وتضعف فرص بناء مستقبل مستقر.

إلى جانب البعد السياسي، تبرز حرية التعبير والإعلام بوصفها إحدى أكثر القضايا الحقوقية حساسية في الصحراء الغربية، فقد وصفت مراسلون بلا حدود الإقليم في تقرير سابق بأنه “ثقب أسود إخباري”، مشيرة إلى صعوبة عمل الصحفيين والوصول المستقل إلى المعلومات داخله.

كما تشير صفحة مراسلون بلا حدود الخاصة بالمغرب/ الصحراء الغربية إلى استمرار القلق من الملاحقات والإجراءات القضائية المرتبطة بالعمل الإعلامي، في حين تؤكد منظمات حقوقية وصحراوية أن تغطية الاحتجاجات أو قضايا حقوق الإنسان أو المطالبة بالاستقلال ما تزال تواجه قيوداً وضغوطاً.

أزمة حقوقية ممتدة

لا يبدو نزاع الصحراء الغربية نزاعاً حدودياً فحسب، بل أزمة حقوقية ممتدة تمس حرية التعبير، وحرية التجمع، والحق في المشاركة السياسية، والوصول إلى المعلومات، والاستقرار الإنساني.

ومع استمرار الجمود، يواجه السكان داخل الإقليم وفي المخيمات واقعاً طويلاً من الانتظار، في حين تخشى منظمات حقوقية من أن تتحول الأزمة إلى حالة مزمنة تنتج أجيالاً جديدة عاشت كامل حياتها داخل النزاع.

وتزداد صعوبة الوضع الإنساني في مخيمات اللاجئين مع طول أمد الأزمة، واعتماد قطاعات واسعة من السكان على المساعدات الإنسانية، في ظل محدودية فرص العمل والتنقل والحلول الدائمة.

ندوة غامبيا والجدل الحقوقي

أعادت ندوة حقوقية مرتبطة بالصحراء الغربية، كان مقرراً عقدها في غامبيا يوم 12 مايو 2026 على هامش الدورة الـ87 للجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، تسليط الضوء على الجدل الحقوقي المتصاعد.

وقالت منظمات حقوقية إن فعالية جانبية بشأن أوضاع حقوق الإنسان في الصحراء الغربية أُلغيت بصورة مفاجئة رغم الترتيبات السابقة، معتبرة أن ذلك يثير مخاوف بشأن تضييق فضاء المجتمع المدني وحق المدافعين الصحراويين في التعبير والمشاركة.

وبحسب تقارير محلية في غامبيا، حذرت منظمات حقوقية من أن إلغاء الفعالية قد يقوض التزام الآليات الإفريقية بالشفافية والمشاركة وحماية الفضاء المدني، خاصة في ملف حساس يتعلق بتقرير المصير وحقوق الإنسان.

وتكشف قضية الصحراء الغربية أن إطالة أمد النزاعات لا تؤجل الحل السياسي فقط، بل تؤجل أيضاً تمتع السكان بحقوقهم اليومية، فالجمود لا يبقى في قاعات التفاوض، بل يظهر في حياة الناس: في حرية الحركة، والوصول إلى المعلومة، وحق التعبير، والاستقرار الأسري، وفرص التعليم والعمل، والمستقبل السياسي.

ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى مسار سياسي جاد يعيد الأطراف إلى التفاوض تحت مظلة الأمم المتحدة، بالتوازي مع ضمانات حقوقية واضحة تحمي المدنيين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وتضمن وصولاً مستقلاً إلى المعلومات، وتخفف من معاناة اللاجئين في المخيمات.

نزاع تصفية استعمار

أكد الدكتور أمين المشاقبة، المختص في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أن الصحراء الغربية ما تزال تُصنَّف أممياً إقليماً غير متمتع بالحكم الذاتي وخاضعاً لمسار تصفية الاستعمار.

وأشار المشاقبة في حديثه لـ”صفر” إلى أن المغرب يدفع بمقترح الحكم الذاتي تحت سيادته، في حين تطالب جبهة البوليساريو، بدعم من الجزائر، بتنظيم استفتاء يشمل خيار الاستقلال.

ولفت إلى أهمية الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية عام 1975، والذي أقر بوجود روابط تاريخية بين المغرب وبعض قبائل الصحراء، دون أن يحسم مسألة السيادة بصورة نهائية.

نزاع يتجاوز الحدود

يرى المشاقبة أن أزمة الصحراء الغربية تكشف تعقيدات أوسع تتعلق بالعلاقات المغربية الإفريقية والتوازنات الإقليمية، إضافة إلى صعوبة التوفيق بين الاعتبارات الجيوسياسية ومتطلبات القانون الدولي وحق تقرير المصير.

وأشار إلى أن استمرار النزاع دون تسوية نهائية يجعل الحقوق الإنسانية للسكان عرضة للتأثر المستمر، خصوصاً فيما يتعلق بحرية التنقل والاستقرار والتمثيل السياسي والتنمية.

لا يرتبط النزاع فقط بمسألة السيادة فقط، بل بحق السكان في الاستقرار والكرامة والمشاركة في تقرير مستقبلهم السياسي، إذ إن قضية الصحراء الغربية كشفت كيف يمكن للنزاعات الطويلة أن تتحول تدريجياً من ملفات سياسية إلى أزمات حقوقية وإنسانية ممتدة، ومع تعثر الحلول واستمرار الجمود الأممي، يبقى سكان الإقليم ومخيمات اللجوء عالقين بين مشاريع سياسية متناقضة ومستقبل لم يُحسم بعد.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print