مع كل شروق شمس جديد في أفغانستان، تبدأ رحلة أخرى للهروب، العائلات عديدة تحمل ما تبقى من حياتها فوق شاحنات متهالكة، أطفال يقطعون الحدود حفاة، وشباب يغامرون عبر طرق التهريب والصحارى والبحار بحثاً عن فرصة للبقاء، ولم تعد الهجرة بالنسبة للأفغان مجرد انتقال من بلد إلى آخر، بل تحولت إلى مرآة لانهيار طويل تعيشه دولة أنهكتها الحروب والفقر والقمع والانهيار الاقتصادي، وبينما تتزايد أعداد المرحلين من دول الجوار، وتضيق أبواب اللجوء في أوروبا والولايات المتحدة، يجد ملايين الأفغان أنفسهم عالقين بين وطن عاجز عن حمايتهم وحدود لا ترحب بهم، في واحدة من أكثر أزمات النزوح والهجرة تعقيداً وقسوة في العالم اليوم.
وتؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن عدد اللاجئين وطالبي اللجوء الأفغان تجاوز خلال عام 2025 نحو 8.2 ملايين شخص حول العالم، في حين يعيش ملايين آخرون نازحين داخل البلاد بسبب النزاعات والفقر والكوارث المناخية، كما تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن ما يقرب من 23 مليون أفغاني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة خلال عامي 2025 و2026، في واحدة من كبريات الأزمات الإنسانية على مستوى العالم.
جذور أزمة عمرها عقود
بدأت موجات الهجرة الأفغانية الحديثة عقب انقلاب عام 1978 ثم الغزو السوفيتي لأفغانستان عام 1979، حين تحولت البلاد إلى ساحة حرب مفتوحة دفعت ملايين المدنيين إلى الفرار نحو باكستان وإيران، ووفقاً لتقارير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، أصبحت أفغانستان خلال ثمانينيات القرن الماضي أكبر مصدر للاجئين في العالم.
وخلال الحرب الأهلية بين عامي 1992 و1996، تحولت العاصمة كابول إلى مدينة مدمرة بفعل المعارك بين الفصائل المسلحة، قبل أن تدخل طالبان العاصمة في سبتمبر 1996، لتبدأ مرحلة جديدة من النزوح الجماعي، خصوصاً بعد المجازر والانتهاكات التي وثقتها منظمات حقوقية دولية في مناطق مزار شريف وباميان وشمال كابول.
ورغم التحسن النسبي بعد التدخل الأمريكي عام 2001، فإن الاستقرار بقي هشاً، وتؤكد المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن أكثر من 5.7 مليون لاجئ أفغاني عادوا إلى بلادهم بين عامي 2002 و2005، في واحدة من كبريات عمليات العودة الطوعية في العالم، غير أن تصاعد العنف والهجمات المسلحة بعد عام 2014 أعاد إنتاج موجات نزوح جديدة.
2021.. لحظة الانهيار الكبرى
مثّل سقوط كابول وعودة حركة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021 نقطة تحول مفصلية في تاريخ الهجرة الأفغانية، فقد شهد مطار كابول مشاهد فوضوية لآلاف المدنيين الذين حاولوا مغادرة البلاد بأي وسيلة، في حين وثقت وسائل إعلام ومنظمات دولية سقوط قتلى وجرحى خلال عمليات الإجلاء.
ووفق تقرير خدمات الأبحاث في الكونغرس الأمريكي الصادر في مارس 2025، تم إجلاء أكثر من 124 ألف شخص من أفغانستان عقب سيطرة طالبان، بينهم عشرات الآلاف نقلوا إلى الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، لكن التقرير أشار إلى أن آلاف الأفغان ما زالوا يعيشون بإقامات مؤقتة وسط حالة من الغموض القانوني وعدم الاستقرار الاجتماعي.
الاقتصاد يدفع الناس إلى الهروب
لم تعد الحرب وحدها المحرك الأساسي للهجرة، فبحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يعيش نحو 85 بالمئة من الأفغان تحت خط الفقر أو على حافته، في حين تعاني أفغانستان من انهيار اقتصادي حاد منذ عام 2021 نتيجة تجميد الأصول المالية وتراجع الاستثمارات ووقف جزء كبير من المساعدات الدولية.
كما يؤكد برنامج الأغذية العالمي أن ملايين الأسر تواجه مستويات خطيرة من انعدام الأمن الغذائي، في حين ارتفعت معدلات البطالة إلى مستويات قياسية، خصوصاً بين الشباب والنساء، وتقول الأمم المتحدة إن نحو 17.4 مليون شخص في أفغانستان يواجهون خطر الجوع خلال عام 2026، مع تفاقم الأزمة الاقتصادية وعودة أعداد ضخمة من اللاجئين المرحلين من دول الجوار.
وتشير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن الجفاف والتغيرات المناخية فاقمت الأزمة بشكل غير مسبوق، بعدما فقد آلاف المزارعين مصادر رزقهم نتيجة تراجع المياه وتدهور الأراضي الزراعية، ما دفع أعداداً متزايدة من الأسر إلى ترك القرى والتوجه نحو المدن أو خارج البلاد.
النساء في قلب الكارثة
تؤكد منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” أن القيود المفروضة على النساء والفتيات أصبحت أحد أبرز دوافع الهجرة خلال السنوات الأخيرة، فمنذ عودة طالبان إلى الحكم، منعت السلطات الفتيات من التعليم الثانوي والجامعي، وفرضت قيوداً واسعة على عمل النساء وحركتهن.
وأعلنت يونيسف في مارس 2025 أن نحو 2.2 مليون فتاة أفغانية حُرمن من التعليم الثانوي، محذرة من أن العدد قد يتجاوز أربعة ملايين فتاة بحلول عام 2030 إذا استمرت القيود الحالية.
كما حذرت يونيسف ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “يونسكو” في تقرير مشترك عام 2025 من أن أكثر من 2.13 مليون طفل في سن الدراسة الابتدائية خارج المدارس، في حين يعاني أكثر من 90 بالمئة من الأطفال في سن العاشرة من الفقر التعليمي وعدم القدرة على قراءة نص بسيط.
وفي أبريل 2026 نقلت وكالة رويترز عن تقرير جديد ليونيسف تحذيراً من أن استمرار القيود على تعليم النساء وعملهن قد يؤدي إلى فقدان أكثر من 25 ألف معلمة وعاملة صحية بحلول عام 2030، الأمر الذي سيهدد النظامين الصحي والتعليمي بالكامل.
إيران وباكستان.. من الاستضافة إلى الترحيل
على مدى أكثر من أربعة عقود، شكّلت إيران وباكستان الملاذ الأكبر للاجئين الأفغان، لكن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً جذرياً في سياسات البلدين تجاه المهاجرين.
ووفقاً لخطة الاستجابة الأممية للعائدين من باكستان لعام 2025، عاد أو رُحّل نحو 986 ألف أفغاني من باكستان حتى أبريل 2025، بينهم أعداد كبيرة من العائلات غير الموثقة قانونياً، كما أكدت الأمم المتحدة أن 61 بالمئة من العائدين أطفال، في حين تمثل النساء المعيلات لأسرهن نحو 17 بالمئة من إجمالي العائدين.
وفي إيران حذرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين من الارتفاع الكبير في وتيرة العودة القسرية، حيث سجل بعض المعابر الحدودية دخول أكثر من 10 آلاف شخص يومياً إلى داخل أفغانستان خلال فترات متفرقة.
وتقول المنظمة الدولية للهجرة إن عمليات الترحيل الجماعية تدفع آلاف الأسر إلى أوضاع كارثية داخل أفغانستان، في ظل غياب السكن والخدمات والرعاية الصحية وفرص العمل.
تحذيرات حقوقية من الترحيل القسري
تؤكد منظمة هيومن رايتس ووتش أن إعادة الأفغان إلى بلد يخضع لسلطة طالبان قد تعرضهم لخطر الاضطهاد والاعتقال والانتهاكات، خصوصاً الصحفيين والنشطاء والعاملين السابقين مع القوات الأجنبية والمنظمات الدولية.
كما شددت منظمة العفو الدولية على أن عمليات الترحيل القسري تتعارض مع مبدأ “عدم الإعادة القسرية” المنصوص عليه في اتفاقية اللاجئين لعام 1951، والذي يمنع إعادة أي شخص إلى بلد قد يواجه فيه خطراً على حياته أو حريته.
وأشارت بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان “يوناما” في تقاريرها لعام 2025 إلى استمرار الاعتقالات التعسفية والقيود على الحريات العامة، إضافة إلى تصاعد الانتهاكات ضد النساء والمدافعين عن حقوق الإنسان.
أوروبا بين حقوق الإنسان وتشديد اللجوء
في أوروبا يواجه آلاف الأفغان حالة من القلق المتزايد بسبب تشديد سياسات اللجوء، ووفقاً لوكالة اللجوء التابعة للاتحاد الأوروبي، ارتفعت معدلات رفض طلبات اللجوء المقدمة من أفغان خلال السنوات الأخيرة، رغم استمرار التحذيرات الحقوقية من خطورة إعادتهم إلى بلد غير آمن.
وتؤكد منظمات حقوقية أن بعض الدول الأوروبية باتت تنظر إلى أفغانستان من منظور أمني وسياسي أكثر من كونه إنسانياً، رغم استمرار الأزمات الحقوقية والاقتصادية داخل البلاد.
أما في الولايات المتحدة، فما زال آلاف الأفغان الذين تم إجلاؤهم بعد عام 2021 يعيشون بإقامات مؤقتة، وسط مطالب حقوقية بإقرار تسويات قانونية دائمة تضمن لهم الاستقرار والحماية.
الهجرة عبر طرق الموت
تُعد طرق الهجرة التي يسلكها الأفغان من أخطر المسارات عالمياً، فالمهاجرون يواجهون شبكات تهريب البشر، والعنف، والاستغلال، والموت في الصحارى والجبال والبحار.
وأكدت المنظمة الدولية للهجرة تسجيل مئات الوفيات والإصابات على طرق الهجرة غير النظامية التي يسلكها الأفغان باتجاه إيران وتركيا وأوروبا خلال عامي 2025 و2026.
كما يعيش كثير من المهاجرين أوضاعاً قانونية هشة داخل دول العبور والمقصد، مع محدودية الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والعمل القانوني.
المناخ يفاقم النزوح
لم تعد أزمة الهجرة في أفغانستان مرتبطة فقط بالحرب والسياسة. فبحسب الأمم المتحدة، تُعد أفغانستان من أكثر الدول هشاشة أمام التغيرات المناخية رغم إسهاماتها المحدودة جداً في الانبعاثات العالمية.
وتؤكد تقارير برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة أن موجات الجفاف والفيضانات وتراجع الموارد المائية دفعت آلاف الأسر الزراعية إلى النزوح الداخلي أو الهجرة نحو الخارج، خصوصاً في المناطق الريفية الفقيرة.
ويرى خبراء الأمم المتحدة أن التغير المناخي بات عاملاً رئيسياً في تفكيك المجتمعات المحلية وزيادة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الناس إلى الرحيل.
أزمة مفتوحة بلا أفق واضح
تكشف أزمة الهجرة الأفغانية مأساة إنسانية مركبة تتداخل فيها الحرب والفقر والقمع والانهيار الاقتصادي والتغير المناخي. فالملايين الذين يغادرون البلاد لا يبحثون فقط عن فرصة عمل أو حياة فضلى، بل عن الحد الأدنى من الأمان والكرامة والحقوق الأساسية.
لكن استمرار القيود السياسية، وتراجع التمويل الإنساني، وعمليات الترحيل الجماعية، والانهيار الاقتصادي، كلها عوامل تنذر بموجات نزوح جديدة خلال السنوات المقبلة.
وبين حدود مغلقة ووطن غارق في الأزمات، يواصل ملايين الأفغان رحلة الهروب من حاضر يبدو أكثر قسوة يوماً بعد يوم، في حين يحذر المجتمع الدولي من أن تجاهل الأزمة لن يؤدي إلا إلى تعميق واحدة من كبريات المآسي الإنسانية في العصر الحديث.
