تشهد مدينة هرات، غربي أفغانستان، تراجعاً لافتاً في حركة الأسواق والمحال التجارية، بعد حملة نفذتها شرطة الآداب التابعة لحكومة طالبان لتطبيق قواعد اللباس المفروضة على النساء، ما دفع كثيراً من المتسوقات إلى ملازمة منازلهن خوفاً من التوقيف أو المساءلة.
وفي مدينة كانت تُعرف سابقاً بأنها واحدة من أكثر المراكز التجارية والثقافية نشاطاً في أفغانستان، لم تعد الأزمة مقتصرة على حرية الحركة أو اختيار اللباس، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، من التسوق والعمل والنقل، وصولاً إلى دخل أصحاب المحال وسائقي عربات الريكشا الذين يعتمدون بشكل كبير على حركة النساء في الأسواق، بحسب ما ذكرت شبكة “أفغانستان إنترناشيونال”.
وفي أوائل يونيو الماضي، اعتقلت شرطة الآداب عشرات النساء في هرات بتهمة مخالفة قواعد اللباس الرسمية، بسبب عدم ارتدائهن التشادور أو البرقع، قبل أن تُفرّق احتجاجات نادرة خرجت ضد هذه الإجراءات بعنف، ما أسفر عن مقتل شخصين على الأقل، وفقاً للأمم المتحدة.
أسواق بلا نساء
تشكل النساء النسبة الأكبر من زبائن الأسواق في هرات، إذ لا يقتصر حضورهن على شراء احتياجاتهن الخاصة، بل يمتد إلى شراء مستلزمات الأسر والرجال أيضاً، في ظل انشغال كثير من الرجال بالعمل وتراجع فرص النساء في سوق العمل.
ويقدّر تجار في المدينة أن التشديد الأخير في تطبيق قواعد اللباس أدى إلى تراجع النشاط التجاري في الأسواق إلى النصف.
ولم تعد الأسواق، التي كانت تعج بالحركة، تستقبل الأعداد نفسها من النساء، بعدما أصبح الخروج من المنزل بالنسبة لكثيرات مخاطرة نفسية وأمنية، لا مجرد رحلة يومية لشراء احتياجات الأسرة.
اقتصاد صغير يتألم
لا يقتصر أثر القيود على النساء وحدهن، فغيابهن عن الأسواق ضرب حلقة كاملة من الاقتصاد المحلي، تبدأ من الخياطين وأصحاب متاجر الأحذية والملابس، ولا تنتهي عند سائقي عربات الريكشا الذين كانوا يعتمدون على حركة النساء اليومية.
وكانت إحدى النساء تنفق نحو 0.78 دولار يومياً على وسائل النقل لحضور دروسها، وهو مبلغ يبدو بسيطاً، لكنه يمثل دخلاً مهماً في بلد يعيش معظم سكانه تحت خط الفقر.
وتبدو هرات اليوم مختلفة عن صورتها السابقة كعاصمة ثقافية لأفغانستان، ومدينة كان حضور النساء فيها بارزاً في الجامعات والأسواق والحياة الاجتماعية.
وقبل عودة طالبان إلى السلطة عام 2021، كان عدد الطالبات الجامعيات في هرات يفوق عدد الطلاب، في مؤشر على الدور الذي كانت تلعبه النساء في التعليم والحياة العامة، لكن القيود المتزايدة على التعليم والعمل والتنقل والترفيه غيّرت وجه المدينة، وحوّلت المجال العام إلى مساحة تضيق يوماً بعد آخر أمام النساء.
ومنذ عودة طالبان إلى الحكم، استُبعدت النساء من مجالات واسعة من الحياة العامة، مع فرض قيود على التعليم والعمل والنشاطات الاجتماعية والترفيهية، ما جعل حضورهن في المدينة يتراجع تدريجياً، ومعه تتراجع حيوية الأسواق والأنشطة الصغيرة التي كانت تقوم على مشاركتهن اليومية.
كلفة إنسانية واقتصادية
تعهدت سلطات طالبان بتعزيز الاكتفاء الذاتي اقتصادياً وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية، لكن خبراء الاقتصاد يرون أن تحقيق ذلك يظل صعباً من دون تطوير القطاع الخاص وتوسيع مشاركة السكان في النشاط الاقتصادي.
وتعاني أفغانستان أصلاً من أزمة إنسانية حادة، تفاقمت بفعل تراجع المساعدات الخارجية، وعودة أعداد كبيرة من الأفغان من إيران وباكستان، في وقت تقدر فيه الأمم المتحدة أن السياسات التي تستبعد النساء قد تكلف الاقتصاد الأفغاني نحو مليار دولار سنوياً.
وتكشف أزمة هرات أن القيود المفروضة على النساء لا تمس حقوقهن فقط، بل تضرب نسيج الحياة اليومية والاقتصاد المحلي في آن واحد، فحين تخاف النساء من الخروج، تخسر الأسواق زبائنها، ويخسر السائقون دخلهم، وتخسر المدينة جزءاً من روحها.
