لا تتحول المياه إلى قضية حقوق إنسان لأنها أصبحت نادرة، بل لأنها لم تعد تصل إلى الجميع على قدم المساواة. وعندما يعجز ملايين الأشخاص عن الحصول على مياه آمنة وكافية، تتجاوز الأزمة حدود البيئة والمناخ، لتصبح اختبارا لقدرة الدولة على صون حق أساسي تتفرع عنه حقوق أخرى، من الصحة والغذاء إلى العمل والعيش الكريم.
وفي إيران، لم يعد شح المياه يرتبط فقط بتراجع معدلات الأمطار أو آثار التغير المناخي، بل يكشف أيضاً حجم التحديات المرتبطة بإدارة الموارد المائية، في ظل تصاعد الضغوط على المخزون الجوفي، واتساع رقعة الإجهاد المائي، وتزايد المخاوف من انعكاسات ذلك على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لملايين السكان.
وتكشف البيانات الرسمية والدولية حجم الضغوط التي تواجه الموارد المائية في إيران، فوفقاً لوزارة الطاقة الإيرانية، يستهلك أكثر من 80% من الموارد المائية المتجددة في البلاد سنوياً، وهي نسبة تتجاوز الحدود التي تعدها المؤسسات الدولية مستدامة.
وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أن القطاع الزراعي يستهلك نحو 90% من المياه المستخدمة في إيران، في وقت تتراجع فيه كفاءة أنظمة الري، وتتزايد الضغوط على المياه الجوفية.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن عشرات الملايين من الإيرانيين يعيشون في مناطق تعاني مستويات مرتفعة من الإجهاد المائي، فيما يصنف معهد الموارد العالمية إيران ضمن الدول الأكثر تعرضا لمخاطر شح المياه، نتيجة انخفاض معدلات الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة، والاستنزاف المستمر للمخزون الجوفي خلال العقود الماضية.
الحق في المياه
لا تقف آثار الأزمة عند حدود البيئة، بل تمتد إلى منظومة متكاملة من الحقوق الأساسية، فالحق في المياه، المستند إلى المادتين (11) و(12) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والمفسر في التعليق العام رقم (15) الصادر عن اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، يضمن لكل شخص الحصول على مياه كافية وآمنة ومقبولة وميسورة الكلفة للاستخدامات الشخصية والمنزلية.
وفي الحالة الإيرانية، أدى تراجع الموارد المائية، وسوء إدارة السدود، واستنزاف المياه الجوفية، إلى إضعاف التمتع بهذا الحق، بما انعكس على الحق في الصحة نتيجة تراجع جودة المياه في بعض المناطق، وعلى الحق في الغذاء بسبب انخفاض الإنتاج الزراعي، فضلاً عن تضرر سبل عيش المزارعين والرعاة، واتساع معدلات الفقر والنزوح الداخلي في المحافظات الأكثر تأثرا.
ويرى القانوني والحقوقي التونسي كمال بن عمر، أن أزمة المياه في إيران تجاوزت كونها قضية تنموية أو بيئية، لتصبح قضية حقوق إنسان ترتبط مباشرة بالتزامات الدولة بموجب القانون الدولي.
ويقول لـ”صفر” إن الدولة مطالبة باحترام الحق في المياه، من خلال الامتناع عن اتخاذ إجراءات تعسفية تحد من الوصول إليه، وحمايته من أي انتهاكات قد ترتكبها جهات أخرى، والوفاء به عبر تبني سياسات وتشريعات واستثمارات تضمن الإدارة الرشيدة والعادلة للموارد المائية.
ويشير إلى أن مبدأ عدم التمييز يفرض ضمان وصول جميع الفئات، بما في ذلك سكان المناطق الريفية والفئات الأكثر هشاشة، إلى المياه بصورة متساوية، مع مراعاة العدالة في توزيع الموارد بين مختلف الأقاليم، مؤكدا أن الإدارة غير المتوازنة قد تؤدي إلى اتساع الفجوات الاجتماعية وتعميق مظاهر التهميش، بما يتعارض مع الالتزامات الدولية المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
ويضيف أن مبادئ التنمية المستدامة والإنصاف بين الأجيال تفرض إدارة الموارد المائية بطريقة تحول دون استنزافها، وتضمن استدامتها للأجيال المقبلة، وهو ما يتطلب اعتماد سياسات تقوم على الاستخدام الرشيد للمياه، وتعزيز الشفافية في اتخاذ القرار، وإشراك المجتمعات المحلية في إدارة الموارد، والحد من التلوث، وتطوير خطط التكيف مع آثار التغير المناخي.
العدالة معيار لحماية الحقوق
تكشف التجربة الإيرانية أن أزمة المياه لا تبدأ عندما تقل الأمطار، وإنما عندما تعجز السياسات عن ضمان وصول الجميع إلى هذا المورد الحيوي بصورة عادلة ومستدامة.
فالمياه ليست مورداً اقتصادياً فحسب، بل حقاً أساسياً ينعكس احترامه على منظومة واسعة من الحقوق، تبدأ بالصحة والغذاء والعمل، وتمتد إلى الاستقرار الاجتماعي والكرامة الإنسانية.
ومن ثَمَّ، فإن نجاح أي سياسة مائية لا يقاس بحجم السدود أو كميات المياه المخزنة فقط، بل بقدرتها على ضمان وصول كل فرد إلى مياه آمنة وكافية دون تمييز، وبمدى التزامها بالإدارة الرشيدة للموارد، بما ينسجم مع مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان، ويحول دون تحول شح المياه إلى مصدر جديد لانتهاك الحقوق الأساسية.

