منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أزمة إنسانية تتجاوز الحدود.. 22 دولة عالية المخاطر المناخية تحت القيود الأمريكية

19 يونيو 2026
تداعيات الكوارث المناخية
تداعيات الكوارث المناخية

بينما تتسارع وتيرة الكوارث المناخية حول العالم وتدفع ملايين البشر إلى النزوح بحثاً عن الأمان، تواجه قضية الهجرة المناخية اختباراً غير مسبوق في الولايات المتحدة، فقد تزامن تصاعد موجات الجفاف والفيضانات والأعاصير مع تشديد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سياسات الدخول والهجرة، ما أثار تساؤلات حقوقية وقانونية واسعة حول مصير الأشخاص الذين تدفعهم الكوارث البيئية إلى مغادرة أوطانهم، في وقت لا يزال القانون الدولي عاجزاً عن الاعتراف بهم كفئة مستقلة تستحق الحماية.

وكشفت صحيفة “الغارديان” البريطانية في تحليل استند إلى بيانات مبادرة نوتردام للتكيف العالمي أن 22 دولة من أصل 39 دولة فرضت عليها إدارة ترامب قيوداً كلية أو جزئية على الدخول إلى الولايات المتحدة تقع ضمن الربع الأعلى عالمياً من حيث التعرض للمخاطر المناخية، وتضم هذه القائمة دولاً مثل تشاد والنيجر والسودان والصومال وسيراليون، وهي من أكثر دول العالم تعرضاً للجفاف والفيضانات وارتفاع درجات الحرارة وانعدام الأمن الغذائي.

أزمة تتجاوز الحدود

لا ترتبط القضية بسياسات الهجرة وحدها، بل تعكس تحولات عالمية أوسع فرضها تغير المناخ.

وتؤكد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن أزمة المناخ أصبحت عاملاً رئيسياً يفاقم النزوح ويزيد معاناة اللاجئين والنازحين وعديمي الجنسية حول العالم، كما تشير المفوضية إلى أن التغير المناخي لا يعمل منفرداً، بل يتداخل مع الفقر وضعف الحوكمة والصراعات وانتهاكات حقوق الإنسان.

ويأتي ذلك بينما تشهد مناطق واسعة من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ضغوطاً متزايدة بسبب الجفاف الطويل وتراجع الموارد المائية وتكرار الكوارث الطبيعية. وقد تحولت هذه العوامل إلى محركات رئيسية للهجرة والنزوح الداخلي والعابر للحدود.

أرقام قياسية للنزوح

وفق تقرير المركز الدولي لرصد النزوح لعام 2026، بلغ عدد الأشخاص الذين عاشوا في أوضاع نزوح داخلي حول العالم 82.2 مليون شخص بنهاية عام 2025، وهو ثاني أعلى رقم مسجل في التاريخ الحديث، كما سجل العالم 65.8 مليون حالة نزوح داخلي جديدة خلال عام 2025، بينها 29.9 مليون حالة ناجمة عن الكوارث الطبيعية و32.3 مليون حالة مرتبطة بالنزاعات والعنف.

وأكد المركز الدولي لرصد النزوح أن الكوارث الطبيعية ما زالت تشكل أحد أكبر محركات النزوح البشري في العالم، وشهدت عشرات الدول أرقاماً قياسية نتيجة الفيضانات والأعاصير والحرائق وموجات الجفاف المتطرفة، كما سجلت 29 دولة وإقليماً أعلى مستويات نزوح مرتبطة بالكوارث في تاريخها الحديث.

وتوضح هذه الأرقام أن ملايين الأشخاص يضطرون سنوياً إلى ترك منازلهم بسبب أحداث مناخية متطرفة، بينما لا يجد معظمهم أي إطار قانوني يضمن لهم الحماية خارج حدود بلدانهم.

دول الهشاشة الأكبر

أظهر تحليل “الغارديان” أن تشاد والنيجر تتصدران قائمة الدول الأكثر تعرضاً للمخاطر المناخية عالمياً. وفي الوقت نفسه، تخضعان لقيود أمريكية صارمة على الدخول. وينطبق الأمر نفسه على السودان والصومال وسيراليون ودول أخرى تواجه أزمات غذائية ومائية متفاقمة.

وقالت دانييل وود، الأستاذة المشاركة في جامعة نوتردام، بحسب “الغارديان” إن غالبية الدول الأكثر هشاشة أمام التغير المناخي أصبحت ضمن قوائم الحظر أو التقييد الأمريكية، وأضافت أن هذا الواقع يثير أسئلة جوهرية حول مستقبل الأشخاص الذين قد يضطرون إلى الهجرة بسبب الكوارث البيئية خلال السنوات المقبلة.

الهجرة المناخية في إفريقيا

تمثل القارة الإفريقية إحدى أكثر المناطق تأثراً بهذه المعادلة المعقدة، فبحسب بيانات المركز الدولي لرصد النزوح، استضافت إفريقيا جنوب الصحراء وحدها 31.7 مليون نازح داخلي بنهاية عام 2025، أي ما يقارب 40 بالمئة من إجمالي النازحين داخلياً حول العالم.

وتواجه دول الساحل الإفريقي بصورة خاصة تحديات متزامنة تشمل الجفاف والتصحر وتراجع الإنتاج الزراعي والنزاعات على الموارد الطبيعية.. وتدفع هذه الظروف أعداداً متزايدة من السكان إلى النزوح الداخلي أو التفكير في الهجرة إلى الخارج.

من هندوراس إلى هايتي

لم تقتصر آثار السياسات الأمريكية على الدول الإفريقية.. فقد سلطت “الغارديان” الضوء على حالة مواطنين من هندوراس وهايتي وسوريا يواجهون مستقبلاً غامضاً بعد محاولات إدارة ترامب إنهاء أو تقليص برنامج الحماية المؤقتة.

ويمنح برنامج الحماية المؤقتة إقامة قانونية مؤقتة لمواطني دول تشهد كوارث طبيعية أو نزاعات أو ظروفاً استثنائية. وقد استفاد منه لعقود آلاف الأشخاص الذين تعذر عليهم العودة إلى بلدانهم بسبب أوضاع إنسانية صعبة.

لكن إدارة ترامب دفعت باتجاه تقليص البرنامج وإنهائه بالنسبة لبعض الجنسيات، ما أثار اعتراضات واسعة من منظمات حقوق الإنسان وجماعات الدفاع عن المهاجرين.

فراغ قانوني عالمي

تكشف أزمة الهجرة المناخية عن واحدة من أكبر الثغرات القانونية في النظام الدولي المعاصر.. فمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تؤكد أن اتفاقية اللاجئين لعام 1951 لا تعترف بالكوارث البيئية أو التغير المناخي كسبب مستقل يمنح صفة اللاجئ.

ويعني ذلك أن ملايين الأشخاص الذين يفرون من الجفاف أو حرائق الغابات أو الفيضانات أو ارتفاع مستوى البحار لا يتمتعون تلقائياً بالحماية القانونية التي يحصل عليها اللاجئون الفارون من الاضطهاد أو النزاعات المسلحة.

وتدعو المفوضية إلى تطوير سياسات حماية أكثر فاعلية للأشخاص الذين تتداخل معاناتهم مع آثار المناخ والكوارث والاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية.

انتقادات حقوقية متصاعدة

أثارت سياسات الهجرة الأمريكية انتقادات متزايدة من منظمات حقوقية وبيئية دولية، وترى هذه المنظمات أن تشديد القيود على دخول مواطني الدول الهشة مناخياً يتناقض مع حجم التحديات الإنسانية التي تواجهها تلك المجتمعات.

كما حذرت منظمات معنية بحقوق المهاجرين من أن غياب المسارات القانونية الآمنة قد يدفع مزيداً من الأشخاص إلى اللجوء إلى طرق هجرة غير نظامية أكثر خطورة.

وتؤكد هذه المنظمات أن التغير المناخي لم يعد قضية بيئية فقط، بل تحول إلى قضية حقوقية وإنسانية ترتبط بالحق في الحياة والسكن والغذاء والمياه والأمن الشخصي.

العدالة المناخية تحت المجهر

يبرز مفهوم العدالة المناخية بقوة في هذا النقاش. فالعديد من الدول المتضررة من الكوارث المناخية تعد من أقل الدول مساهمة في الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري.

في المقابل، تعد الولايات المتحدة من أكبر الدول المساهمة تاريخياً في تراكم الانبعاثات الكربونية منذ الثورة الصناعية. ولذلك ترى منظمات بيئية وحقوقية أن الدول الصناعية تتحمل مسؤولية خاصة تجاه المجتمعات التي تدفع اليوم ثمن أزمة لم تتسبب فيها بشكل رئيسي.

وتشير هذه المنظمات إلى أن سياسات الحد من الهجرة وحدها لا يمكن أن تشكل استجابة مستدامة لأزمة عالمية تتسع عاماً بعد آخر.

محاولات تشريعية متعثرة

شهد الكونغرس الأمريكي خلال السنوات الأخيرة عدة محاولات لطرح مشاريع قوانين تتعلق بالهجرة المناخية، وسعى مشرعون ديمقراطيون إلى استحداث مسارات قانونية تسمح بحماية المتضررين من الكوارث البيئية وإعادة توطينهم.

غير أن هذه المبادرات لم تصل إلى مرحلة التنفيذ، وبقيت الولايات المتحدة حتى عام 2026 دون إطار قانوني خاص بالأشخاص النازحين بسبب التغير المناخي.

مستقبل يزداد تعقيداً

تؤكد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة أن آثار تغير المناخ ستواصل دفع مزيد من السكان إلى النزوح خلال العقود المقبلة، كما تشير تقديرات البنك الدولي إلى احتمال وصول عدد النازحين المناخيين داخلياً إلى 216 مليون شخص بحلول عام 2050 إذا لم تتخذ إجراءات فعالة للتكيف المناخي والتنمية المستدامة.

وفي ظل هذه التوقعات، تبدو الفجوة بين الواقع المناخي المتغير والأطر القانونية الحالية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فالكوارث تزداد شدة وتكراراً، بينما لا يزال ملايين المتضررين يقفون خارج التعريفات القانونية التقليدية للحماية الدولية.

ظهر مصطلح “الهجرة المناخية” بصورة متزايدة منذ تسعينيات القرن الماضي مع تزايد الأدلة العلمية على تأثير الاحتباس الحراري في أنماط النزوح البشري، ورغم الاعتراف المتزايد بالعلاقة بين المناخ والهجرة، لم تعتمد الأمم المتحدة حتى الآن تعريفاً قانونياً مستقلاً للاجئ المناخ. وتشير بيانات المركز الدولي لرصد النزوح إلى أن الكوارث الطبيعية تسببت في عشرات الملايين من حالات النزوح خلال عامي 2024 و2025.

كما تؤكد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن أزمة المناخ أصبحت عاملاً رئيسياً يفاقم النزوح القسري ويزيد هشاشة المجتمعات الفقيرة حول العالم.

وبينما تتسع رقعة التأثيرات المناخية، يتزايد الضغط على الحكومات والمؤسسات الدولية لتطوير أطر قانونية وإنسانية جديدة تستجيب لواحدة من أكثر قضايا القرن الحادي والعشرين تعقيداً.

 

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print