منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أرامل الجنود في الكونغو.. وجه إنساني لأزمة اجتماعية طالت مئات النساء

05 مايو 2026
مئات الأرامل والأيتام القادمين من غوما طلبوا تدخل بعثة مونوسكو في بيني
مئات الأرامل والأيتام القادمين من غوما طلبوا تدخل بعثة مونوسكو في بيني

في مخيم مؤقت بمدينة بيني، شمال شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية، لا تبدو الأزمة مجرد نزوح جديد ضمن سلسلة طويلة من الحروب، بل تتحول إلى مأساة اجتماعية وقانونية تمس أكثر الفئات هشاشة.. أرامل جنود قُتلوا في المعارك بين الجيش الكونغولي ومتمردي حركة 23 مارس.

هؤلاء النساء، ومعهن أيتام، فررن من غوما بعد سيطرة الحركة عليها مطلع 2025، ليجدن أنفسهن أمام معركة أخرى لا تقل قسوة: البقاء بلا مأوى لائق، وبلا دخل ثابت، وبلا معاشات مستحقة لأزواج قُتلوا في الخدمة العسكرية.

بحسب تقرير نشرته إذاعة أوكابي، وهي المدعومة من بعثة الأمم المتحدة في الكونغو، فإن مئات الأرامل والأيتام القادمين من غوما طلبوا تدخل بعثة مونوسكو في بيني، بعدما قالوا إنهم حُرموا من مستحقاتهم لأكثر من عام، وإن ملفاتهم عالقة بين التفتيش العام ورئاسة الأركان.

كما تحدثت ممثلات عن المجموعة عن مرور أكثر من 14 شهراً دون صرف المعاشات، وعن وفاة ما لا يقل عن 8 أرامل وعدد من الأيتام بسبب الحرمان من الغذاء والرعاية الصحية، وفق شهاداتهن.

مأساة تتجاوز المعاشات

قضية الأرامل ليست مطلباً مالياً فقط، بل تكشف خللاً أوسع في منظومة الحماية الاجتماعية والعسكرية داخل بلد يخوض حرباً طويلة ومعقدة، فالدولة التي تطلب من الجنود القتال دفاعاً عن السيادة، تُصبح أمام التزام قانوني وأخلاقي تجاه أسرهم بعد مقتلهم، خصوصاً الأرامل والأطفال الذين يفقدون مصدر الدخل والحماية في لحظة واحدة.

وتزداد خطورة الوضع لأن هؤلاء النساء لا يعشن داخل بيئة مستقرة يمكنها امتصاص الصدمة، بل داخل مخيمات مؤقتة تعاني نقصاً في الغذاء، والرعاية الصحية، والمياه، والحماية الأمنية.

وبذلك تتحول المطالبة بالمعاش إلى مسألة مرتبطة بالحق في الحياة الكريمة، والحق في الحماية الاجتماعية، والحق في عدم التمييز، وحقوق الأطفال في الغذاء والتعليم والرعاية.

خلفية النزاع المسلح

تصاعدت الأزمة في شرق الكونغو بصورة حادة مع تقدم حركة 23 مارس في شمال كيفو، وفي 27 يناير 2025 قالت الحركة إنها سيطرت على مدينة غوما، عاصمة المقاطعة، وهي مدينة محورية على الحدود مع رواندا.

منظمة العفو الدولية أشارت إلى أن مجلس الأمن كان قد اجتمع قبل ذلك بيوم لبحث الوضع في شمال كيفو، ثم دان تقدم الحركة ودعا إلى وقف الهجوم وحماية المدنيين وانسحاب القوات الأجنبية من أراضي الكونغو.

الأمم المتحدة وصفت الأزمة بأنها تدهور خطير في أوضاع حقوق الإنسان، فقد قال مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان إن القتال بين القوات الكونغولية وحركة M23 المدعومة من رواندا توسع بعد سيطرة الحركة على غوما، مشيراً إلى قصف مواقع للنازحين، وتوثيق إعدامات موجزة لا تقل عن 12 شخصاً على يد الحركة بين 26 و28 يناير، إضافة إلى تقارير عن عنف جنسي واسع النطاق.

الموقف الحقوقي والدولي

حقوقياً، تنظر المنظمات الدولية إلى ما يجري في شرق الكونغو بوصفه أزمة حماية مدنية قبل أن يكون أزمة أمنية، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، حذر من أن المدنيين في غوما تُركوا معرضين لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وانتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني.

ودعا جميع الأطراف إلى حماية المدنيين، محذراً من استخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة ومن تفاقم العنف الجنسي والفوضى بعد فرار آلاف السجناء من سجن موزينزي في غوما.

وتبنى الاتحاد الأوروبي موقفاً حاداً من التصعيد، إذ دان تقدم حركة M23، واعتبر أن دعم القوات الرواندية للحركة يقوض جهود السلام، ودعا الحركة إلى وقف تقدمها والانسحاب الفوري، كما طالب رواندا بوقف دعمها للحركة وسحب قواتها من الكونغو.

كما دان الاتحاد الانتهاكات المرتبطة بالعنف الجنسي، وتجنيد الأطفال، والإعدامات الموجزة، ودعا إلى محاسبة المسؤولين عنها.

أما منظمة هيومن رايتس ووتش، فقد قالت إن حركة M23 المدعومة من رواندا أمرت عشرات الآلاف من النازحين بمغادرة مخيمات حول غوما، واعتبرت ذلك إجراءً غير قانوني يعمّق هشاشة المدنيين الذين فروا أصلاً من العنف.

الموقف الرسمي للدولة

رسمياً، تتعامل حكومة الكونغو الديمقراطية مع الهجوم باعتباره اعتداءً مدعوماً من رواندا، وليس مجرد تمرد داخلي، الرئيس فيليكس تشيسيكيدي ألقى خطاباً بعد اشتداد القتال دعا فيه إلى تعبئة وطنية عامة خلف القوات المسلحة الكونغولية، وطلب من الشباب الالتحاق بالجيش، كما أعلن إجراءات لدعم المجهود الحربي، ووجّه الحكومة إلى إعداد استجابة إنسانية عاجلة للأزمة في الشرق.

لكن في ملف أرامل الجنود تحديداً، تبدو الفجوة واضحة بين الخطاب الرسمي حول دعم الجيش وبين الواقع الإداري والإنساني لأسر القتلى، فبحسب إذاعة أوكابي، لم يتم الحصول على رد رسمي من السلطات العسكرية يفسر سبب تعطيل الملفات أو يجيب عن اتهامات سوء المعاملة، في حين قالت مونوسكو إنها سترافق مطالب الأرامل لدى السلطات المختصة رغم حدود ولايتها.

وتُظهر بيانات الرابطة الدولية للضمان الاجتماعي الخاصة بجمهورية الكونغو الديمقراطية أن هناك نظاماً لمعاشات الورثة، يشمل الأرامل والأيتام بشروط محددة، فالأرملة أو الأرمل مؤهلان للاستفادة إذا استوفى الزواج مدة معينة، مع استثناءات في حال وجود طفل مشترك أو حمل، كما يستفيد الأيتام غير المتزوجين دون سن 25 عاماً، ولا يوجد حد عمري إذا كان اليتيم من ذوي الإعاقة.

ويبلغ نصيب الزوج أو الزوجة 50% من معاش الشيخوخة أو العجز الذي كان المتوفى يتقاضاه أو يستحقه، في حين تُخصص 50% للأيتام المؤهلين، وترتفع إلى 100% للأيتام من دون والدين.

هذا الإطار يجعل تأخر الصرف -إن ثبت إدارياً- مشكلة تتجاوز سوء الإدارة إلى مساس مباشر بحقوق مكتسبة، خاصة إذا كانت الأسر تتلقى هذه المستحقات سابقاً ثم توقفت دون تسوية واضحة أو مسار تظلم فعّال.

أرقام مرتبطة بالأزمة

أزمة الأرامل تحدث داخل مشهد إنساني بالغ الاتساع، فمع بداية 2025، أفادت الأمم المتحدة بأن أكثر من 100 ألف شخص نزحوا في شرق الكونغو منذ مطلع العام بسبب هجوم جديد للمتمردين، وذلك فوق 2.8 مليون نازح كانوا موجودين أصلاً في شمال كيفو، في حين تجاوز إجمالي النازحين في البلاد 7 ملايين شخص.

وفي يناير 2025 قال الاتحاد الأوروبي إن أكثر من 800 ألف نازح كانوا موجودين في مخيمات مكتظة حول غوما، قبل أن يدفع تقدم M23 مزيداً من المدنيين نحو مناطق أكثر هشاشة.

وعلى مستوى الأمن الغذائي، فقد قالت وكالات أممية إن 28 مليون شخص في الكونغو يواجهون جوعاً حاداً، بينهم 3.9 مليون في مرحلة الطوارئ، وهي أرقام تعكس كيف يتحول النزاع العسكري إلى أزمة معيشية شاملة تضرب النازحين والأرامل والأطفال.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية