تكشف الأوبئة الكبرى أن الحق في الصحة لا يبدأ من المستشفى ولا ينتهي عند توفير الدواء، ففي كثير من الأزمات الإنسانية، تصبح القدرة على الحصول على الغذاء والمياه والخدمات الأساسية جزءاً لا يتجزأ من فرص النجاة من المرض.
وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية تبرز هذه الحقيقة بوضوح مع استمرار تفشي الإيبولا بالتزامن مع واحدة من كبريات أزمات الجوع والنزوح في العالم.
وتُعد الكونغو الديمقراطية حالة خاصة في هذا السياق، إذ تتقاطع فيها النزاعات المسلحة والنزوح الداخلي وضعف البنية الصحية مع مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي.
لذلك لم يعد التعامل مع الإيبولا قضية طبية فحسب، بل بات اختباراً لقدرة السلطات والشركاء الدوليين على حماية الحقوق الأساسية للسكان في ظل أزمات متداخلة.
الجوع يفاقم أزمة الإيبولا
تشير بيانات برنامج الأغذية العالمي إلى أن نحو 26.5 مليون شخص في جمهورية الكونغو الديمقراطية يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، في حين يعاني ملايين آخرون من النزوح الداخلي نتيجة النزاعات والأزمات الإنسانية المتواصلة.
وفي ظل هذا الواقع، حذر برنامج الأغذية العالمي من أن الجوع بات يشكل أحد أكبر المعوقات أمام احتواء الإيبولا، إذ يضطر بعض المصابين أو المخالطين للحالات المؤكدة إلى مغادرة مراكز العزل والعلاج لتأمين الغذاء لعائلاتهم أو لأنفسهم.
وأكد مسؤولون في البرنامج أن إجراءات الاحتواء الصحي تصبح أقل فاعلية عندما لا تتوافر للمجتمعات المتضررة احتياجاتها الأساسية.
الغذاء ومكافحة الأوبئة
لا تقتصر أهمية الغذاء خلال الأوبئة على تحسين الحالة الصحية للمصابين، بل تمتد إلى دعم إجراءات الوقاية والعزل. فالأسر التي تفتقر إلى الغذاء أو مصادر الدخل تجد صعوبة في الالتزام بالحجر الصحي أو البقاء داخل مراكز العلاج لفترات طويلة، ما يزيد احتمالات انتقال العدوى داخل المجتمعات المحلية.
وتؤكد منظمات الإغاثة أن نجاح الاستجابة للأوبئة يعتمد على توفير حزمة متكاملة من الخدمات تشمل الرعاية الطبية والدعم الغذائي والمساعدات الإنسانية؛ لأن غياب أحد هذه العناصر قد يقوض فعالية العناصر الأخرى.
وتشير تقارير ميدانية إلى مغادرة عدد من المرضى والمخالطين لمراكز العلاج والعزل خلال فترات تفشي المرض بسبب نقص الغذاء أو الاحتياجات الأساسية، وهو ما أثار مخاوف لدى السلطات الصحية ومنظمات الإغاثة من تأثير ذلك في جهود الاحتواء.
ويؤدي هذا الوضع إلى زيادة احتمالات انتقال العدوى داخل الأسواق والتجمعات السكانية المكتظة، خصوصاً في المناطق التي تعاني أصلاً ضعف الخدمات الصحية وصعوبة الوصول إلى الرعاية الطبية.
وتؤكد منظمات الإغاثة أن السيطرة على الإيبولا لا تعتمد فقط على الرعاية الطبية، بل تتطلب أيضاً توفير الغذاء والمساعدات الإنسانية للأسر المتضررة لضمان التزامها بإجراءات العزل والوقاية.
أزمة صحية وإنسانية
يرى خبراء الإغاثة أن تفشي الإيبولا في الكونغو الديمقراطية لم يعد مجرد أزمة صحية، بل أصبح جزءاً من أزمة إنسانية أوسع تتداخل فيها عوامل الجوع والنزوح والعنف المسلح.
وتؤكد المنظمات الدولية أن فرق الاستجابة تواجه تحديات متعددة تشمل نقص التمويل وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق المتضررة وضعف البنية الصحية، فضلاً عن انتشار المعلومات المضللة وتراجع الثقة في بعض المجتمعات المحلية.
وفي هذا السياق، يشدد برنامج الأغذية العالمي على أن نجاح جهود الاحتواء يتطلب استجابة متكاملة تجمع بين العلاج الطبي والدعم الغذائي والمساعدات الإنسانية العاجلة.
الحق في الصحة والغذاء
يرى الباحث القانوني أحمد أبوهزيم أن مغادرة المرضى مراكز علاج الإيبولا بسبب نقص الغذاء أو المساعدات الأساسية تثير إشكالات حقوقية تتجاوز البعد الصحي، وتمس بشكل مباشر الحق في الصحة والحق في مستوى معيشي لائق، وهما من الحقوق الأساسية التي كفلها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ويشير في حديثه لـ”صفر” إلى أن توفير العلاج وحده لا يكفي لضمان حماية المرضى خلال الأوبئة، إذ يرتبط الحق في الصحة ارتباطاً وثيقاً بتوفير الغذاء والمياه والخدمات الأساسية، خاصة للفئات الأكثر هشاشة.
وفي هذا السياق، تتحمل الدول مسؤولية اتخاذ التدابير اللازمة لضمان بقاء المرضى داخل مرافق العلاج من خلال توفير الاحتياجات الأساسية التي تمنعهم من اللجوء إلى خيارات قد تعرض حياتهم وحياة الآخرين للخطر.
مسؤولية الدولة والشركاء
يؤكد أبوهزيم أن التزامات الدول في مجال حقوق الإنسان تشمل احترام الحقوق وحمايتها والعمل على إعمالها بصورة فعلية، وهو ما يقتضي ضمان الحد الأدنى من الخدمات الأساسية داخل مراكز العلاج خلال حالات الطوارئ الصحية.
كما أن مبدأ عدم التمييز وضمان الحد الأدنى من هذه الحقوق يعد من الالتزامات الفورية التي لا يجوز تأجيلها أو تعطيلها.
ويضيف أن الأزمات الصحية واسعة النطاق قد تتجاوز أحياناً قدرات الحكومات الوطنية، الأمر الذي يفعّل مبدأ التعاون الدولي ويجعل المنظمات الدولية والجهات المانحة شريكاً أساسياً في دعم الأنظمة الصحية وتوفير المساعدات الإنسانية اللازمة لاستمرار العلاج ومنع تفاقم الأوضاع الإنسانية.
الجوع جزء من الأزمة
تكشف تجربة الكونغو الديمقراطية أن مكافحة الأوبئة لا يمكن أن تنجح بالاعتماد على الأدوات الطبية وحدها، فحين يضطر المرضى إلى الاختيار بين البقاء في مراكز العلاج أو البحث عن الغذاء، تتحول الأزمة الصحية إلى أزمة حقوقية وإنسانية مركبة.
ومن هنا، فإن حماية الحق في الصحة تظل مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بضمان الحق في الغذاء والعيش الكريم؛ لأن احتواء الوباء لا يتحقق فقط بعلاج المرضى، بل أيضاً بإزالة الظروف التي تدفعهم إلى مغادرة العلاج بحثاً عن أسباب البقاء.

