كشفت موجة الحر التي اجتاحت أوروبا خلال الأيام الأخيرة عن وجه آخر للأزمة المناخية، يتجاوز ارتفاع درجات الحرارة إلى تهديد مباشر لحقوق الإنسان الأساسية، وعلى رأسها الحق في الحياة والصحة والتنقل والتعليم والحصول على الخدمات العامة بصورة آمنة، حيث أصبحت أوروبا في مواجهة موجة الحر القياسي.
سجلت فرنسا والمملكة المتحدة وغيرهما من الدول الأوروبية مؤشرات غير مسبوقة دفعت السلطات إلى إجراءات استثنائية، بينما أعادت طرح سؤال قديم بصيغة أكثر إلحاحا: هل ما زالت البنية التحتية والسياسات العامة قادرة على حماية السكان في زمن المناخ المتغير؟
وأفادت صحيفة “الغارديان” بأن فرنسا سجلت أعلى درجات حرارة منذ بدء القياسات المناخية عام 1947، في وقت امتدت فيه موجة الحر ببطء نحو شرق أوروبا، وأطلقت تحذيرات واسعة في إيطاليا وهولندا والمملكة المتحدة.
وأعلنت هيئة الأرصاد الجوية الوطنية الفرنسية “ميتيو فرانس” أن أمس الثلاثاء كان الأعلى حرارة منذ بدء تسجيل البيانات المناخية قبل نحو 8 عقود، مؤكدة وصول الحرارة إلى 44.3 درجة مئوية في بيسوس بإقليم لاند، فيما سجلت مدن أخرى مستويات غير مسبوقة، بينها بوردو التي بلغت فيها الحرارة 42.1 درجة مئوية.
أوروبا في مواجهة الحر
وربطت السلطات الفرنسية بين الظروف المناخية القاسية وتداعيات إنسانية مباشرة، بعدما أعلن رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو تسجيل 40 حالة وفاة غرقا منذ 18 يونيو، معظم الضحايا من الشباب بعد توجه أعداد كبيرة إلى السباحة في مناطق غير خاضعة للرقابة هربا من الحر.
وأوضح رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو أن البلاد تواجه موجة حر استثنائية تحطم الأرقام القياسية محليا ووطنيا خلال الليل والنهار، في وقت استعدت الحكومة لاجتماع طارئ لمناقشة تداعيات الظاهرة.
وأعلنت هيئة “ميتيو فرانس” وضع 54 مقاطعة تحت الإنذار الأحمر، مع وصف موجة الحر بأنها خانقة ومرهقة، فيما سجلت درجات الحرارة الليلية أعلى مستوياتها منذ عام 1947.
وأظهرت الأزمة كيف يمكن للحرارة أن تؤثر في الحقوق اليومية للسكان، بعدما قرر كل من برج إيفل ومتحف اللوفر تقليص ساعات العمل نتيجة الارتفاع الحاد في الحرارة.
وأوضحت إدارة متحف اللوفر أن المبنى التاريخي، رغم مقاومته الطبيعية، يظل معرضا لتأثيرات تغير المناخ، وأن تراكم الحرارة يبلغ ذروته مع نهاية اليوم ويتفاقم مع ارتفاع أعداد الزوار.
وسجل مؤشر الحرارة الوطني الفرنسي، وهو متوسط القياسات النهارية والليلية عبر 30 محطة أرصاد، مستوى قياسيا بلغ 29.8 درجة مئوية، متجاوزا الرقم السابق البالغ 29.4 درجة والمسجل خلال موجات حر سابقة في 2003 و2019.
ودفعت الظروف الاستثنائية المسؤولين في منطقة باريس الكبرى إلى دعوة السكان للعمل من المنزل وتجنب استخدام القطارات، حيث قالت رئيسة منطقة إيل دو فرانس فاليري بيكريس إن شبكات النقل تتعرض لضغط شديد، وإن السكك الحديدية غير مصممة لتحمل درجات حرارة تتجاوز 50 درجة مئوية.
وأوقفت محطة غولفيش النووية أحد مفاعلاتها بعد تجاوز حرارة مياه التبريد القادمة من النهر المستوى الآمن المحدد عند 28 درجة مئوية.
البنية التحتية أمام الاختبار
امتدت آثار موجة الحر إلى المملكة المتحدة، حيث انتقلت الأزمة من المجال البيئي إلى اختبار مباشر لقدرة الخدمات العامة على الوفاء بالتزاماتها تجاه السكان.
وأفادت الصحف البريطانية بأن درجات الحرارة بلغت 34.6 درجة مئوية في ويسلي بمقاطعة ساري، مع توقعات بوصولها إلى 38 درجة مئوية ثم 39 درجة مئوية في جنوب شرق إنجلترا، وهو ما يقترب من أعلى رقم تاريخي مسجل في البلاد والبالغ 40.3 درجة مئوية عام 2022.
وحذّر الأمين العام للأمم المتحدة من أن لندن تشهد حرارة خانقة، بينما أصدرت السلطات البريطانية تحذيرا أحمر نادرا من موجة الحر، إلى جانب تنبيه صحي من الدرجة الحمراء يشير إلى وجود خطر على الحياة حتى بالنسبة للأشخاص الأصحاء.
وكشفت الإجراءات الحكومية عن حجم الضغط الذي تتعرض له الخدمات الأساسية، إذ جرى خفض سرعات القطارات وتقليص خدماتها وإلغاء مواعيد مرضى في المستشفيات وإغلاق مدارس في جنوب إنجلترا وويلز، إلى جانب فرض قيود على استخدام المياه.
وأشارت التقارير إلى أن البنية التحتية البريطانية بُنيت لمناخ لم يعد موجودا، في إشارة إلى عدم توافق منشآت النقل والتعليم والصحة مع التحولات المناخية المتسارعة.
موجة الحر وتغير المناخ
وربط تحليل صادر عن مؤسسة كليما ميتر بين موجة الحر الحالية وتغير المناخ، موضحا أن تراكم انبعاثات الكربون أضاف ما بين درجتين و4 درجات مئوية إلى مستويات الحرارة المسجلة.
وامتدت التأثيرات إلى قطاع النقل، حيث تعطلت خدمات السكك الحديدية في أنحاء بريطانيا، ودعت الشركات المواطنين إلى السفر للضرورة القصوى فقط، مع تخفيض السرعات لتجنب انهيار القضبان تحت تأثير الحرارة.
واضطرت مستشفيات في إنجلترا إلى إلغاء مواعيد مرضى بسبب الارتفاع الكبير في الطلب على خدمات الطوارئ، وسط توقعات بمزيد من الضغوط خلال الأيام التالية.
وأغلقت مئات المدارس أبوابها أو قلّصت ساعات الدراسة لتفادي تعرض الأطفال لذروة الحرارة.
وأكد الأمين العام للاتحاد الوطني للتعليم دانيال كيبيدي أن مباني المدارس الفيكتورية تحولت إلى ما يشبه البيوت الزجاجية، داعيا الحكومة إلى استثمارات عاجلة لتحديث المباني القديمة وتوفير التهوية والبنية التحتية المقاومة للمناخ.
وفرضت شركة “ساوث إيست ووتر” حظرا على استخدام خراطيم المياه بسبب ارتفاع الطلب، بينما دعت شركات أخرى السكان إلى ترشيد الاستهلاك.
وكشفت هذه التطورات أن موجات الحر لم تعد مجرد حدث موسمي، بل أصبحت اختبارا متكررا لقدرة الدول على ضمان الحقوق الأساسية في ظل تغير المناخ، من الحق في الحياة والصحة إلى الحق في التعليم والتنقل والخدمات العامة الآمنة.
