تُعاني منظومة العدالة الدولية من فجوة عميقة تحول دون تحقيق الشمولية الكاملة، حيث تقف محدودية الموارد المالية واللوجستية حائلاً بين الدول النامية ولا سيما أقل البلدان نمواً والدول الجزرية الصغيرة وبين القدرة على صياغة واقعها الحقوقي والاشتراك بفاعلية في الحوار العالمي المعني بكرامة الإنسان.
وتتحول هذه العقبات الجغرافية والاقتصادية إلى تحدٍّ سيادي يعزل المجتمعات الأكثر هشاشة عن منصات القرار الدولي، مما يجعل معالجة هذا الخلل واجباً تفرضه وحدة المصير الإنساني لبناء قدرات وطنية قادرة على تحويل التحديات الميدانية إلى فرص مستدامة للتعاون وتكافؤ الفرص.
وفي هذا الصدد، يستعرض تقرير مجلس حقوق الإنسان، الصادر برسم الدورة الثانية والستين 2026 لغة الأرقام والآليات التقنية التي تبناها صندوق التبرعات من أجل المشاركة في الاستعراض الدوري الشامل، مبرزاً خريطة العمليات وحجم الموارد المتاحة لتذليل تلك العقبات وضمان حضور تمثيلي عادل للدول المعنية.
آليات التمكين المالي واللوجستي
يستعرض التقرير الدور الجوهري الذي يضطلع به صندوق التبرعات منذ إنشائه بموجب قرار مجلس حقوق الإنسان 17/6، حيث يعمل كآلية تعاونية تضمن المشاركة الكاملة للدول المعنية مع مراعاة احتياجاتها في بناء القدرات.
يركز الصندوق في ولايته على تيسير حضور مندوبي البلدان النامية، وأقل البلدان نمواً، والدول الجزرية الصغيرة النامية في دورات الفريق العامل المعني بالاستعراض الدوري الشامل واجتماعات المجلس.
ولا تقتصر هذه المساعدة على الجانب المالي المحض؛ بل تشمل تغطية تكاليف سفر ممثل رسمي واحد وتوفير بدل الإقامة اليومي بمعدل جنيف، بالإضافة إلى دعم مشاركة ممثلي الدول الأعضاء في المجلس التي لا تملك بعثات دائمة في جنيف للعمل بصفة مقررين (أعضاء في مجموعة ثلاثية).
هذا الدعم المنسق يسمح للدول بالمشاركة الفعالة في جميع مراحل عملية الاستعراض، من التحضير الوطني وصولاً إلى اعتماد النتائج، مما يضمن حواراً بناءً وتبادلاً لأفضل الممارسات الدولية، ويسهم في بلوغ فهم مشترك لتحديات التنمية وحقوق الإنسان التي تواجهها هذه الدول ذات الموارد المحدودة.
وتؤكد الأرقام المسجلة نجاعة هذا الدعم، حيث استفاد منذ نشأة الصندوق حتى نهاية 2025 ما مجموعه 276 مندوباً يمثلون 119 دولة، تشكل أقل البلدان نمواً والدول الجزرية 71 دولة منها، مع مراعاة التوزيع الجغرافي العادل الذي شمل إفريقيا بنسبة 40% وآسيا والمحيط الهادئ بنسبة 30%.
استراتيجية بناء القدرات الإقليمية
تطرق التقرير بجدية إلى تنفيذ قرار مجلس حقوق الإنسان 30/51 المعني بتعزيز المساعدة التقنية، حيث شهد عام 2025 استمرار عمل عشرة مستشارين للاستعراض الدوري الشامل موفدين إلى المكاتب الإقليمية للمفوضية السامية في مختلف القارات (شرق ووسط وجنوب وغرب إفريقيا، وأوروبا، وآسيا الوسطى، وجنوب شرق آسيا، والمحيط الهادئ، وأمريكا الجنوبية والوسطى).
ويشكل هؤلاء المستشارون العمود الفقري للدعم الميداني، حيث قدموا في عام 2025 إحاطات داخلية ودعماً تقنياً لـ22 دولة في عملياتها التحضيرية، منها إثيوبيا، ولبنان، وليبيريا، وباراغواي، وجمهورية مولدوفا.
شملت هذه الأنشطة تنظيم حلقات عمل لصياغة التقارير الوطنية، وجلسات صورية لمحاكاة الاستعراض لإعداد الوفود الحكومية، ومشاورات مع منظمات المجتمع المدني لضمان شمولية التقارير، فعلى سبيل المثال، في ولايات ميكرونيزيا الموحدة، نُظمت دورات تدريبية لتعزيز فهم الربط بين حقوق الإنسان وأهداف التنمية المستدامة، بينما في كيريباس، تم تنظيم معتكف فني استمر ستة أيام لإعداد الوفد الوطني.
هذا الانتشار الإقليمي يضمن تقديم مشورة تتناسب مع السياق المحلي لكل دولة، ويوفر الأدوات اللازمة لإجراء تقييم تشاركي وشامل لحالة حقوق الإنسان، مما يعزز المسؤولية الوطنية والاتساق في البيانات المقدمة للآليات الدولية.
حصاد المساهمات الدولية
في ما يتعلق بالمركز المالي للصندوق، كشفت الوثيقة عن تلقي تبرعات ومساهمات بلغت قيمتها 182,614 دولاراً أمريكياً خلال الفترة من يناير إلى ديسمبر 2025، قدمتها دول مثل الصين، وألبانيا، وآيسلندا، والكويت، وليختنشتاين، والمملكة العربية السعودية. وبذلك بلغ مجموع التبرعات التراكمي منذ إنشاء الصندوق حتى نهاية 2025 ما قيمته 4,517,943 دولاراً.
وعلى صعيد النفقات، بلغت الالتزامات والنفقات لعام 2025 لدعم مشاركة الدول في دورات الفريق العامل واجتماعات المجلس، بالإضافة إلى دعم إعداد التقارير الوطنية، مبلغاً إجمالياً قدره 232,794 دولاراً، ليبقى الرصيد المتاح للصندوق في نهاية العام نحو 561,447 دولاراً.
يشير التقرير إلى أن عدد المندوبين المدعومين سنوياً يتقلب بناءً على عدد البلدان المؤهلة للاستعراض في كل دورة؛ ففي عام 2025، دعم الصندوق 14 مندوباً (10 نساء و4 رجال) من دول منها أنغولا، وغامبيا، وفيجي، وجزر مارشال، وليسوتو.
وتؤكد المفوضية ضرورة توسيع قاعدة المانحين وتوفير تمويل مستدام وقابل للتنبؤ، حيث تهدف المفوضية إلى الحفاظ على مستوى سنوي من التبرعات يبلغ نحو 500,000 دولار لضمان استمرار تنفيذ الولاية وتغطية الاحتياجات المتزايدة خلال الجولة الرابعة للاستعراض.
تعزيز التعاون الدولي
يبرز التقرير تطوراً ملحوظاً في الأدوات الرقمية والمنصات الإعلامية التي تستخدمها المفوضية لضمان الشفافية والوصول للمعلومات؛ حيث تم تحديث الشبكة الخارجية للاستعراض الدوري الشامل بانتظام لتوفير الجداول الزمنية والتقارير، كما أُنتجت مقاطع فيديو ترويجية تتضمن شهادات من مستفيدين سابقين أكدوا فيها على أهمية المشاركة الحضورية التي ييسرها الصندوق.
علاوة على ذلك، أشار التقرير إلى الدور السياسي الداعم الذي تلعبه “مجموعة أصدقاء الاستعراض الدوري الشامل” داخل المجلس، والتي شكلتها عام 2023 كل من الأرجنتين، وأرمينيا، وباكستان، وجنوب إفريقيا، والنرويج.
تكرس هذه المجموعة جهودها للتوعية بآليات الصندوق وتعبئة الدعم بين الدول الأعضاء والمراقبة.
وتم تفعيل التنسيق بين صندوق التبرعات للمشاركة والصندوق الاستئماني لتقديم المساعدة التقنية، مما أثمر عن استفادة المندوبين من دورات توجيهية في جنيف حول أعمال المجلس، حيث تحول العديد من هؤلاء المستفيدين لاحقاً إلى عناصر فاعلة في وفود دولهم الرسمية، ما يؤكد الأثر المهني والسياسي المستدام لهذه الاستثمارات الأممية.
استشراف الكفاءة النوعية
تضع الوثيقة الأممية خريطة طريق لتعزيز الكفاءة النوعية في التعامل مع آلية الاستعراض الدوري الشامل، مشددة على أن النجاح لا يتوقف عند حدود المشاركة، بل يمتد ليشمل جودة المحتوى الوطني والقدرة على المتابعة المستدامة.
وقد تجلى هذا التوجه في عام 2025 من خلال التركيز على صياغة تقارير وطنية “قائمة على الأدلة” وأكثر تنظيماً، كما حدث في ليبيريا حيث يسرت المفوضية جلسات تقنية أدت إلى مواءمة المنهجية مع أهداف التنمية المستدامة.
كما تبرز الوثيقة أهمية “الجلسات الصورية” كأداة تدريبية مبتكرة لرفع جاهزية الوفود الحكومية قبل التوجه إلى جنيف، حيث نُفذت تمارين محاكاة في دول مثل كيريباس وجمهورية لاو الديمقراطية الشعبية، شملت عمليات محاكاة استمرت 70 دقيقة بمشاركة مسؤولين من وكالات الأمم المتحدة الذين تقمصوا أدوار الدول المقدمة للتوصيات.
وفي سياق تعزيز الهياكل الوطنية، استعرض التقرير الجهود المبذولة لتقوية “الآليات الوطنية للتنفيذ والإبلاغ والمتابعة، وهي الهيئات التي تضمن استمرارية العمل الحقوقي بعد انتهاء دورة الاستعراض.
فقد شهدت دول مثل سيشيل وسان تومي وبرينسيبي تقديم مشورة فنية لتعزيز اللجان المشتركة بين الوزارات ودمج منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة في المشاورات الوطنية، مما يضمن تمثيلاً أوسع للفئات الضعيفة.
كما أشارت الوثيقة إلى أهمية “نظام رصد التوصيات في باراغواي” كنموذج تقني لإدارة المعلومات الحقوقية بفاعلية.
تؤكد الوثيقة أن التنسيق الفعال بين صندوقي التبرعات (المشاركة والمساعدة التقنية) يخلق “أوجه تآزر” تتيح للدول الانتقال السلس بين مراحل الاستعراض المختلفة.
ومع ترقب إيفاد مستشار إقليمي جديد لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مطلع 2026، تتطلع المفوضية السامية إلى توسيع قاعدة المانحين لضمان استجابة مرنة للتحديات اللوجستية والمالية التي قد تواجه الدول النامية.
الاستعراض الدوري الشامل، بحسب ما ورد في الاستنتاجات، ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو “محرك للتغيير” يتطلب التزاماً دولياً مستمراً بالتمويل، وتعاوناً وطنياً صادقاً لضمان أن تتحول التوصيات إلى واقع ملموس يعزز من كرامة وحقوق الإنسان في كافة أصقاع المعمورة.
الاستنتاجات المستقبلية
يخلص التقرير إلى أن صندوق التبرعات يظل “حجر الزاوية” لضمان مشاركة عالمية تتسم بالنزاهة والشمولية في آلية الاستعراض الدوري الشامل، ومع المضي قدماً في الجولة الرابعة، تلتزم المفوضية السامية بتعزيز قدرات المكاتب الإقليمية، حيث من المقرر إيفاد مستشار إضافي إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (بيروت) في مطلع عام 2026 لاستكمال التغطية الجغرافية.
وتؤكد الاستنتاجات على أهمية دمج وجهات نظر البرلمانات والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والمجتمع المدني في عملية الاستعراض، عملاً بقرار مجلس حقوق الإنسان 35/29، لضمان متابعة وطنية فعالة للتوصيات، كما تشجع المفوضية الدول على ضمان التوازن بين الجنسين في تشكيل وفودها، وهو ما تحقق جزئياً في عام 2025 بتفوق عدد النساء المستفيدات من المنح.
ويهدف الصندوق في المرحلة المقبلة إلى تعزيز “التعلم من الأقران” وتبادل الخبرات بين الدول التي واجهت تحديات مماثلة، مع دعوة المجتمع الدولي للاستمرار في تقديم الدعم المالي اللازم لتمكين الصندوق من الوفاء بالتزاماته، وضمان أن تظل منصة الاستعراض الدوري الشامل منبراً حقيقياً لجميع دول العالم دون استثناء.
