منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الذكاء الاصطناعي لا يستبدل العمال، بل يخلق رؤساء عمل جدداً

26 يوليو 2026
احتفلت ليز بينديت، مؤسسة شركة "ذا بالم بوكس" في كانساس، بفوزها في مسابقة "سوبر بيتش" التي تنظمها شركة "فيرايزون" للشركات الصغيرة في 17 يوليو/تموز.
احتفلت ليز بينديت، مؤسسة شركة "ذا بالم بوكس" في كانساس، بفوزها في مسابقة "سوبر بيتش" التي تنظمها شركة "فيرايزون" للشركات الصغيرة في 17 يوليو/تموز.

يجعل الذكاء الاصطناعي تأسيس الشركات أكثر سهولة، وعلى عكس المستقبل الذي يتصوره المتشائمون، سيدفع الذكاء الاصطناعي نحو مزيد من الاستقلالية في سوق العمل من خلال خفض تكاليف امتلاك وإدارة الأعمال الخاصة.

هذه هي الفرضية التي يطرحها بحث جديد لليا بالاغاشفيلي، الباحثة في مركز ميركاتوس، وهو مركز أبحاث تابع لجامعة جورج ماسون، حيث وجدت الباحثة ارتفاعاً في معدلات العمل الحر بين المهن الأكثر تأثراً بالذكاء الاصطناعي، وذلك بالتزامن تقريباً مع الانتشار الواسع لمنتجات الذكاء الاصطناعي.

ويرجع جزء من سبب عمل الأشخاص لدى الشركات بدلاً من العمل لحسابهم الخاص إلى ما يُعرف باقتصاديات الحجم، فمن الأسهل للعملاء التعاقد مع شركة تضم عدداً كبيراً من العاملين، بدلاً من أن يتعاقد كل عامل بشكل فردي مع كل عميل.

ويصدق ذلك على بعض المهن أكثر من غيرها، فمن الصعب تصور عامل على خط إنتاج يعمل لحسابه الخاص، لكن الأمر يبدو منطقياً بالنسبة لمحاسب مستقل، حيث تقوم طبيعة عمله أساساً على علاقات مباشرة مع العملاء.

وهناك بالفعل عدد كبير من العاملين الأمريكيين خارج إطار علاقة صاحب العمل والموظف التقليدية، فبحلول عام 2023، بلغ عدد العاملين المستقلين الذين يعتمدون على العمل الحر بوصفه وظيفتهم الوحيدة أو الرئيسية 11.9 مليون عامل.

وترى بالاغاشفيلي أن العمل الحر الفردي قد يكون في طريقه للنمو بفضل الذكاء الاصطناعي. وقد تناولت الدراسة القطاعات العليا في معدلات تبني الذكاء الاصطناعي والأكثر تعرضاً لتأثيره، وهي: الخدمات المهنية، والمعلومات، والتعليم، والتمويل والتأمين. وفي المقابل، استخدمت قطاعي البناء وتجارة الجملة بوصفهما مجموعتي مقارنة؛ نظراً لانخفاض معدلات تبني الذكاء الاصطناعي وتأثرهما به.

وأظهرت الدراسة أن تأسيس الأعمال الجديدة التي لا تضم موظفين في القطاعات غير المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ظل شبه ثابت بين الربع الأول من عام 2024 والربع الأول من العام الجاري، في حين ارتفع في القطاعات الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي بنسبة 26.8٪.

وعند الانتقال من مستوى القطاعات إلى المهن المحددة، ظهرت النتيجة نفسها، فقد سجلت أكثر عشر مهن تعرضاً للذكاء الاصطناعي -مثل محلل الإدارة، والمحامي، والاكتواري، والاقتصادي- زيادة بنسبة 20% في العمل الحر الفردي مقارنة بالفترة التي سبقت الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي التوليدي.

في المقابل، ظل العمل الحر الفردي في أقل عشر مهن تعرضاً للذكاء الاصطناعي -مثل مدرب اللياقة البدنية، ومنسق الحدائق، وعامل البناء، ومضيف قاعة الطعام- ثابتاً دون تغيير.

وكتبت بالاغاشفيلي: “قد لا يظهر أول آثار الذكاء الاصطناعي في سوق العمل على شكل بطالة جماعية، بل قد يتجلى من خلال نمو العمل المستقل والعمل الحر الفردي.”

وبطبيعة الحال، ستظل الشركات الكبرى قائمة وستواصل توظيف ملايين الأمريكيين، لكن المبادئ نفسها المتعلقة بخفض التكاليف يمكن أن تنطبق داخل هذه الشركات أيضاً.

فغالباً ما يكون تسريح الموظفين أمراً صعباً؛ لأنه قد يؤثر سلباً في الروح المعنوية ويهدد بفقدان المعرفة المتراكمة حول كيفية عمل الشركة، وحتى إذا أدركت الشركات الكبرى أنها تستطيع إنجاز العمل نفسه بعدد أقل من الموظفين بفضل الذكاء الاصطناعي، فقد تتردد في تنفيذ عمليات تسريح واسعة.

وقد يكون الطريق الأسهل لخفض التكاليف الناتجة عن زيادة الكفاءة هو تقليص الاعتماد على المتعاقدين، فالشركات الكبرى تشتري أنواعاً مختلفة من الخدمات من شركات أخرى لتسيير أعمالها، وإذا أتاح الذكاء الاصطناعي لهذه الشركات تنفيذ مزيد من هذه المهام داخلياً، بالطريقة نفسها التي أصبح بها الأفراد المستقلون قادرين على إنجاز مهام كانت تتطلب في السابق وجود شركات، فقد يؤدي ذلك إلى تغيير جذري في طريقة إدارة الشركات الكبرى لأعمالها.

ويعتمد كل ذلك على الأسعار، فمجرد إمكانية أتمتة مهمة ما من الناحية النظرية لا يعني بالضرورة أن تنفيذها عملي اقتصادياً وفق أسعار السوق الحالية، فالذكاء الاصطناعي لا يزال مكلفاً، كما أن تغيير الممارسات الراسخة منذ سنوات طويلة ليس بالأمر السهل.

ومع ذلك، إذا غادر عدد أكبر من العاملين علاقات العمل التقليدية ليصبحوا أصحاب أعمالهم الخاصة، فسيتطلب الأمر أن تواكب السياسات العامة هذا التحول، ولا سيما فيما يتعلق بالمزايا مثل الرعاية الصحية وبرامج التقاعد.

وبدءاً من ولاية يوتا في عام 2023، أقرت عدة ولايات قوانين خاصة بـالمزايا القابلة للنقل، تسمح للعاملين بامتلاك مزاياهم بأنفسهم بدلاً من الحصول عليها عبر جهة العمل، كما طُرح تشريع فيدرالي لتحقيق الهدف نفسه.

ولم تؤدِ الصدمات التكنولوجية السابقة التي خشي البعض أن تتسبب في بطالة جماعية، إلى ذلك بالفعل، لكنها غيّرت بلا شك الطريقة التي يعمل بها الناس، ويعود القانون الأساسي المنظم لعلاقات العمل الفيدرالية إلى ثلاثينيات القرن الماضي، وقد أخفق بالفعل في مواكبة التغيرات السابقة التي شهدها سوق العمل.

وإذا كان عدد أكبر من العاملين يرغب في أن يصبح رئيساً لنفسه، فإن الوقوف في طريقهم سيكون تصرفاً غير حكيم من جانب الساسة.

*نقلاً عن واشنطن بوست