كشف النقاش العام حول التقرير السنوي للمفوض السامي لحقوق الإنسان عن خريطة سياسية وحقوقية معقدة داخل مجلس حقوق الإنسان، حيث لم يكن النقاش مجرد استعراض لمواقف الدول من التقرير، بل تحول إلى ساحة عكست اتجاهات أوسع داخل النظام الدولي: تصاعد النزاعات المسلحة، تراجع الحيز المدني، تزايد حضور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الخطاب الحقوقي، واتساع الفجوة بين من يطالبون بمساءلة دولية أكثر صرامة ومن يدافعون عن السيادة الوطنية والسياقات المحلية.
وأجمعت غالبية المداخلات على تثمين دور المفوض السامي ومكتبه، لكن هذا الدعم لم يكن شكلياً فقط، فقد ربطت عدة دول، منها الأوروغواي، وكوريا الجنوبية، ومصر، وألبانيا، وإسبانيا ولاتفيا، بين استمرار عمل المفوضية وقدرة النظام الدولي على حماية حقوق الإنسان في لحظة تتعرض فيها المنظومة الأممية لضغوط مالية وسياسية متزايدة.
وبدا هذا الاتجاه واضحاً في الدعوات إلى حماية استقلالية الإجراءات الخاصة، وتوفير التمويل الكافي لركيزة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، وتعزيز الرصد والتوثيق والإنذار المبكر، ومن خلال هذه المداخلات، ظهر أن عدداً من الدول يرى أن الأزمة الحالية ليست فقط أزمة انتهاكات، بل أزمة أدوات حماية أيضاً، أي أن الآليات نفسها باتت عرضة للتشكيك والتسييس والضغط.
حضور الملف الفلسطيني
حضر الملف الفلسطيني بقوة في كلمات دول مجلس التعاون الخليجي، الكويت، مصر، الجزائر، إندونيسيا، ومنظمة التعاون الإسلامي، وقد اتسمت هذه المداخلات بلغة واضحة في إدانة الانتهاكات الإسرائيلية، والدعوة إلى وقف إطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات في الأرض الفلسطينية المحتلة.
وأعادت منظمة التعاون الإسلامي التأكيد على إنهاء الاحتلال وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولة مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، أما الكويت فركزت على اقتحامات المسجد الأقصى وعنف المستوطنين، بينما شددت إندونيسيا على خطورة الوضع الإنساني ووصفت ما يتعرض له الشعب الفلسطيني بعبارات شديدة، مصر بدورها أشادت بتسليط المفوض السامي الضوء على الانتهاكات في فلسطين ولبنان، ودعت إلى متابعة خطاب الكراهية وسوء استخدام التكنولوجيا في التحريض على العنف.
هذا الحضور المكثف لفلسطين عكس اتفاقاً عربياً وإسلامياً واسعاً على أن حماية المدنيين ومساءلة الانتهاكات يجب أن تبقى في صدارة جدول أعمال المجلس، حتى في ظل تعدد الأزمات الدولية الأخرى.
الأمن الإقليمي
إلى جانب فلسطين، برزت قضايا الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، فقد رحبت الكويت والعراق بالاتفاق حول مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، باعتباره مساراً دبلوماسياً يمكن أن يساعد على خفض التصعيد، في المقابل، أدانت دول مجلس التعاون الخليجي -عبر كلمة البحرين- الهجمات الإيرانية التي قالت إنها استهدفت البحرين والكويت والأردن، واعتبرتها انتهاكاً لسيادة الدول والقانون الدولي.
أما الفلبين، متحدثة باسم “الرابطة” كما ورد في النص، فقد ركزت على حرية الملاحة البحرية والجوية وسلامة خطوط التجارة والطاقة والمواد الأساسية، بما يعكس أن الأزمة الإقليمية لم تعد تُقرأ فقط كملف سياسي أو عسكري، بل أيضاً كتهديد مباشر للاقتصاد العالمي وحركة الإمدادات والعاملين في المجال البحري.
الغرب وخطاب المساءلة
المداخلات الغربية والأوروبية اتسمت بوضوح في تسمية حالات محددة، المملكة المتحدة ركزت على إيران والصين وأفغانستان وروسيا، ودعت إلى المساءلة عن القمع والانتهاكات، كندا وسعت قائمة القضايا لتشمل السودان وأفغانستان وأوكرانيا والصين والشرق الأوسط وإيران، وطرحت سؤالاً مباشراً حول كيفية منع الفظائع وحماية المدنيين.
إسبانيا ولاتفيا ولوكسمبورغ وألبانيا شددت على حماية الحيز المدني، حقوق النساء والفتيات، حماية المدافعين والصحفيين، ومواجهة خطاب الكراهية والتضليل، كما كررت هذه الدول دعمها لأوكرانيا في مواجهة الحرب الروسية، وربطت بعض المداخلات بين القمع الداخلي في روسيا والانتهاكات المرتكبة في أوكرانيا.
ويعكس هذا الخطاب مقاربة تقوم على أن الانتهاكات ليست حوادث منفصلة، بل نمط متكرر من تقويض الحقوق والمؤسسات والفضاء المدني، وأن الرد يجب أن يكون عبر المساءلة الدولية، دعم الآليات المستقلة، وحماية النظام الدولي القائم على القواعد.
اتهام الغرب بازدواجية المعايير
في مقابل الخطاب الغربي، قدمت روسيا وبيلاروس مداخلة ذات طابع هجومي مضاد، ركزت على تقرير صادر عن وزارة الخارجية بشأن أوضاع حقوق الإنسان في عدد من الدول، ووجهت انتقادات إلى ما وصفته بالاستخدام الانتقائي لخطاب حقوق الإنسان من قبل بعض الدول الغربية.
هذه المداخلة لم تدخل في نقاش تفصيلي حول التقرير السنوي للمفوض السامي، بل سعت إلى تقديم سردية بديلة تقوم على اتهام الغرب بتسييس حقوق الإنسان واستخدامه كأداة للهيمنة والضغط على دول محددة، وهو اتجاه يعكس اتساع الانقسام داخل المجلس بين من يرى حقوق الإنسان أداة للمساءلة، ومن يراها ملفاً يتم توظيفه سياسياً.
وركز عدد من الدول على تقديم سردية وطنية دفاعية أو إصلاحية، إثيوبيا تحدثت عن الانتخابات والحوار الوطني والعدالة الانتقالية والمصالحة، وقدمت ذلك كدليل على التقدم الداخلي، مصر أبرزت الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان والتفاعل مع الآليات الدولية وإعداد استراتيجية ثانية، جنوب إفريقيا دافعت عن سياساتها في ملف الهجرة، مؤكدة أن إنفاذ القانون لا يعني كراهية الأجانب، زامبيا رفضت إدراج قرارها بشأن مؤتمر RightsCon ضمن مؤشرات السلطوية، وقدمته كقرار سيادي مرتبط بحماية المصالح الوطنية.
هذه المداخلات تظهر أن عدداً من الدول لا يرفض خطاب حقوق الإنسان، لكنه يعيد تعريفه من خلال مفاهيم السيادة، الأولويات الوطنية، التشريعات الداخلية، وبناء القدرات، وهنا يظهر التوتر التقليدي داخل المجلس بين المساءلة الدولية من جهة، والتعاون الفني والملكية الوطنية من جهة أخرى.
الحقوق في العصر الرقمي
من أبرز ملامح النقاش اتساع حضور القضايا الرقمية، السلفادور ربطت حقوق الإنسان بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والتنمية، كوريا الجنوبية ركزت على حوكمة الذكاء الاصطناعي ودورها في القرار المتعلق بالتقنيات الرقمية وحقوق الإنسان.
وطرحت تشيلي حماية الأطفال في البيئة الرقمية ومسؤولية المنصات والشركات التكنولوجية، فنلندا قدمت مقاربة أكثر تركيزاً على حقوق النساء والفتيات في الفضاء الرقمي، محذرة من استخدام التضليل والذكاء الاصطناعي لاستهدافهن وإسكاتهن.
يكشف هذا المحور تحولاً مهماً في عمل المجلس: التكنولوجيا لم تعد ملفاً جانبياً، بل أصبحت جزءاً من النقاش الأساسي حول الحقوق، سواء من زاوية حماية الأطفال، مكافحة التضليل، منع التمييز، أو ضمان ألا يترك الذكاء الاصطناعي أحداً خلف الركب.
خلاصة تحليلية
تظهر المداخلات أن التقرير السنوي للمفوض السامي تحول إلى منصة لاختبار اتجاهات النظام الحقوقي الدولي، هناك اتفاق واسع على أهمية المفوضية السامية، لكن الخلاف يظهر في كيفية استخدام آلياتها: هل تكون أداة مساءلة وتوثيق وضغط، أم أداة تعاون فني وبناء قدرات تراعي السيادة والسياق الوطني؟
وتكشف المداخلات أن حقوق الإنسان باتت مرتبطة بثلاث ساحات رئيسية: النزاعات المسلحة، السيادة والأمن، والتكنولوجيا، ففلسطين وأوكرانيا والسودان وأفغانستان ولبنان حضرت كأزمات إنسانية وسياسية كبرى، بينما برزت الهجرة والإرهاب والتنمية كمداخل للدفاع عن السياسات الوطنية، وفي الوقت نفسه، صعدت قضايا الذكاء الاصطناعي والفضاء الرقمي باعتبارها الجيل الجديد من تحديات حقوق الإنسان.
وبينما تتمسك الدول الأوروبية والغربية بخطاب المساءلة وحماية الحيز المدني، تؤكد دول أخرى أولوية السيادة والتنمية والتعاون، أما الدول العربية والإسلامية، فقد وضعت فلسطين في مركز النقاش، مع حضور واضح للبنان والسودان وكشمير والأمن الإقليمي، وبذلك، لم يكن النقاش حول التقرير السنوي مجرد تقييم لحالة حقوق الإنسان، بل قراءة مكثفة للانقسامات الدولية الحالية حول معنى الحماية، وحدود السيادة، ومستقبل المنظومة الحقوقية متعددة الأطراف.
