أثارت تصريحات رئيس الوزراء الإسباني السابق ماريانو راخوي موجة واسعة من الانتقادات في فرنسا وإسبانيا، بعدما كتب أن المنتخب الفرنسي لكرة القدم “لا يضم أي لاعبين فرنسيين”، في تعليق سبق مواجهة المنتخبين في نصف نهائي كأس العالم.
وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن التصريحات قوبلت بإدانات من مسؤولين وسياسيين فرنسيين وإسبان، اعتبروا أنها تمس مفهوم المواطنة وتعيد إنتاج خطاب يقوم على ربط الهوية الوطنية بالأصل أو لون البشرة، في وقت أكدت فيه جهات رسمية فرنسية أن جميع لاعبي المنتخب يحملون الجنسية الفرنسية.
كتب راخوي الذي تولى رئاسة الحكومة الإسبانية بين عامي 2011 و2018، في مقال نشرته صحيفة “إل ديباتي” الإسبانية تناول فيه المواجهة المرتقبة بين فرنسا وإسبانيا في نصف نهائي كأس العالم، أن المنتخب الفرنسي فاز بكأس العالم مرتين، وبلغ نهائي النسخة الأخيرة، كما حقق الفوز في جميع مبارياته في البطولة الحالية.
ويتصدر المنتخب الفرنسي تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، ويملك فريقاً من الطراز الرفيع، لكنه قال: “مع ذلك، لا يضم أي لاعبين فرنسيين، ومع ذلك يقدم أداءً رائعاً.. سيكون خصماً قوياً”.
واعتبر وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز هذه التصريحات “غير مقبولة بتاتاً”، وذلك بعدما نُقلت إليه خلال مقابلة مع قناة BFMTV الفرنسية، مؤكداً أن “هذا لا يمثل فرنسا على الإطلاق”، وأن فرنسا “بلد التنوع حيث يمكن للجميع أن يزدهروا ويجدوا مكانهم”.
وأكد زعيم الحزب الاشتراكي الفرنسي أوليفييه فور أن المنتخب الفرنسي “يتكون من فرنسيين فقط”، مشدداً على أن “فرنسا ليست أمة عرقية؛ لا لون بشرة ولا دين، وإنما أمة سياسية موحدة حول الشعار الجمهوري”، مضيفاً أن هذا المفهوم هو ما “يثير استياء اليمين العنصري”.
كراهية ممنهجة ومتجذرة
وصفت وزيرة شؤون ما وراء البحار الفرنسية نعيمة موتشو تصريحات راخوي بأنها ليست “زلة لسان”، وإنما تعكس “كراهية ممنهجة ومتجذرة لفرنسا وما تمثله”، مضيفة أن “نفس الهواجس والإهانات العنصرية تعود إلى الظهور بعد كل فوز لفرنسا”، كما دعت الاتحاد الفرنسي لكرة القدم إلى سلوك جميع السبل القانونية بشأن هذه التصريحات، بعدما سبق للاتحاد أن تحرك قانونياً في قضية مشابهة.
وأوضحت السفارة الفرنسية في مدريد، في رسالة نشرتها عبر حساباتها الرسمية، أنها لا ترغب في الدخول في سجال، لكنها رأت ضرورة “التذكير بالحقائق”، مؤكدة أن جميع لاعبي المنتخب الفرنسي فرنسيون، وأن 23 لاعباً من أصل 26 ولدوا في فرنسا، في حين يحمل اللاعبون الثلاثة المولودون في الخارج الجنسية الفرنسية أيضاً.
ووصفت صحيفة “لوموند” الفرنسية تصريحات راخوي بأنها “عنصرية”، مضيفة أن المنتخب الفرنسي تعرض منذ انطلاق البطولة لعدة هجمات عنصرية استهدفت لاعبيه وهويته الوطنية.
وأكد رئيس الاتحاد الفرنسي لكرة القدم فيليب ديالو أن تصريحات راخوي “تحمل في طياتها نفحات عنصرية لا تطاق”، مضيفاً أن لاعبي المنتخب الفرنسي “لا يحملون أي شهادة جنسية من رئيس وزراء إسباني سابق”، وأن “المنتخب الفرنسي هو منتخب فرنسا”.
مواقف متبادلة
أدان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز تصريحات راخوي، مؤكداً أن هناك من “لا يزال يقيس الانتماء بالاسم الأخير أو مكان الميلاد أو لون البشرة”، في حين يقيسه آخرون “بجذورنا في هذا البلد ورغبتنا في الإسهام فيه، سواء بممارسة كرة القدم أو رعاية كبار السن أو تأسيس المشروعات”.
أضاف سانشيز أن “إسبانيا ملك لمن يحبونها ويعملون من أجلها، لا لمن يشوهونها بتصريحات معادية للأجانب”، قبل أن يختتم رسالته: “فرنسا، نراكم في نصف النهائي.. ليفز الفريق الأفضل، ولتُهزم العنصرية”.
ومن جانبها أشارت صحيفة “الغارديان” إلى أن رئيس الوزراء الإسباني ربط موقفه برفض كراهية الأجانب والدفاع عن مفهوم الانتماء القائم على المشاركة في المجتمع لا على الأصل أو لون البشرة.
وصف وزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي راخوي بأنه “أحمق ما بعد فرانكو”، كما شكك في مدى اعتداله، في واحدة من أبرز الانتقادات التي صدرت من داخل إسبانيا بحق رئيس الوزراء السابق.
ووصفت رئيسة إقليم إيل دو فرانس فاليري بيكريس، المنتمية إلى العائلة السياسية الأوروبية نفسها التي ينتمي إليها راخوي، تصريحاته بأنها “عنصرية بغيضة”، مؤكدة أنها تكشف “سوء فهمه التام لما يشكل روح الشعب الفرنسي”، وأضاف يورأكتيف أن بيكريس رأت أن تصريحات راخوي لا تعكس حقيقة المجتمع الفرنسي ولا مفهوم المواطنة الذي يقوم عليه.
استمرت الإدانات السياسية مع تأكيد مسؤولين فرنسيين أن الانتقادات الموجهة إلى المنتخب الفرنسي لا تستند إلى وضع قانوني أو جنسية اللاعبين، وإنما إلى أصولهم أو لون بشرتهم، وهو ما رفضوه بصورة قاطعة، مؤكدين أن المنتخب يمثل فرنسا وأن جميع لاعبيه مواطنون فرنسيون وفق القانون.
وقائع متكررة خلال البطولة
امتدت موجة الجدل إلى وقائع أخرى شهدتها البطولة، إذ ذكرت “نيويورك تايمز” أن مجلس الشيوخ في باراغواي أقر، في وقت سابق من الأسبوع، قراراً يدين “التصريحات التمييزية والعنصرية” التي أطلقتها السيناتور سيليست أماريلا ضد قائد المنتخب الفرنسي كيليان مبابي.
وصفت السيناتور سيليست أماريلا، وهي محامية تبلغ من العمر 61 عاماً، مهاجم المنتخب الفرنسي بأنه “كاميروني مستعمر”، وذلك عقب مباراة دور الـ16 التي جمعت فرنسا وباراغواي في 4 يوليو، كما سبق لها أن وجهت انتقادات إلى مبابي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مستشهدة بصورة له وهو يحتفل أمام حارس مرمى باراغواي أورلاندو جيل.
وكتبت: “هذا المتوحش لم يتعلم الكتابة قط.. بدلاً من حليب الأم، كان يرضع من جوز الهند، وأكثر المخلوقات ثقافة استمع إليها هي الشمبانزي”.
ووصف كيليان مبابي تلك التصريحات بأنها “حقيرة” و”عنصرية”، في حين أعلن الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، يوم الاثنين الماضي، أنه أبلغ النيابة العامة بهذه التصريحات “بهدف اتخاذ الإجراءات القانونية”.
وأضافت “نيويورك تايمز” أن صحيفة “ذا أثليتيك” سعت إلى الحصول على توضيح بشأن الجهة التي ستتولى هذه الإجراءات القانونية.
انتقد زعيم الحزب الشيوعي الفرنسي فابيان روسيل ما وصفه بـ”العنصرية الفجة” التي استهدفت المنتخب الفرنسي، معتبراً أن تصريحات أماريلا وراخوي تندرج ضمن السياق نفسه.
وقال: “أولاً سيناتور من باراغواي، والآن رئيس وزراء إسبانيا السابق، لا يسعهم إلا التعبير عن عنصرية فجة في محاولة لاستفزاز منتخبنا الفرنسي الجميل”.
ونشرت نائبة حاكم مقاطعة مندوزا الأرجنتينية هيبي كاسادو عبر حسابها على مواقع التواصل الاجتماعي تعليقاً قالت فيه: “أحسنت يا باراغواي.. المنتخب الإفريقي يفتقر إلى الأخلاق.. لا أطيق مبابي”، كما أعادت نشر تعليق للصحفي الأرجنتيني داميان دي بيس قال فيه إنه إذا فازت فرنسا بكأس العالم، “فعلينا أن نكون صادقين ونمنحها للاتحاد الإفريقي لكرة القدم”.
وصف السفير الفرنسي لدى الأرجنتين رومين نادال تصريحات كاسادو بأنها “عنصرية، وهذا أمر لا شك فيه”.
دعوات للمساءلة القانونية
رأت وزيرة شؤون ما وراء البحار الفرنسية نعيمة موتشو أن تكرار هذه التصريحات يبرهن على أن “نفس الهواجس العنصرية والإهانات” تظهر في كل مرة يحقق فيها المنتخب الفرنسي الفوز، مؤكدة أن الأمر لا يتعلق بـ”زلات لسان”، وإنما بـ”كراهية ممنهجة ومتجذرة لفرنسا وما تمثله”.
وطالبت الاتحاد الفرنسي لكرة القدم بـ”اتباع جميع السبل القانونية” في التعامل مع تصريحات راخوي، بعد تحركه السابق ضد تصريحات أماريلا.
وأكد رئيس الاتحاد الفرنسي لكرة القدم فيليب ديالو أن تصريحات راخوي “تحمل في طياتها نفحات عنصرية لا تطاق”، مضيفاً أنها “تثير تساؤلات حول المناخ البغيض الذي يولد مثل هذه الروائح الكريهة”، وشدد على أن لاعبي المنتخب الفرنسي “لا يحملون أي شهادة جنسية من رئيس وزراء إسباني سابق”، وأن “المنتخب الفرنسي هو منتخب فرنسا”.
وأشارت “الغارديان” إلى أن تصريحات راخوي قورنت بالهجوم العنصري الذي تعرض له كيليان مبابي من السيناتور الباراغوايانية، وهو ما دفع عدداً من السياسيين الفرنسيين إلى اعتبار أن ما يحدث لا يمثل وقائع منفصلة، بل سلسلة من التصريحات التي تستهدف المنتخب الفرنسي على خلفية أصول عدد من لاعبيه.
وأورد موقع “يورأكتيف” أن الإدانات لم تقتصر على المسؤولين الفرنسيين، إذ انضمت شخصيات سياسية إسبانية أيضاً إلى الانتقادات، في حين شددت السفارة الفرنسية في مدريد على حقيقة أن جميع لاعبي المنتخب يحملون الجنسية الفرنسية، ومنهم اللاعبون الثلاثة المولودون خارج فرنسا.
