رفضت محكمة أسترالية إنهاء مسار الحماية القانونية لأسرة إسرائيلية، بعدما خلصت إلى أن ثلاثة أشقاء يواجهون التجنيد الإجباري في الجيش الإسرائيلي قد يتعرضون لـ”الاضطهاد” بسبب رفضهم أداء الخدمة العسكرية انطلاقاً من قناعاتهم السياسية ومخاوفهم من إجبارهم على المشاركة في أعمال قد تنتهك القانون الدولي الإنساني في قطاع غزة، في تطور يسلط الضوء على حق طالبي اللجوء في الحماية الدولية عندما يرتبط خطر الاضطهاد بمعتقداتهم السياسية أو الضميرية.
ووفقاً لصحيفة “الغارديان”، منحت محكمة المراجعة الإدارية الأسترالية الأشقاء الثلاثة الحق في إعادة النظر في طلباتهم للحصول على تأشيرات حماية، بعدما توصلت إلى أن لديهم مخاوف حقيقية من إجبارهم على انتهاك القانون الدولي الإنساني إذا عادوا إلى إسرائيل وأدوا الخدمة العسكرية الإلزامية، معتبرة أن العقوبات التي قد يتعرضون لها، ومنها السجن باعتبارهم معترضين ضميرياً، قد ترقى إلى مستوى الاضطهاد.
واجهت القضية أسرة إسرائيلية مكونة من أب وأم وثلاثة أبناء، وصلت إلى أستراليا قبل نحو عشر سنوات بموجب تأشيرة عمل حصل عليها الأب، وبعد انتهاء صلاحية التأشيرة، تقدمت الأسرة عام 2024 بطلب للحصول على تأشيرات حماية، بعد ستة أشهر من هجمات السابع من أكتوبر 2023 التي أشعلت الجولة الحالية من الحرب بين إسرائيل وحماس، إلا أن الحكومة الأسترالية رفضت الطلب، ما دفع الأسرة إلى الطعن أمام المحكمة.
استندت الأسرة في طلبها إلى أكثر من أساس قانوني، إذ دفعت بداية بأنها لم تعد تشعر بالأمان داخل إسرائيل نتيجة الهجمات الصاروخية والهجمات التي نفذتها حركة حماس، مؤكدة أنها فقدت الثقة في قدرة الدولة على حماية مواطنيها، وأن أفرادها اضطروا إلى البقاء داخل الملاجئ لفترات طويلة بسبب التهديدات الأمنية.
رفضت المحكمة هذا الجزء من الادعاءات، موضحة أنها وإن كانت تقر بوجود خطر حقيقي يتمثل في احتمال إصابة أفراد الأسرة أو مقتلهم نتيجة الهجمات الصاروخية، فإن هذا الضرر لا يستند إلى استهداف تمييزي موجه ضدهم بوصفهم أفراداً بعينهم، وإنما يمثل أثراً للنزاع المسلح الدائر بين إسرائيل وحماس، وهو ما لا يفي، بحسب المحكمة، بمعايير منح صفة اللاجئ في هذا الجانب من الطلب.
رفض الخدمة العسكرية
انتقلت المحكمة بعد ذلك إلى فحص الأساس الآخر الذي استندت إليه الأسرة، والمتعلق برفض الأبناء الثلاثة أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.
أدلت الابنة الكبرى التي بلغت مع شقيقيها سن الثامنة عشرة، بشهادتها أمام المحكمة، مؤكدة أن الأشقاء الثلاثة اتفقوا بصورة مشتركة على رفض أداء الخدمة الوطنية الإلزامية في الجيش الإسرائيلي، بسبب اعتقادهم بأنهم قد يُجبرون على المشاركة في العمليات العسكرية في قطاع غزة، ما قد يترتب عليه ارتكاب انتهاكات للقانون الدولي الإنساني.
أقرت المحكمة بأن هذه القناعات حقيقية وليست ادعاءات شكلية، كما قبلت أن رفض الأشقاء للخدمة العسكرية يستند إلى آرائهم السياسية بشأن الحرب الجارية في غزة وإلى خشيتهم من المشاركة في أعمال يرون أنها تخالف القانون الدولي الإنساني.
أوضحت المحكمة أن الأشقاء الثلاثة قد يواجهون عقوبة بالسجن تصل إلى عامين بسبب رفضهم أداء الخدمة العسكرية الإلزامية، معتبرة أن هذا الخطر يمثل احتمالاً حقيقياً للتعرض لأذى جسيم.
ربطت المحكمة بين هذا الخطر وبين السبب الذي يقف وراء رفض الخدمة العسكرية، معتبرة أن الرأي السياسي الذي يتبناه الأشقاء بشأن الحرب يمثل السبب الجوهري والمهم الذي قد يؤدي إلى تعرضهم للاضطهاد إذا عادوا إلى إسرائيل.
استندت المحكمة في تقييمها إلى ما وصفته بوجود ادعاءات موثوقة بشأن مخالفة العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة لأحكام القانون الدولي الإنساني.
أشارت المحكمة إلى أن المحكمة الجنائية الدولية أصدرت مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، منها القتل.
استعرضت كذلك ما ورد في تقرير لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة الذي أفاد بأن السلطات الإسرائيلية وقوات الأمن الإسرائيلية ارتكبت، وما تزال ترتكب، إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة.
اعتبرت المحكمة أن مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب تقرير لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة، يتضمنان ادعاءات موثوقة بأن العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة تشكل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني.
الخوف من الاضطهاد
لفتت المحكمة إلى أن المجتمع الدولي لا يعتبر العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة متناسبة مع الوسائل المستخدمة لتحقيق ما تصفه إسرائيل بهدف وطني مشروع، وهو ما أخذته المحكمة في الاعتبار عند تقييم المخاطر التي قد يتعرض لها الأشقاء إذا أُجبروا على أداء الخدمة العسكرية.
أكدت المحكمة، في الوقت نفسه، أنها ليست مطالبة بإصدار رأي حاسم بشأن ما إذا كانت إسرائيل ارتكبت أعمال إبادة جماعية، كما شددت على أن بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت يتمتعان بقرينة البراءة أمام المحكمة الجنائية الدولية إلى حين الفصل في القضايا المنظورة أمامها.
خلصت المحكمة إلى أن تطبيق قوانين الخدمة الوطنية الإسرائيلية على الأشقاء الثلاثة، وما قد يترتب على رفضهم أداء الخدمة العسكرية من عقوبات، يمكن أن يشكل اضطهاداً بالمعنى المقصود في قانون اللجوء.
رأت كذلك أن خطر السجن الذي قد يواجهه الأشقاء نتيجة رفضهم الانضمام إلى الجيش الإسرائيلي ينطوي على احتمال حقيقي للتعرض لأذى جسيم، وأن السبب الأساسي لهذا الخطر يتمثل في آرائهم السياسية التي دفعتهم إلى رفض المشاركة في الخدمة العسكرية الإلزامية.
استبعدت المحكمة وجود أي إجراءات معقولة يستطيع الأشقاء اتخاذها لتغيير سلوكهم أو تجنب خطر التعرض لذلك الأذى، مؤكدة أن مصدر الاضطهاد المحتمل هو الدولة نفسها، وهو ما يعني انتفاء إمكانية حصولهم على حماية حكومية داخل إسرائيل.
اعتبرت المحكمة أيضاً أن خطر الاضطهاد لا يقتصر على منطقة بعينها داخل إسرائيل، وإنما يمتد إلى جميع أنحاء البلاد، الأمر الذي يجعل خيار الانتقال الداخلي غير متاح لتفادي الخطر.
قضت المحكمة في ختام قرارها بأن الأشقاء الثلاثة الذين يواجهون التجنيد الإجباري يستوفون متطلبات الحماية التي تلتزم بها أستراليا بموجب اتفاقية اللاجئين؛ لأن لديهم “خوفاً مبرراً من الاضطهاد” إذا عادوا إلى وطنهم، كما انتهت إلى أن الحماية ينبغي أن تشمل جميع أفراد الأسرة، وأمرت بإعادة النظر في طلبهم للحصول على تأشيرات حماية.
اختتمت صحيفة الغارديان تقريرها بالإشارة إلى أنها طلبت تعليقاً من وزارة الشؤون الداخلية الأسترالية بشأن القرار، دون أن تتلقى رداً.
