في مجلس حقوق الإنسان، لا يدور الخلاف دائماً حول ما إذا كانت الانتهاكات قد وقعت أم لا، كثيراً ما يتفق الجميع على أن هناك معاناة، وأن المدنيين يتضررون، وأن الحقوق تُنتهك، لكن الانقسام الحقيقي يظهر عند السؤال الأصعب: من يملك حق التحقيق؟ ومن يراقب الدولة عندما تُتهم بالتقصير أو الانتهاك؟ وهل تكون المساءلة الدولية حماية للضحايا أم تدخلاً في السيادة؟
هذا السؤال كان واحداً من أبرز الخيوط التي ربطت بين أكثر من ملف خلال الجلسة، في السودان، ظهر الجدل حول دور بعثة تقصي الحقائق وآليات المساءلة الدولية، في إريتريا، انقسمت الدول حول تجديد ولاية المقرر الخاص، في ميانمار، حضرت قضية التحقيق والمساءلة عن الانتهاكات بحق الروهينغا والأقليات.
وفي كل هذه الملفات، كان الصدام واضحاً بين منطقين؛ منطق يرى أن الرقابة الدولية ضرورة عندما تكون الانتهاكات جسيمة، ومنطق يرى أن فرض الآليات دون موافقة الدولة المعنية يهدد مبدأ السيادة ويزيد التسييس.
في ملف إريتريا، مثلاً، دافعت دول أوروبية ودول أخرى عن تجديد ولاية المقرر الخاص، مستندة إلى استمرار القلق بشأن الاعتقال التعسفي، الاختفاء القسري، تقييد الحريات، غياب المساءلة، والخدمة الوطنية، بالنسبة لهذه الدول، لا يمكن إغلاق ملف الرقابة الدولية لمجرد أن الدولة ترفضها، خصوصاً إذا لم يكن هناك تعاون كافٍ مع الآليات الأممية أو ضمانات وطنية فعالة للانتصاف.
أهمية التعاون التقني
في المقابل، رفضت إريتريا ودول مؤيدة لها استمرار الولاية، واعتبرت أنها مفروضة وغير فعالة وتعيد إنتاج المواجهة بدلاً من الحوار، الصين وكوبا ومصر شددت، بدرجات مختلفة، على أهمية التعاون التقني وبناء القدرات واحترام موافقة الدولة المعنية، هذا الموقف يعكس قلقاً أوسع لدى عدد من الدول من أن تتحول الآليات القطرية إلى أدوات ضغط سياسي وانتقائية دولية.
المفارقة أن كلا الطرفين يستخدم لغة حقوقية، أنصار المساءلة يتحدثون باسم الضحايا، والرافضون للآليات المفروضة يتحدثون باسم العدالة غير الانتقائية والسيادة والحوار.
لكن السؤال الذي يجب ألّا يضيع بين اللغتين هو: ماذا يحدث للإنسان الذي تعرض للانتهاك؟ هل يجد باباً للعدالة؟ هل يستطيع تقديم شكوى؟ هل توجد محكمة مستقلة؟ هل يستطيع الصحفي أو الناشط أو الضحية الكلام دون خوف؟
الإفلات من العقاب
في ميانمار، عاد ملف الروهينغا ليؤكد أن الإفلات من العقاب لا يطيل عمر الأزمة فقط، بل يجعل العودة الآمنة أكثر بعداً، فكيف يمكن للاجئ أن يعود إلى مكان لا توجد فيه ضمانات للحماية أو المواطنة أو عدم التكرار؟ وكيف يمكن الحديث عن حل مستدام إذا بقيت الانتهاكات دون مساءلة؟
هذا الجدل يكشف أزمة أعمق داخل النظام الدولي لحقوق الإنسان، فالدول التي ترفض الآليات الدولية لديها أحياناً مخاوف مشروعة من الانتقائية، بالفعل، لا يتعامل العالم مع كل الانتهاكات بالحدة نفسها، ولا تُفرض الآليات على كل الدول بالطريقة نفسها، لكن هذه المخاوف لا يجب أن تتحول إلى إغلاق باب المساءلة بالكامل، فالرد على الانتقائية لا يكون بتقليل حماية الضحايا، بل بتوسيع العدالة لتصبح أكثر اتساقاً وإنصافاً.
في المقابل، الدول التي تدافع عن المساءلة الدولية يجب أن تدرك أن فعالية الآليات لا تقاس بعدد القرارات فقط، إذا بقيت الآلية معزولة عن الواقع، مرفوضة من الدولة، وغير قادرة على الوصول أو التأثير، فإنها تحتاج إلى مراجعة أدواتها لا إلى الاكتفاء بتجديد تلقائي، المساءلة تحتاج إلى شرعية، والشرعية تحتاج إلى استقلالية وموضوعية وتواصل مع الضحايا والمجتمع المدني.
السيادة والمساءلة وضمان الحقوق
السيادة والمساءلة لا يجب أن تكونا خصمين، السيادة الحقيقية تعني أن الدولة قادرة وراغبة في حماية سكانها وضمان حقوقهم، وعندما تفشل في ذلك، أو عندما تغيب سبل الانتصاف، يصبح سؤال الرقابة الدولية مشروعاً، وفي المقابل، المساءلة الدولية يجب ألّا تكون انتقائية أو مسيسة، بل قائمة على معايير واضحة تنطبق على الجميع.
في جنيف، تتكرر هذه المعركة لأن العالم لم يحسم بعد العلاقة بين الدولة والإنسان، هل الدولة درع يحمي الحقوق، أم جدار يمنع الرقابة؟ وهل المجتمع الدولي نصير للضحايا، أم ساحة صراع بين القوى؟ الإجابة ليست سهلة، لكن المؤكد أن الضحايا لا يستطيعون الانتظار حتى يتفق العالم على المصطلحات.
