في عالم تتصاعد فيه الأزمات والحروب، تظل معاناة ذوي الإعاقة في مناطق النزاع اختبارا حقيقيا لمنظومة القيم الإنسانية، فمع تزايد مشاهد الدمار وارتفاع دوي الانفجارات، تخفت أصواتهم تدريجيا، ويتحولون إلى أرقام منسية في هوامش الإحصاءات، وفي ظل هذا الواقع تتفاقم أنماط الإقصاء والتهميش، لتدفع بهم إلى دائرة معاناة مزدوجة الأولى تفرضها الإعاقة ذاتها، والثانية تكرسها ظروف الحرب وما تخلفه من انهيار في الحماية والخدمات.
ويتحمل ذوو الإعاقة عبئا مضاعفا في سياقات النزاع، حيث تتحول الإعاقة من تحدٍ فردي إلى مأساة إنسانية مركبة، ففي مناطق الصراع لا تعني الإعاقة فقط صعوبة الحركة أو التواصل، بل تعني في كثير من الأحيان العجز الكامل عن الفرار من الخطر، حيث يصبح الوصول إلى الملاجئ أو نقاط الإغاثة أمرا بالغ التعقيد، إن لم يكن مستحيلا، وفي هذه الحالة تتجلى إحدى أخطر صور التمييز غير المباشر، حين تُصمم خطط الطوارئ دون مراعاة احتياجات هذه الفئة.
وتشير الأدبيات الحقوقية إلى أن ذوي الإعاقة يواجهون تمييزا ممنهجا في أوقات السلم، إلا أن هذا التمييز يتفاقم بشكل حاد خلال النزاعات المسلحة، فغياب البنية التحتية الملائمة، وانهيار الخدمات الصحية، وانقطاع سلاسل الإمداد، كلها عوامل تحرمهم من أبسط حقوقهم الأساسية، بما في ذلك الحق في الحياة والرعاية الصحية والتنقل الآمن.
ولا يقف الأمر عند حدود التهميش والإهمال، بل يمتد أحيانا إلى انتهاكات جسيمة، تشمل التخلي القسري وحرمانهم من المساعدات الإنسانية، أو حتى استبعادهم من قوائم الإجلاء، ففي بعض الحالات يُترك الأشخاص ذوو الإعاقة أو يعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية، في مشهد يلخص قسوة الحروب وغياب العدالة الإنسانية.
معاناة ثلاثية الأبعاد
وإذا كان ذوو الإعاقة يعانون التهميش، فإن النساء والفتيات والأطفال يواجهون مستويات إضافية من التهميش والانتهاكات، لا سيما أن النساء هن الأكثر عرضة للعنف القائم على النوع الاجتماعي والاستغلال والإقصاء من الخدمات الأساسية، كما يعد الأطفال من ذوي الإعاقة هم الأكثر هشاشة في معادلة النزاع.
وتواجه النساء تحديات مضاعفة في الوصول إلى الرعاية الصحية، خاصة في ما يتعلق بالصحة الإنجابية، في بيئات تفتقر أصلا إلى الحد الأدنى من الخدمات، فيما يتعرض الأطفال إلى الحرمان من التعليم والتعرض لصدمات نفسية عميقة قد تلازمهم مدى الحياة، وخاصة في غياب أنظمة حماية فعالة.
وتنص الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، على ضرورة اتخاذ الدول جميع التدابير اللازمة لضمان حمايتهم وسلامتهم في حالات الخطر، بما في ذلك النزاعات المسلحة، كما يلزم القانون الدولي الإنساني أطراف النزاع بحماية المدنيين دون تمييز.
غير أن الواقع يكشف عن فجوة واسعة بين النصوص والتطبيق، إذ تغيب الإرادة السياسية، وتُهمش الاعتبارات الإنسانية لصالح الحسابات العسكرية، ونتيجة لذلك يتم إقصاء هذه الفئة من سلم الأولويات، ويغيب إدماج احتياجاتها بصورة فعالة في مختلف مراحل الاستجابة الإنسانية، بدءا من التخطيط إلى التنفيذ، بما يشمل إنتاج بيانات دقيقة، وضمان وصول المساعدات على نحو عادل، وتصميم ممرات آمنة تراعي أوضاعهم وخصوصياتهم.
رأساً على عقب
في شهادة إنسانية تختصر ملامح الألم والصمود، يروي الغزي عبد الله نطّاط، أحد ضحايا الإعاقة جراء الحرب، تفاصيل تحول مسار حياته بين لحظة وأخرى، إذ يقول إنه كان يعمل مطربا قبل اندلاع الحرب، ويبلغ من العمر 30 عاما، ومن سكان شمال قطاع غزة، حيث كرس جهده منذ الأيام الأولى للنزاع لتقديم أغاني الأطفال والأنشطة الترفيهية داخل مخيمات النزوح ومراكز الإيواء، في محاولة للتخفيف من وطأة الصدمات النفسية على الصغار.
غير أن هذا الدور الإنساني لم يحمِه من آلة الحرب، ففي السابع والعشرين من سبتمبر 2025، وقبل أيام قليلة من إعلان الهدنة، تعرض لاستهداف مباشر بصاروخ في مفترق السرايا وسط القطاع، ما أدى إلى بتر قدميه على الفور، ورغم قسوة اللحظة، يستعيد عبد الله تلك الواقعة بروح يغلب عليها التسليم والإيمان: “هذا قضاء وقدر. ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا”.
بعد شهرين من العلاج، عاد عبد الله مجددا إلى الأطفال، محاولا استعادة دوره في بث الفرح وسط الركام، مستندا إلى الغناء والموسيقى كوسيلة للمقاومة النفسية، غير أن طريقه لم يعد كما كان، فالإصابة لم تغير جسده فحسب، بل أعادت تشكيل تفاصيل حياته اليومية.
يقول عبد الله، بنبرة تحمل أوجاعا مخفية في تصريح لـ”صفر”، إن معاناة المصابين مثله لا تتوقف عند حدود الإصابة، بل تمتد إلى تفاصيل العيش نفسها، حيث تبدأ المعاناة من الشارع ولا تنتهي عند الكرسي المتحرك، مضيفا: “أنا لا امتلك كرسيا كهربائيا، والكرسي الذي استخدمه حاليا غير آمن، ما يجعلني عرضة للسقوط بشكل متكرر أثناء التنقل لإحياء الفعاليات أو في التحركات اليومية، في ظل شوارع مدمرة وغير مهيأة”.
واقع مأساوي
وعلى الصعيد الاقتصادي، يوضح أن الإصابة سلبته مصدر رزقه، قائلا: “قبل الإصابة كان لدينا دخل، نعمل ونعود، أما اليوم فلا يوجد دخل ثابت”، مشيرًا إلى أن فقدان القدرة على الحركة بحرية بات أحد أكبر التحديات التي تواجهه وتواجه كثيرين من المصابين بإعاقات مختلفة جراء الحرب.
ولا تقف المعاناة عند هذا الحد فمع فقدان المسكن، يواجه عبد الله وأمثاله واقعا قاسيا في ظل نقص المأوى الملائم، إذ يقول: “حتى الخيام غير متوفرة بشكل كافٍ، وإن توفرت فهي مرهقة وغير إنسانية، في وقت دُمرت فيه البيوت بالكامل”، وهذا الواقع المأساوي يختزل في نظره حجم المعاناة المضاعفة التي يعيشها المصابون، حيث تتقاطع الإعاقة مع النزوح والفقر وانعدام الخدمات، لتشكل دائرة مغلقة من المعاناة اليومية.
وشهادة عبد الله ليست مجرد قصة فردية، بل تعكس وجها إنسانيا صارخا لمعاناة آلاف المصابين في قطاع غزة، أولئك الذين يحاولون رغم كل شيء، التمسك بالحياة في بيئة تفتقر إلى أبسط مقوماتها.
إحصاءات موجعة
وتأكيدا لأزمة تصاعد أعداد ذوي الاحتياجات الخاصة في قطاع غزة، اطلع “صفر” على تقرير رسمي صادر عن وزارة الصحة بقطاع غزة بشأن إحصائيات حالات البتر وإصابات الدماغ والحبل الشوكي التي أدت إلى إعاقات مختلفة، خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة 2023-2025.
وأشار التقرير إلى أن نحو 5 آلاف شخص كانوا يتمتعون بصحة جيدة قبل الحرب، خضعوا لعمليات بتر أطراف، فيما بلغ إجمالي الأطراف المبتورة 2274 طرفا، كما سُجل خضوع 238 مصابا لأكثر من عملية بتر واحدة، في مؤشر على شدة الإصابات وتعقيدها.
وفي السياق ذاته، بلغت إصابات العيون قرابة 2500 حالة، بينما يحتاج نحو 2430 من مبتوري الأطراف إلى وسائل مساعدة وأطراف صناعية، كما تلقى ما يقرب من 15 ألف مصاب جلسات علاج طبيعي في محاولة لاستعادة قدر من القدرة الحركية.
أما على صعيد إصابات الحبل الشوكي، فقد سُجل 775 مصابا بكسور، إلى جانب 544 حالة تعاني آلاما مزمنة مرتبطة بهذه الإصابات، ما يعكس حجم الأعباء الصحية الممتدة التي خلفتها الحرب التي امتدت نحو عامين.
هدنة مؤقتة
ويرى أحد رموز العمل الأهلي الفلسطيني في قطاع غزة، الدكتور ناصر الكتناني، في حديثه لـ “صفر”، أن ذوي الإعاقة في سياقات الحروب، لا سيما في فلسطين وقطاع غزة، يمثلون إحدى أكثر الفئات هشاشة، وهي هشاشة لا تتوقف عند حدود الواقع القائم، بل تتفاقم وتتسع مع كل جولة عنف جديدة في المنطقة.
ويشير الكتناني إلى أن هذه الفئة شهدت تزايدا لافتا عقب ما وصفه بحرب الإبادة التي تعرض لها قطاع غزة، موضحا أنه قبل اندلاع الحرب كانت التقديرات، وفق منظمة الصحة العالمية، تشير إلى نحو 58 ألف شخص من ذوي الإعاقة، بما يعادل قرابة 2.6% من إجمالي سكان القطاع، غير أن هذه الأرقام، وفق رأيه، لم تعد تعكس الواقع الراهن في ظل حرب امتدت لأكثر من عامين، وخلفت وراءها آلاف الإصابات الخطيرة.
ويضيف أن تقديرات المنظمة ذاتها تشير إلى ما يزيد على 26 ألف إصابة خطيرة مرشحة للتحول إلى إعاقات دائمة، في مشهد يعكس اتساع دائرة الألم، ومع ذلك يلفت إلى غياب إحصاءات دقيقة حتى الآن، نتيجة انهيار منظومات الرصد والإحصاء، واستمرار العمليات العسكرية، قائلا: “نحن لا نعيش سلاما، بل هدنة مؤقتة داخل حرب لم تنته بعد”.
ويستكمل الكتناني الصورة الأكثر قسوة بالإشارة إلى أن نحو 21 ألف طفل باتوا يعانون إعاقات دائمة، ما يرفع العدد الإجمالي إلى أكثر من 100 ألف شخص من ذوي الإعاقة، وفق تقديرات حديثة لمنظمة أطباء بلا حدود، وهي أرقام لا تعكس فقط حجم الكارثة، بل تنذر بجيل كامل يواجه مستقبلا مثقلا بالألم والتهميش والإقصاء.
هشاشة دائمة
وبلغة يختلط فيها الأسى بالغضب، يؤكد أن هذه الفئة التي كانت تعاني أصلا من محدودية الاهتمام في أوقات الاستقرار، تجد نفسها اليوم في بيئة شديدة الهشاشة، تكاد تنعدم فيها أبسط الحقوق، قائلا: “لا علاج متاح، ولا إمكانية للسفر لتلقي الرعاية، ولا حتى الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة”.
ويصف الكتناني واقع ذوي الاحتياجات الخاصة بأنه “معاناة صامتة”، في ظل عجز دولي واضح عن تلبية احتياجاتهم الأساسية، وغياب حقيقي لقضيتهم عن دوائر الاهتمام، ما يحولهم إلى أرقام بلا صوت، لا تحظى بالاعتراف الكافي لا على المستوى الدولي ولا العربي.
ويختم حديثه بنداء إنساني مفتوح، يدعو فيه إلى تحمل المسؤولية تجاه هذه الفئة الأكثر ضعفا، والعمل الجاد على دعم حقوقها وضمان رعايتها، مؤكدا أن الأوضاع في قطاع غزة، في ظل انهيار شبه كامل للبنية الصحية والخدمية، لم تعد تحتمل مزيدا من التجاهل، سواء للأشخاص ذوي الإعاقة أو لغيرهم من المدنيين الذين يفتقرون اليوم إلى أبسط مقومات الحياة.

