جددت الأمم المتحدة تحذيراتها بشأن أوضاع حقوق الأطفال في أفغانستان، معربة عن قلقها من التداعيات المترتبة على المرسوم الجديد الذي أصدرته حركة طالبان الأفغانية والمتعلق بقضايا الزواج والأسرة، والذي أثار موجة انتقادات واسعة من قبل منظمات دولية معنية بحقوق الإنسان وحقوق الطفل.
وفي هذا السياق، أكدت رئيسة لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة، صوفي كيلادزه، في تصريحات إعلامية أن المرسوم الجديد يضفي شرعية على زواج الأطفال، ولا سيما الفتيات، ويتعارض بشكل مباشر مع المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان والالتزامات الدولية التي تقع على عاتق أفغانستان.
وأكدت كيلادزه أن زواج الأطفال لا يمكن التعامل معه باعتباره مسألة ثقافية أو تقليداً اجتماعياً أو شأناً خاصاً بالعائلات، بل هو قضية ترتبط بصورة مباشرة بحقوق الطفل وحمايته، واعتبرت أن اللوائح الجديدة تمثل تحدياً واضحاً للمعايير الدولية المعتمدة في مجال حماية الأطفال، مشددة على أن عدم الاعتراف الدولي بحكومة طالبان لا يلغي التزامات الدولة الأفغانية بموجب الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها سابقاً.
مرسوم يثير الجدل
وكانت وزارة العدل التابعة لطالبان قد أعلنت في 14 مايو نشر ما وصفته بلائحة التفريق بين الزوجين في الجريدة الرسمية، وذلك بعد مصادقة زعيم الحركة هبة الله أخوند زاده عليها. وتتناول اللائحة الجديدة عدداً من القضايا المرتبطة بالأحوال الشخصية، من بينها شروط فسخ الزواج، ومسائل الحضانة، والأحكام المتعلقة بزواج الأطفال.
ومنذ الإعلان عن اللائحة، تصاعدت الانتقادات الحقوقية الدولية بسبب عدد من البنود التي اعتبرتها منظمات أممية وحقوقية تراجعاً عن المعايير الدولية الخاصة بحماية الأطفال والنساء.
مفهوم الرضا تحت المجهر
أحد أكثر البنود إثارة للجدل يتعلق بمفهوم الموافقة على الزواج، حيث تنص اللوائح الجديدة على إمكانية اعتبار صمت الفتاة بعد بلوغها موافقة ضمنية على الزواج، في حين لا يطبق المبدأ ذاته على الذكور.
وترى لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة أن هذا النص يتعارض مع مبادئ الموافقة الحرة والمستنيرة التي تشكل أساساً لأي عقد زواج مشروع وفق المعايير الدولية، وقالت كيلادزه إن اعتبار الصمت موافقة لا ينسجم مع التزامات أفغانستان بموجب اتفاقية حقوق الطفل، كما أنه يفتح الباب أمام ممارسات قد تؤدي إلى فرض الزواج على فتيات غير قادرات على التعبير بحرية عن إرادتهن.
البلوغ لا يعني النضج القانوني
وشددت المسؤولة الأممية على أن الوصول إلى سن البلوغ لا يمكن اعتباره دليلاً على امتلاك الشخص النضج والاستقلالية اللازمين لاتخاذ قرارات مصيرية مثل الزواج.
وأوضحت أن اتفاقية حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة تعرّف الطفل بأنه كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، ما يعني أن الحماية القانونية يجب أن تستمر حتى هذه السن.
وأضافت أن الأطفال، بحكم مراحل نموهم النفسية والاجتماعية، يفتقرون في كثير من الأحيان إلى القدرة الكاملة على اتخاذ قرارات حرة ومستقلة تتعلق بمستقبلهم، الأمر الذي يجعل من الضروري توفير ضمانات قانونية تحميهم من الضغوط الأسرية والاجتماعية والاقتصادية.
تداعيات تتجاوز الزواج
ورأت لجنة حقوق الطفل أن تداعيات المرسوم لا تقتصر على قضية الزواج المبكر فحسب، بل تمتد إلى مجموعة واسعة من الحقوق الأساسية التي تكفلها الاتفاقيات الدولية للأطفال، وتشمل هذه الحقوق التعليم، والرعاية الصحية، والحماية من العنف والاستغلال، إضافة إلى الحق في التعبير عن الرأي والمشاركة في القرارات التي تؤثر على حياتهم.
وأكدت كيلادزه أن الزواج المبكر يرتبط في العديد من الحالات بارتفاع معدلات التسرب من التعليم، وتراجع فرص الفتيات في استكمال دراستهن، فضلاً عن زيادة المخاطر الصحية والنفسية المرتبطة بالحمل المبكر والزواج في سن صغيرة.
التعليم كوسيلة للحماية
وأشارت المسؤولة الأممية إلى أن استمرار الفتيات في التعليم الثانوي يعد من أكثر العوامل فاعلية في الحد من ظاهرة زواج الأطفال.. فكلما طالت مدة بقاء الفتاة داخل المنظومة التعليمية، انخفضت احتمالات تعرضها للزواج المبكر وازدادت فرصها في تحقيق الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي مستقبلاً.
وتحذّر منظمات أممية متخصصة من أن القيود المفروضة على تعليم الفتيات في أفغانستان منذ عودة طالبان إلى السلطة أسهمت في زيادة المخاوف بشأن أوضاع ملايين الفتيات، خاصة في ظل استمرار منع كثير منهن من الالتحاق بمراحل تعليمية متقدمة.
دعوات متكررة لإلغاء القوانين المقيدة
وتأتي هذه الانتقادات في سياق مواقف سابقة تبنتها لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة، والتي دعت مراراً السلطات الأفغانية إلى حظر زواج الأطفال بشكل صريح وإلغاء أي قوانين أو إجراءات تسمح باستمرار هذه الممارسات.
كما طالبت منظمات دولية معنية بحقوق الإنسان بمواءمة التشريعات الوطنية مع الالتزامات الدولية لأفغانستان، بما يضمن حماية الأطفال من الزواج المبكر والإكراه والاستغلال، ويكفل للفتيات حقهن في التعليم والنمو والمشاركة الكاملة في المجتمع.
يعد زواج الأطفال من القضايا التي تحظى باهتمام واسع داخل منظومة الأمم المتحدة، إذ تعتبره المنظمات الدولية شكلاً من أشكال انتهاك حقوق الطفل لما يترتب عليه من آثار طويلة الأمد على الصحة والتعليم والفرص الاقتصادية، وتؤكد اتفاقية حقوق الطفل واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ضرورة اتخاذ الدول إجراءات فعالة لمنع الزواج المبكر وحماية الأطفال من أي ممارسات قد تعرض نموهم أو مستقبلهم للخطر.
ومنذ عودة طالبان إلى الحكم في أفغانستان عام 2021، أعربت الأمم المتحدة وهيئات حقوقية دولية عديدة عن قلقها من القيود المفروضة على النساء والفتيات، خاصة في مجالات التعليم والعمل والمشاركة العامة، معتبرة أن هذه السياسات تهدد الحقوق الأساسية لملايين النساء والأطفال في البلاد.
