منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الرياح والشمس تتفوقان.. ألمانيا تسجل محطة تاريخية في التحول للطاقة النظيفة

30 يوليو 2026
طاقة الرياح والطاقة الشمسية في ألمانيا
طاقة الرياح والطاقة الشمسية في ألمانيا

حققت ألمانيا إنجازًا غير مسبوق في مسار تحولها نحو الطاقة النظيفة، بعدما أظهرت أحدث البيانات أن إنتاج الكهرباء من طاقتي الرياح والطاقة الشمسية تجاوز لأول مرة إنتاج الوقود الأحفوري، في خطوة تعكس تسارع جهود أكبر اقتصاد أوروبي لتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية وخفض الانبعاثات الكربونية.

ووفقًا لبيانات صادرة عن مركز الأبحاث اللندني Energy Institute، شكّلت الكهرباء المولدة من الرياح والطاقة الشمسية 44% من إجمالي إنتاج الكهرباء في ألمانيا خلال عام 2025، متقدمة بفارق نقطة مئوية واحدة على الكهرباء المنتجة من الوقود الأحفوري، وهو تطور يمثل نقطة تحول في سياسة الطاقة الألمانية التي انطلقت قبل أكثر من عقدين.

تعزيز الاستثمارات

ويأتي هذا الإنجاز بعد مسار طويل بدأ مع دخول قانون الطاقة المتجددة الألماني حيز التنفيذ عام 2000، والذي أسهم في تعزيز الاستثمارات في مشاريع الطاقة النظيفة. ومنذ ذلك الحين ارتفعت مساهمة الرياح والطاقة الشمسية في إنتاج الكهرباء بنحو 42 نقطة مئوية، بينما تراجع اعتماد البلاد على الفحم بصورة متواصلة.

وكان الفحم يوفِّر في مطلع الألفية أكثر من نصف احتياجات ألمانيا من الكهرباء، إلا أن حصته انخفضت إلى نحو 21% فقط في عام 2025، في ظل توقعات بأن تتمكن البلاد من إنهاء استخدامه بالكامل قبل الموعد المستهدف رسميًا في عام 2038، إذا استمرت وتيرة التحول الحالية.

ويكتسب هذا التطور أهمية إضافية في ضوء قرار ألمانيا التخلي عن الطاقة النووية، إذ توقفت آخر المحطات النووية عن العمل بعدما كانت تسهم بنسبة 6.6% من إنتاج الكهرباء في عام 2022. ورغم اعتبار الطاقة النووية منخفضة الانبعاثات الكربونية، فإن المخاوف المتعلقة بالنفايات المشعة والمخاطر البيئية المرتبطة بها ظلت حاضرة في النقاش العام، ما دفع برلين إلى المضي في خيار الاعتماد بصورة أكبر على مصادر الطاقة المتجددة.

ولا يقتصر هذا التحول على ألمانيا وحدها، إذ تشير بيانات مركز الأبحاث Ember إلى أن الاتحاد الأوروبي شهد خلال العام الماضي تحولًا مماثلًا، بعدما تجاوز إنتاج الكهرباء من الرياح والطاقة الشمسية للمرة الأولى إنتاج الكهرباء من الوقود الأحفوري، بحصة بلغت 30% مقابل 29%، في مؤشر على تسارع التحول الطاقي في القارة الأوروبية.

تحديات تشغيلية واقتصادية

ورغم هذا التقدم، لا تزال ألمانيا تواجه تحديات تشغيلية واقتصادية مرتبطة بالتوسع السريع في إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة، أبرزها ظاهرة أسعار الكهرباء السلبية، التي تحدث عندما يتجاوز حجم الإنتاج الطلب الفعلي على الكهرباء، ما يؤدي إلى انخفاض الأسعار إلى ما دون الصفر.

وتعود هذه الظاهرة إلى الطبيعة المتغيرة لإنتاج الكهرباء من الرياح والطاقة الشمسية، إذ يرتبط التوليد بظروف الطقس وليس بمعدلات الاستهلاك، الأمر الذي يدفع مشغلي المحطات في بعض الأحيان إلى تقليص الإنتاج أو إيقافه مؤقتًا لتجنب الخسائر المالية.

وتوضح بيانات النصف الأول من عام 2026 أن حجم ما يعرف بخفض الإنتاج التجاري ارتفع بنسبة 20%، ليصل إلى 1463 غيغاواط/ساعة مقارنة مع 1216 غيغاواط/ساعة خلال الفترة نفسها من العام السابق، وذلك رغم انخفاض عدد ساعات الأسعار السلبية من 389 ساعة إلى 299 ساعة.

وتشير دراسة حديثة لشركة معلومات أسواق الطاقة Montel إلى أن تطبيق قانون Solar Peak Act أسهم في تعزيز هذا الاتجاه، إذ أصبحت مشاريع الطاقة المتجددة الجديدة تفقد بعض مزايا الدعم الحكومي بمجرد تحول أسعار الكهرباء في سوق الجملة إلى مستويات سلبية، وهو ما خلق حافزًا اقتصاديًا يدفع بعض المنتجين إلى إيقاف التوليد بدلًا من الاستمرار في الإنتاج وتحمل خسائر إضافية.

وفي موازاة ذلك، تواصل ألمانيا العمل على توسيع نطاق كهربة الاقتصاد، بهدف رفع الطلب على الكهرباء والاستفادة بصورة أكبر من فائض إنتاج الطاقة المتجددة، سواء عبر وسائل النقل أو أنظمة التدفئة أو القطاعات الصناعية.

إلا أن هذا المسار شهد تطورًا لافتًا بعد تراجع الحكومة عن مشروع قانون كان يلزم الأسر باستبدال أنظمة التدفئة العاملة بالوقود الأحفوري ببدائل تعتمد بنسبة لا تقل عن 65% على الطاقة المتجددة، وقد أثار القرار انتقادات واسعة، خاصة من حزب الخضر، الذي اعتبره تراجعًا عن الالتزامات المناخية لألمانيا.

وجاء ذلك في وقت بدأت فيه مضخات الحرارة تحقق مبيعات تفوق الغلايات العاملة بالغاز، مدفوعة بارتفاع أسعار الغاز وتقلبات أسواق الطاقة العالمية، ما يعكس استمرار توجه المستهلكين نحو حلول أكثر كفاءة وأقل اعتمادًا على الوقود الأحفوري، رغم التحديات التي تواجه مسيرة التحول الطاقي في ألمانيا.