منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

قراءة من إعداد فريق الدراسات والأبحاث بمنصة صفر

الأمم المتحدة أمام اختبار الضحايا.. الاستغلال والانتهاك الجنسي لا يسقطان بخطاب “عدم التسامح”

19 يونيو 2026
ملايين الناجين من الحروب حول العالم يعانون اضطراب ما بعد الصدمة
ملايين الناجين من الحروب حول العالم يعانون اضطراب ما بعد الصدمة

تفتح تصريحات المدافعة الأممية عن حقوق ضحايا الاستغلال والانتهاك الجنسيين، نجلا ناصيف بالما، سؤالاً حقوقياً حساساً حول مسؤولية الأمم المتحدة والدول الأعضاء تجاه الضحايا الذين تعرضوا لانتهاكات على أيدي موظفين أو عاملين مرتبطين بالمنظومة الأممية، فهذه الانتهاكات لا تقع في فراغ، بل داخل منظومة ترفع شعار حماية الإنسان والكرامة والحقوق، ما يجعل أي إخفاق في الاستجابة لها مسألة تمس مصداقية الأمم المتحدة نفسها.

حقوقياً، تكمن خطورة هذه الانتهاكات في أنها غالباً ما تقع داخل علاقة غير متكافئة في القوة والنفوذ، فالضحية قد تكون في وضع هش، أو تعتمد على المساعدات، أو تعيش في بيئة نزاع أو نزوح أو فقر، بينما يكون الجاني المحتمل في موقع وظيفي يمنحه سلطة أو نفوذاً أو قدرة على التأثير.

لذلك، فإن التعامل مع هذه القضايا لا يجوز أن يكون إدارياً فقط، بل يجب أن يُفهم باعتباره انتهاكاً لحقوق الضحايا وكرامتهم وأمنهم الشخصي.

الاستماع للضحايا ليس إجراءً شكلياً

شددت ناصيف بالما على أن الخطوة الأولى تبدأ بالاستماع إلى الضحايا. وهذا الاستماع لا يعني أخذ الشهادات فقط، بل يعني الاعتراف بما تعرضوا له، وفهم احتياجاتهم، واحترام خياراتهم، وضمان ألا يتم التعامل معهم كملفات أو أرقام داخل تقارير رسمية، فالنهج الحقوقي الحقيقي يضع الضحية في مركز الاستجابة، ويمنحها الحق في المعرفة، والمشاركة الآمنة، والحماية من الضغط أو الوصم أو الانتقام.

ويشير التقرير إلى الحاجة لتعزيز الرعاية الطبية، والدعم النفسي والاجتماعي، والمساعدة القانونية، والتعليم، وفرص كسب العيش. وهذه الجوانب لا تمثل خدمات إنسانية إضافية، بل تدخلا في صلب حق الضحايا في جبر الضرر واستعادة الكرامة، فالانتهاك الجنسي يترك آثاراً طويلة الأمد على الصحة النفسية، والوضع الاجتماعي، والقدرة الاقتصادية، والعلاقات الأسرية والمجتمعية، ولذلك فإن الدعم يجب أن يكون مستمراً لا مؤقتاً.

وتبرز قضية الأطفال المولودين نتيجة الاستغلال والانتهاك الجنسيين كواحدة من أكثر الملفات إلحاحاً وتعقيداً، فهؤلاء الأطفال لا يتحملون أي مسؤولية عما حدث، لكنهم قد يواجهون التهميش، والحرمان من الدعم، وصعوبات إثبات النسب، وغياب الإعالة.

ومن منظور حقوقي، فإن تسوية قضايا النسب والإعالة ليست مسألة قانونية فقط، بل هي حماية لحق الطفل في الهوية، والرعاية، والتعليم، والحياة الكريمة.

المساءلة لا تكتمل بالتحقيق

المساءلة لا تعني فقط فتح تحقيق داخلي أو إصدار بيانات إدانة.. المساءلة الحقيقية تتطلب مساراً واضحاً وشفافاً يضمن إبلاغ الضحايا بتطورات قضاياهم، وحمايتهم من أي أعمال انتقامية، ومنحهم حرية تقرير ما إذا كانوا يرغبون في المشاركة في التحقيقات، كما تتطلب ألا تتحول الإجراءات الطويلة إلى عبء إضافي على الضحايا، أو سبب جديد لفقدان الثقة بالمنظومة الأممية.

وتشير دعوة ناصيف بالما إلى تعزيز الشراكات مع منظمات المجتمع المدني، خصوصاً المجموعات النسوية المحلية، إلى أهمية بناء استجابة قريبة من الضحايا والمجتمعات المتأثرة، فالمؤسسات المحلية غالباً ما تكون أكثر قدرة على الوصول إلى الضحايا، وفهم السياق الاجتماعي، وتقديم الدعم بطريقة تراعي الحساسية الثقافية والحقوقية، لذلك، فإن إشراك المجتمع المدني ليس تفصيلاً مساعداً، بل شرطاً أساسياً لجعل الاستجابة أكثر عدالة وفاعلية.

من الخطاب إلى الالتزام العملي

التحدي الحقوقي الحقيقي أمام الأمم المتحدة والدول الأعضاء لا يتمثل في تكرار خطاب “عدم التسامح مطلقاً”، بل في تحويله إلى إجراءات ملموسة، وهذا يتطلب تمويلاً مستداماً، وموظفين متخصصين، وآليات متابعة واضحة، وإرادة سياسية من الدول الأعضاء لتسوية القضايا العالقة، خصوصاً تلك المرتبطة بإثبات النسب وإعالة الأطفال، فالضحايا لا يحتاجون إلى وعود جديدة بقدر حاجتهم إلى نتائج واضحة تغير حياتهم فعلياً.

في جوهرها، لا تتعلق القضية بانتهاكات ارتكبها أفراد فقط، بل بحق الضحايا في ألا يُخذلوا مرتين.. مرة عند وقوع الانتهاك، ومرة أخرى عندما تفشل المؤسسات في حمايتهم وإنصافهم. ومن هنا، فإن حماية الضحايا يجب أن تكون معياراً حقيقياً لقياس التزام الأمم المتحدة بحقوق الإنسان، لا مجرد بند في تقرير سنوي أو شعار في حملة مؤسسية.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print