حذّرت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة المعنية بجمهورية إيران الإسلامية من اتساع نطاق الانتهاكات التي طالت الإيرانيين خلال الاحتجاجات التي اندلعت أواخر عام 2025 وما تلاها، مشيرة إلى أن السلطات الإيرانية استخدمت القوة المميتة والاعتقالات الجماعية والتعذيب وعقوبة الإعدام والقيود الواسعة على الاتصالات في مواجهة المحتجين، فيما زادت الأعمال العدائية العسكرية من صعوبة توثيق الانتهاكات والوصول إلى المعلومات. وتأتي هذه النتائج في سياق سبق أن وثقت فيه الأمم المتحدة انتهاكات جسيمة مرتبطة باحتجاجات «المرأة، الحياة، الحرية» منذ عام 2022.
وجاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال الاجتماع العشرين للمجلس، في حوار تفاعلي بشأن تقرير البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث عرضت رئيسة البعثة شاهين سردار علي نتائج التحقيقات، قبل أن ترد إيران على ما ورد في التقرير، وتتوالى مداخلات عدد من الدول بشأن الانتهاكات المزعومة، وعقوبة الإعدام، وحماية المدنيين، وآليات المساءلة. وتنعقد الدورة الثالثة والستون للمجلس في جنيف خلال الفترة من 7 سبتمبر إلى 7 أكتوبر 2026.
تحقيقات تحت قيود مشددة
قالت رئيسة البعثة إن التقرير يستند إلى مقابلات مع 73 شاهدا، وصور ملتقطة بالأقمار الصناعية، ومواد مصورة وفوتوغرافية، ومعلومات قدمها خبراء، إلى جانب فحص 75 وثيقة تلقتها البعثة من الحكومة الإيرانية منذ الأول من يناير 2026.
وأوضحت أن التحقيقات جرت في ظل قيود تشغيلية كبيرة، أبرزها عدم تمكن البعثة من الوصول إلى الأراضي الإيرانية، والقيود المفروضة على الاتصالات، إلى جانب المخاوف من الانتقام التي دفعت عددا من الضحايا والشهود إلى الإحجام عن تقديم شهاداتهم. كما أدت الأعمال العدائية إلى صعوبة إضافية في الوصول إلى المعلومات.
وأكدت سردار علي أن النتائج الحالية لا تعكس بالضرورة الحجم الكامل للانتهاكات، وإنما تمثل ما أمكن للبعثة توثيقه والتحقق منه حتى الآن، مع الحاجة إلى مزيد من التحقيقات.
وتنسجم هذه الإشارة إلى صعوبة الوصول الميداني مع مطالب أممية سابقة دعت إيران إلى التعاون مع آليات حقوق الإنسان والسماح لها بالوصول دون عوائق إلى البلاد.
الاحتجاجات.. قوة مميتة واعتقالات واسعة
بحسب عرض البعثة، بدأت موجة الاحتجاجات الجديدة في 20 ديسمبر 2025، على خلفية تظلمات اقتصادية، قبل أن تتوسع المطالب لتشمل تغييرات سياسية. وقالت سردار علي إن رد السلطات اتسم باستخدام واسع للقوة والاعتقالات، وإن يومي 8 و9 يناير 2026 كانا من أكثر الفترات دموية.
وأضافت أن قوات الأمن استخدمت القوة المميتة ضد متظاهرين ومارة، بينهم أطفال، رغم عدم وجود تهديد وشيك يبرر استخدام القوة المميتة، وفقا لما توصلت إليه البعثة.
وقدمت البعثة أرقاما قالت إنها تعكس حجم الخسائر؛ إذ أشارت إلى أن الحكومة الإيرانية نفسها نشرت قائمة بأسماء 3038 شخصا قالت إنهم قتلوا، بينما أفيد بإصابة نحو 25 ألف شخص، احتاج أكثر من نصفهم إلى تدخلات جراحية.
كما أفادت البعثة بمقتل ما لا يقل عن 221 طفلا خلال الاحتجاجات، مشيرة إلى شهادات عن إصابة أطفال بإطلاق النار، من بينهم طفل قالت المعلومات التي تلقتها إنه كان يبلغ أربعة أشهر ونصف فقط.
وتشير وثائق منشورة بالفعل على موقع مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن آليات الأمم المتحدة تلقت في يناير 2026 معلومات عن استخدام الذخيرة الحية والقوة المحتملة الفتك، وسقوط قتلى وجرحى واعتقالات واسعة خلال الاحتجاجات.
المستشفيات تحت الضغط
لم تقتصر تداعيات الاحتجاجات، بحسب البعثة، على الشوارع ومراكز الاحتجاز، وإنما امتدت إلى المنشآت الطبية.
وقالت سردار علي إن قوات الأمن انتشرت داخل منشآت صحية وحولها، وإن متظاهرين مصابين وأفرادا من أسرهم وعاملين طبيين تعرضوا للاحتجاز أو استخدام القوة، ما أدى إلى صعوبة حصول بعض المصابين على الرعاية الطبية.
وكانت آليات الأمم المتحدة قد وثقت، في وقت مبكر من الاحتجاجات، مزاعم بشأن تدخل قوات الأمن في تقديم الرعاية الطبية ومداهمة منشأة صحية في محافظة إيلام، وهي معلومات قالت الآليات الأممية إنها كانت قيد التحقق في حينها.
وفي الوقت نفسه، وثقت آليات الأمم المتحدة لاحقا مزاعم بشأن الاعتقال التعسفي والاختفاء والتعذيب والمعاملة القاسية، إلى جانب قضايا تتعلق بحرمان المحتجين من ضمانات المحاكمة العادلة.
الإعدام يتحول إلى محور للمساءلة
كان استخدام عقوبة الإعدام أحد أبرز الملفات التي أثارتها البعثة.
وقالت سردار علي إن السلطات الإيرانية أعدمت، بين 31 مارس و31 أغسطس 2026، ما لا يقل عن 29 رجلا على صلة بالاحتجاجات، خمسة منهم علنا، بينما يظل أكثر من 70 شخصا، بينهم خمس نساء على الأقل وثلاثة فتيان، معرضين لخطر الإعدام أو تنفيذ الأحكام.
وأشارت إلى أن بعض القضايا ارتبطت باتهامات بموجب قانون التجسس لعام 2025، معتبرة أن صياغة الاتهامات والإجراءات القضائية شابتها مشكلات تتعلق بالحق في الدفاع والمحاكمة العادلة، من بينها انتزاع اعترافات قسرا والحرمان من محامين يختارهم المتهمون.
وتأتي هذه المخاوف في ظل اتصالات أممية أخرى خلال 2026 بشأن أشخاص معرضين لخطر الإعدام عقب إجراءات قضائية أثارت مخاوف تتعلق بالتعذيب والاحتجاز التعسفي وضمانات المحاكمة العادلة.
الإنترنت.. عزلة تمتد لأشهر
ومن أكثر النقاط إثارة للقلق التي طرحتها البعثة القيود المفروضة على الفضاء الرقمي.
وقالت سردار علي إن السلطات فرضت، بدءا من 8 يناير، انقطاعا وطنيا للإنترنت استمر أكثر من خمسة أشهر، معتبرة أن ذلك حرم الأسر من التواصل، وأعاق وصول المصابين إلى المساعدة، وصعّب توثيق الأحداث.
كما حذرت من مشروع قانون معروض أمام البرلمان الإيراني، قالت إنه قد يفرض عقوبات قاسية على من يتواصل مع أشخاص أو كيانات أجنبية في دول محددة، معتبرة أن إقراره قد يؤدي إلى مزيد من التضييق على الصحفيين والأكاديميين والناشطين وعلى التعاون مع الأمم المتحدة وآليات حقوق الإنسان.
وفي موازاة ذلك، أظهرت اتصالات أممية خلال العام الحالي أن القيود لم تقتصر على المحتجين، بل شملت أيضا محامين ومدافعين عن حقوق الإنسان وأفرادا من أقليات دينية وعرقية.
البعثة: انتهاكات قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية
وخلصت البعثة، وفقا لعرض رئيستها، إلى أن مجموعة من الانتهاكات المرتبطة بقمع الاحتجاجات قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك القتل والسجن أو الحرمان الشديد من الحرية والتعذيب وغيرها من الأفعال اللاإنسانية.
وتأتي هذه النتيجة ضمن سياق أوسع لتقارير البعثة نفسها عن إيران. ففي تقييم سابق، قالت البعثة إن انتهاكات مرتبطة باحتجاجات «المرأة، الحياة، الحرية» شملت القتل والتعذيب والاغتصاب والعنف الجنسي والاختفاء القسري والاضطهاد، وخلصت إلى أن بعض هذه الأفعال شكل جرائم ضد الإنسانية.
لكن تقرير الدورة الحالية يضيف، بحسب عرضه، ملفا جديدا يتعلق بالأعمال العدائية العسكرية وما نجم عنها من خسائر بين المدنيين.
ضربات أمريكية وملف القانون الدولي الإنساني
تحدثت رئيسة البعثة عن غارتين أمريكيتين قالت إن التحقيقات بشأنهما أفضت إلى نتائج أولية خطيرة.
الأولى استهدفت مدرسة ابتدائية في ميناب بمحافظة هرمزجان، وقالت البعثة إن الغارة أدت، وفقا لمصادر موثوقة، إلى مقتل 157 شخصا، بينهم 123 من الأطفال، وإن لديها أسبابا معقولة للاعتقاد بأن الهجوم قد يشكل جريمة حرب تتمثل في استهداف جسم مدني.
أما الحادثة الثانية فتتعلق بغارة على مركز رياضي في منطقة سكنية في لامرد بمحافظة فارس، قالت السلطات المحلية إنها أسفرت عن مقتل 22 شخصا، بينهم 10 نساء و12 رجلا. واعتبرت البعثة أن لديها أسبابا معقولة للاعتقاد بأن الهجوم قد يشكل جريمة حرب بسبب طبيعته العشوائية وما ترتب عليه من خسائر مدنية.
ودعت البعثة الدول الأعضاء إلى إجراء تحقيقات مستقلة ومحايدة في الادعاءات المتعلقة بانتهاكات القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك تلك المتعلقة بالولايات المتحدة، وضمان المساءلة وجبر الضرر للضحايا وأسرهم.
إيران: الأولوية لمحاسبة من يقف وراء العدوان
في المقابل، رفضت إيران الإطار الذي قدمت من خلاله البعثة الأحداث، وقال ممثلها إن بلاده واجهت خلال العام الماضي ما وصفه بـ«عدوان» أمريكي وإسرائيلي، معتبرا أن الحرب والصعوبات الاقتصادية والعقوبات شكلت عوامل رئيسية في الأزمة التي عاشها الإيرانيون.
وقال إن الهجمات الخارجية استهدفت منشآت وبنى تحتية ومسؤولين ومدنيين، وإن الأولوية بالنسبة للمجتمع الدولي ينبغي أن تكون محاسبة المسؤولين عن تلك الأعمال.
كما ربط المندوب الإيراني بين احتجاجات يناير والتدخل الخارجي، مدعيا أن الولايات المتحدة ساهمت في نقل أسلحة إلى إيران وتوزيعها بين المحتجين. واعتبرت طهران أن الجمع بين العقوبات الاقتصادية والتدخل الخارجي وتسليح الاضطرابات الداخلية يمثل انتهاكات خطيرة.
وبذلك قدمت إيران رواية مغايرة تركز على أثر الحرب والعقوبات والتدخل الخارجي، وتنتقد ما اعتبرته انتقائية في عمل بعثة تقصي الحقائق.
الدول: الإعدام والمساءلة وحماية المدنيين
وفي مداخلات الدول، برز قدر كبير من التركيز على عقوبة الإعدام، والاعتقالات، والتعذيب، وضمانات المحاكمة العادلة.
وقال الاتحاد الأوروبي إن المساءلة يجب أن تكون محورية، ودعا السلطات الإيرانية إلى احترام الحق في الاحتجاج ووقف العنف والقمع، كما طالب بوقف عمليات الإعدام، وأعرب عن قلقه إزاء استهداف النساء والفتيات والمحامين والصحفيين والأقليات والمدافعين عن حقوق الإنسان.
وتحدثت الدنمارك، نيابة عن دول الشمال ودول البلطيق، عن مخاوف بشأن ارتفاع الإعدامات، ودعت إلى وقف استخدامها والإفراج عن المحتجزين تعسفيا بسبب ممارستهم حقوقهم الأساسية، فيما طرحت سؤالا مباشرا حول أكثر مسارات المساءلة واقعية، وكيف يمكن للدول دعم العدالة للضحايا وأسرهم.
كما أدانت أستراليا وبلجيكا وألبانيا وإيطاليا استخدام عقوبة الإعدام، وأثارت دول عدة مخاوف بشأن الأقليات والنساء والفتيات والمحامين والصحفيين.
وفي المقابل، دعت إريتريا إلى الحذر من «التطبيق الانتقائي والمسيّس» لمعايير حقوق الإنسان، وشددت على ضرورة أن تستند التحقيقات إلى الموضوعية والحياد والتحقق، وأن يكون الحوار والتعاون مع إيران جزءا من معالجة الملف.
بين روايتين.. والضحايا في المنتصف
ويكشف الحوار التفاعلي عن مسارين متوازيين يصعب فصلهما عن بعضهما: مسار يتعلق بمسؤولية السلطات الإيرانية عن الانتهاكات المزعومة ضد المحتجين، ومسار آخر يتعلق بالانتهاكات المحتملة للقانون الدولي الإنساني خلال الأعمال العسكرية التي طالت المدنيين والمنشآت المدنية.
وفي الحالتين، ركزت البعثة على ضرورة التحقيق والمساءلة وجبر الضرر، مؤكدة أن حماية المدنيين لا تتجزأ، وأن الانتهاكات لا تصبح أقل خطورة باختلاف الجهة التي يُنسب إليها ارتكابها.
أما على المستوى الدولي، فتظل المشكلة الأساسية مرتبطة بقدرة آليات المساءلة على الوصول إلى الأدلة والضحايا، خصوصا في ظل غياب الوصول المباشر إلى إيران والقيود على الاتصالات، وهي قيود قالت الأمم المتحدة إنها أعاقت بالفعل توثيق الانتهاكات والتحقق منها.
وبينما تتمسك طهران بروايتها التي تضع الحرب والعقوبات والتدخل الخارجي في قلب الأزمة، تتمسك بعثة تقصي الحقائق بنتائج تحقيقاتها بشأن القمع الداخلي، مطالبة بمزيد من التحقيق والمساءلة. وفي النهاية، يبقى التحدي أمام مجلس حقوق الإنسان والدول الأعضاء هو تحويل الأدلة والشهادات الموثقة إلى مسارات عملية تضمن الحقيقة والعدالة وجبر الضرر، وتحول دون استمرار دوائر العنف والإفلات من العقاب.
