منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أفغانستان.. قتل النساء يتصاعد وسط قمع طالبان وغياب العدالة

08 مايو 2026
نساء وعنصر من حركة طالبان في أفغانستان
نساء وعنصر من حركة طالبان في أفغانستان

تتزايد المخاوف الحقوقية في أفغانستان مع توالي حوادث قتل النساء والفتيات في ظل حكم طالبان، وسط اتهامات للحركة بترسيخ بيئة عدائية تجاه النساء وتفكيك منظومة الحماية القانونية.

وبعد ما يقارب خمس سنوات من عودة طالبان إلى السلطة، لم تعد جرائم العنف ضد النساء تُقرأ كحوادث فردية معزولة، بل كجزء من سياق أوسع من القمع، وتقييد الحركة، وحرمان التعليم والعمل، وتراجع آليات المحاسبة.

وبحسب تقرير صادر عن مرصد حقوق المرأة الأفغانية، تم منذ بداية عام 2025 توثيق 511 حالة عنف ضد النساء، بينها 76 جريمة قتل متعمد، و130 حالة جلد علني، و72 حالة اعتقال تعسفي واختفاء قسري، إضافة إلى 32 حالة انتحار أفضت إلى الوفاة، فيما بقيت 258 قضية دون أي إجراء رسمي أو ملاحقة قضائية.

وتؤكد هذه الأرقام أن ما يُنشر لا يمثل بالضرورة الحجم الحقيقي للأزمة، في ظل الخوف، والصمت المجتمعي، وصعوبة التوثيق.

وتتزامن هذه المعطيات مع استمرار ورود تقارير عن قتل نساء في كابول وعدد من الولايات خلال الأسابيع الأخيرة، بينها حوادث وُصفت محليًا بأنها “غامضة” أو “عائلية”.

جرائم بلا مساءلة

وأشار المرصد إلى أن معظم الضحايا من النساء الشابات بين 18 و36 عامًا، وهي الفئة التي تواجه في أفغانستان الحالية قيودًا اجتماعية واقتصادية وسياسية متزايدة، فمنذ عودة طالبان إلى الحكم في أغسطس 2021، حُرمت النساء والفتيات من التعليم الثانوي والجامعي، وفُرضت قيود مشددة على العمل والتنقل والظهور العام والمشاركة المدنية.

وفي السياق، أظهر تحديث صادر عن بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان يوناما عن الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر 2025 استمرار الانتهاكات الحقوقية في البلاد، إذ وثق التقرير مقتل وإصابة 547 مدنيًا خلال تلك الفترة، بينهم 70 قتيلًا و447 جريحًا.

كما سجل التقرير 250 حالة اعتقال تعسفي، تعرض ما لا يقل عن 50 شخصًا منهم لسوء المعاملة، إضافة إلى جلد 287 شخصًا علنًا، بينهم نساء وأطفال، وتنفيذ عمليتي إعدام.

ولفت تقرير الأمم المتحدة إلى أن الاشتباكات الحدودية بين طالبان وباكستان ألحقت أضرارًا بنحو 500 مدني، إذ قُتل 47 شخصًا وأُصيب 456 آخرون، بينهم نساء وأطفال، وتؤكد هذه المعطيات أن النساء لا يتعرضن فقط لعنف قائم على النوع الاجتماعي، بل يدفعن أيضًا ثمن التدهور الأمني العام وانعدام الحماية.

قضاء يشرعن العنف

وتواجه طالبان انتقادات متزايدة بسبب لائحة تنظيمية لمحاكمها تقول منظمات حقوقية إنها تفتح الباب أمام شرعنة العنف ضد النساء داخل الأسرة، ويقول منتقدون إن هذه اللائحة تسمح للرجال بممارسة العنف ضد زوجاتهم إذا لم تُترك آثار ظاهرة على أجسادهن، وهو ما أثار مخاوف من تحويل العنف الأسري إلى ممارسة محمية اجتماعيًا وقانونيًا.

وتعزز هذه المخاوف تصريحات خبراء أمميين حذروا من تصاعد استخدام طالبان للعقوبات البدنية العلنية، ففي مارس 2026، قال خبراء من الأمم المتحدة إن الجلد والعقوبات الجسدية العلنية في أفغانستان تمثل انتهاكًا للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وقد ترقى، بحسب شدتها، إلى معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة أو إلى التعذيب، مطالبين بوقفها فورًا.

ويُعد تفكيك منظومة العدالة أحد أخطر أوجه الأزمة، فقد قال ريتشارد بينيت، المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في أفغانستان، إن طالبان “سخّرت” النظام القانوني والقضائي لقمع النساء والفتيات منذ عودتها إلى الحكم، مشيرًا إلى تعليق دستور 2004 والقوانين التي كانت توفر حماية للنساء، بما في ذلك التشريعات التي تجرّم العنف ضد المرأة.

ضحايا بلا حماية

وتبرز الأزمة في حوادث فردية صادمة تحولت إلى رموز لعنف أوسع، فقد أشارت تقارير محلية إلى مقتل “بدرية”، وهي امرأة عادت إلى أفغانستان للمطالبة بحقوقها، في كابول، كما قُتلت امرأة كانت قد خدمت سابقًا في قوات الشرطة الأفغانية، في واقعة أعادت المخاوف بشأن مصير النساء المرتبطات بمؤسسات النظام السابق.

وبينما كان التقرير قيد الإعداد، نُشرت أنباء عن مقتل فتاة تبلغ من العمر 13 عامًا في ولاية بدخشان بعد تعرضها للاغتصاب، في جريمة جديدة تعكس هشاشة حماية الفتيات، وتؤكد هذه الواقعة أن الخطر لا يقتصر على النساء البالغات، بل يمتد إلى القاصرات في بيئة يغيب فيها الردع القانوني الفعال.

وعلى المستوى الدولي، تصاعدت الدعوات إلى المساءلة عن الانتهاكات ضد النساء في أفغانستان، ففي يناير 2025، طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إصدار أوامر توقيف بحق القائد الأعلى لطالبان هبة الله أخوند زاده ورئيس المحكمة العليا في أفغانستان عبد الحكيم حقاني، بتهمة اضطهاد النساء والفتيات بوصفه جريمة ضد الإنسانية.

مساءلة دولية مطلوبة

وفي أكتوبر 2025، وافق مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة على إنشاء آلية تحقيق مستقلة ومستمرة لرصد انتهاكات حقوق الإنسان في أفغانستان منذ عودة طالبان إلى السلطة، مع تركيز خاص على الانتهاكات ضد النساء والفتيات، بهدف جمع ملفات يمكن استخدامها في مسارات العدالة الدولية.

وتكشف هذه التطورات أن أزمة النساء في أفغانستان لم تعد مجرد ملف داخلي، بل تحوّلت إلى قضية حقوقية دولية مرتبطة بالمساءلة عن جرائم محتملة ضد الإنسانية، فمع استمرار القتل، والجلد العلني، والاعتقالات التعسفية، والاختفاء القسري، والتكتم على جرائم العنف، تعيش النساء الأفغانيات واحدة من أحلك مراحل تاريخهن المعاصر.