مع ساعات الصباح الأولى، تتشكل طوابير طويلة أمام الأفران القليلة العاملة في مدينة دير الزور السورية، حيث ينتظر السكان لساعات للحصول على ربطة خبز قد لا تكفي ليوم واحد، وهذا المشهد المتكرر الذي أصبح جزءا من الحياة اليومية، يعكس عمق الأزمة التي تضرب واحدة من أبسط السلع الأساسية، ووفق ما أفاد به المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن تراجع توفر الخبز في المحافظة بات مرتبطاً بشكل مباشر بخروج عدد متزايد من الأفران عن الخدمة.
أسعار تتصاعد وقدرة شرائية تتآكل
تشير البيانات الميدانية التي نقلها المرصد السوري لحقوق الإنسان إلى أن سعر ربطة الخبز في الأفران الخاصة وصل إلى نحو 5500 ليرة سورية، مقابل 3500 ليرة في الأفران العامة، وهو فارق يعكس تفاوتا في القدرة على الوصول إلى الخبز، ومع ذلك، فإن توفر الخبز المدعوم يبقى محدودا، ما يدفع الأهالي إلى اللجوء إلى الأفران الخاصة رغم ارتفاع أسعارها.
وبحسب تقرير صادر عن برنامج الأغذية العالمي عام 2026، فإن أسعار الغذاء في سوريا ارتفعت بأكثر من 50% خلال العامين الأخيرين، ما أدى إلى تراجع حاد في القدرة الشرائية للأسر، خاصة في المناطق المتأثرة بالنزاع، ويؤكد التقرير أن العديد من العائلات باتت تنفق الجزء الأكبر من دخلها على الغذاء، مع تقليص الكميات أو عدد الوجبات.
ندرة الخبز وتراجع العرض
لا تقتصر الأزمة على الأسعار، بل تمتد إلى توفر الخبز نفسه؛ ففي العديد من أحياء دير الزور، يواجه السكان صعوبة في الحصول على الخبز حتى عند توفره، نتيجة محدودية الإنتاج، وتشير تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2025 إلى أن تراجع البنية التحتية والخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والوقود، أدى إلى اختناقات حادة في إنتاج وتوزيع الخبز.
ويؤكد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن عددا من الأفران توقف عن العمل بسبب عدم القدرة على تغطية تكاليف التشغيل، في حين تعمل الأفران المتبقية بطاقات محدودة لا تلبي الطلب المتزايد.
أزمة متعددة الحلقات
لفهم عمق الأزمة، لا بد من النظر إلى سلسلة إنتاج الخبز كاملة، حيث تبدأ الأزمة من تراجع إنتاج القمح، وهنا تشير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في تقريرها لعام 2025 إلى انخفاض الإنتاج الزراعي في سوريا نتيجة الجفاف وارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية.
تنتقل الأزمة إلى مرحلة الطحين، حيث يؤدي نقص الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل إلى زيادة الأسعار، أما في مرحلة الإنتاج، فإن ارتفاع أسعار المحروقات يمثل العامل الأكثر تأثيراً. ووفق تقرير البنك الدولي لعام 2025، شهدت أسعار الطاقة في سوريا ارتفاعات كبيرة، ما أدى إلى زيادة تكاليف تشغيل الأفران بشكل غير مسبوق.
وأخيرا، تصل الأزمة إلى المستهلك، الذي يجد نفسه أمام خيارين؛ إما شراء خبز مرتفع الثمن وإما الانتظار في طوابير طويلة للحصول على خبز مدعوم قد لا يتوفر.
الأمن الغذائي في دائرة الخطر
تعكس أزمة الخبز في دير الزور وضعًا أوسع يتعلق بالأمن الغذائي في سوريا، فوفق تقرير برنامج الأغذية العالمي لعام 2026، يعاني أكثر من 12 مليون شخص في البلاد من انعدام الأمن الغذائي، وهو ما يمثل أكثر من نصف السكان.
كما تشير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إلى أن استمرار تراجع الإنتاج الزراعي يهدد بتفاقم الأزمة، خاصة في ظل محدودية الموارد وارتفاع تكاليف الاستيراد.
العوامل الاقتصادية
تُعد أزمة المحروقات من أبرز العوامل التي أسهمت في تفاقم أزمة الخبز، فالأفران تعتمد بشكل أساسي على الوقود في عمليات الإنتاج، ومع ارتفاع أسعاره، تصبح تكلفة الإنتاج أعلى بكثير، ويشير البنك الدولي إلى أن رفع الدعم أو تقليصه عن المواد الأساسية، بما في ذلك الوقود، أدى إلى تحميل المستهلك النهائي جزءاً كبيراً من هذه التكاليف.
كما أن تراجع الدعم الحكومي للطحين أدى إلى زيادة أسعار الخبز في الأفران الخاصة، ما يفاقم من معاناة الأسر ذات الدخل المحدود.
شهادات من الميدان
يقول أحد سكان دير الزور، وفق ما نقله المرصد السوري لحقوق الإنسان: “حتى عندما نجد الخبز، السعر مرتفع جدا، ولا يمكننا تحمله، خاصة مع عائلة كبيرة”، بينما يشير مواطن من ريف دير الزور إلى أن المشكلة لا تقتصر على السعر، بل تشمل أيضا الندرة، حيث تصبح عملية الحصول على الخبز تحديا يوميا.
وتتوافق هذه الشهادات مع ما ورد في تقارير منظمة أوكسفام لعام 2025، التي تشير إلى أن الأسر في المناطق المتضررة تلجأ إلى تقليل استهلاك الغذاء أو الاعتماد على مساعدات محدودة.
تداعيات إنسانية متصاعدة
تؤدي أزمة الخبز إلى تداعيات إنسانية خطيرة، خاصة على الفئات الأكثر ضعفا، وتشير تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة لعام 2026 إلى أن نقص الغذاء يؤثر بشكل مباشر على صحة الأطفال، مع ارتفاع معدلات سوء التغذية في بعض المناطق.
كما تؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن تراجع القدرة على تأمين الغذاء يدفع بعض الأسر إلى اتخاذ إجراءات قاسية، مثل تقليل عدد الوجبات أو إخراج الأطفال من المدارس للعمل.
تحذيرات حقوقية متزايدة
حذّرت منظمة العفو الدولية في تقاريرها لعامي 2025 و2026 من أن تدهور الأوضاع المعيشية في سوريا، بما في ذلك صعوبة الوصول إلى الغذاء، يشكل انتهاكاً للحقوق الأساسية.
كما أشارت هيومن رايتس ووتش إلى أن استمرار القيود الاقتصادية وتراجع الدعم يزيدان من معاناة المدنيين، داعية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لضمان وصول الغذاء بأسعار ميسورة.
الحق في الغذاء
ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على حق كل إنسان في الحصول على غذاء كاف، ووفق اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فإن هذا الحق يشمل توفر الغذاء وإمكانية الوصول إليه.
وتشير اللجنة إلى أن أي سياسات أو ظروف تؤدي إلى حرمان السكان من الغذاء قد تشكل انتهاكاً لهذا الحق، خاصة في سياق النزاعات.
جذور الأزمة
تأتي أزمة الخبز في سياق أوسع من التدهور الاقتصادي الذي تشهده سوريا منذ اندلاع الحرب السورية عام 2011، فقد أدت سنوات النزاع إلى تدمير البنية التحتية وتراجع الإنتاج الزراعي، ما أثر بشكل مباشر على توفر المواد الأساسية.
ووفق تحليل البنك الدولي، فإن الاقتصاد السوري فقد جزءاً كبيراً من قدرته الإنتاجية، ما جعل البلاد تعتمد بشكل متزايد على الاستيراد والمساعدات.
استجابة دولية محدودة
رغم الجهود التي تبذلها المنظمات الدولية، لا تزال الاستجابة دون مستوى الاحتياجات، ويشير برنامج الأغذية العالمي إلى أنه يواجه تحديات في تمويل عملياته، ما يحد من قدرته على تقديم الدعم الكافي.
كما يؤكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن معالجة الأزمة تتطلب استثمارات طويلة الأمد في البنية التحتية والإنتاج الزراعي، وهو ما يصعب تحقيقه في الظروف الحالية.
وتحذر تقارير برنامج الأغذية العالمي من أن استمرار تراجع الإنتاج وارتفاع الأسعار قد يؤدي إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي، خاصة في المناطق الأكثر هشاشة مثل دير الزور، كما تشير إلى أن أي تدهور إضافي في الإمدادات قد يدفع بالمزيد من الأسر إلى الاعتماد الكامل على المساعدات.
في دير الزور، لم يعد الخبز مجرد مادة غذائية، بل أصبح اختبارا يوميا لقدرة السكان على الصمود في وجه أزمات متراكمة.
وبين ارتفاع الأسعار وتراجع الإنتاج، تبقى الطوابير الطويلة أمام الأفران شاهداً على واقع معيشي يزداد تعقيدا، في انتظار حلول تعيد لهذه السلعة الأساسية مكانتها كحق لا كمعاناة.

