كشفت التحولات الاقتصادية المتسارعة في ألمانيا عن أزمة متفاقمة داخل سوق العمل، بعد سنوات طويلة قُدمت خلالها البلاد باعتبارها واحدة من أكثر الاقتصادات الأوروبية استقرارًا وقدرة على توفير الوظائف، في وقت تجاوز فيه عدد العاطلين عن العمل ثلاثة ملايين شخص للمرة الأولى منذ 15 عامًا، وسط تصاعد المخاوف من تأثير الركود الصناعي وتجميد التوظيف على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية.
عكست الشابة الألمانية فاليري، البالغة من العمر 25 عامًا، حجم التحول الذي يشهده سوق العمل الألماني، بعدما وجدت نفسها عاجزة عن الحصول على وظيفة رغم امتلاكها تدريبًا مهنيًا في الاتصالات التسويقية وشهادة بكالوريوس في الإدارة الدولية.
قالت فاليري، وفقًا لصحيفة “فايننشيال تايمز”، إنها أرسلت أكثر من 120 طلب توظيف منذ نوفمبر الماضي، لكنها لم تحصل سوى على ثلاث مقابلات عمل فقط، دون تلقي أي عرض وظيفي، حتى إن تدريبها الحالي داخل إحدى شركات المحاسبة الأربع الكبرى لن يتحول إلى وظيفة دائمة.
وأضافت: “بدأت أشعر ببعض القلق حيال المستقبل.. لطالما قيل لنا إن سوق العمل الألماني مواتٍ لأصحاب العمل نظرًا لنقص العمالة الماهرة والتغيرات الديموغرافية”.
وعكست تجربة فاليري أزمة أوسع تضرب سوق العمل الألماني، بعدما تحوّلت البلاد من الحديث عن نقص العمالة إلى مواجهة ارتفاع متواصل في معدلات البطالة، نتيجة سنوات من الركود الاقتصادي والتراجع الصناعي.
انتهاء العقد الذهبي
اعتمد الاقتصاد الألماني لعقود على قوة قطاعي السيارات والصناعة التصديرية، مدعومًا بالطلب الخارجي، خاصة من الصين، إلى جانب تدفق العمال المهرة من دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، وهو ما جعل ألمانيا إحدى أقوى أسواق العمل في منطقة اليورو.
حذّر خبير سوق العمل هولجر شيفر، العامل في المعهد الاقتصادي الألماني، من انتهاء ما وصفه بـ”العقد الذهبي” بين عامي 2009 و2019، وهي الفترة التي شهدت نموًا قويًا في الوظائف وانخفاضًا ملحوظًا في معدلات البطالة.
سجلت ألمانيا ارتفاعًا في أعداد العاطلين عن العمل خلال 42 شهرًا من أصل آخر 48 شهرًا، بينما تجاوز عدد العاطلين ثلاثة ملايين شخص في أبريل الماضي، وهو رقم وصفته “فايننشيال تايمز” بأنه شديد الحساسية سياسيًا.
في المقابل، بلغ معدل البطالة المعدل موسميًا 5.9% خلال مايو الماضي، وفقًا لما أوردته “يورو نيوز”، وهو المستوى نفسه للشهر السادس على التوالي، بينما ارتفع إجمالي عدد العاطلين إلى 2.762 مليون شخص بزيادة بلغت 25 ألف شخص، متجاوزًا التوقعات التي أشارت إلى زيادة لا تتخطى 10 آلاف شخص.
وأشارت الشبكة الأوروبية إلى أن هذا الارتفاع يمثل الشهر السابع عشر على التوالي الذي يشهد زيادة في معدلات البطالة، في وقت يقترب فيه إجمالي عدد العاطلين من أعلى مستوياته خلال ثلاث سنوات.
ضغوط اجتماعية
حذّر مدير معهد أبحاث التوظيف بيرند فيتزنبرغر من دخول أكبر اقتصاد أوروبي في “دوامة هبوطية”، مع تزايد الضغوط على نظام الضمان الاجتماعي الذي يواجه بالفعل صعوبات متزايدة في تحمل تكاليفه.
وأوضح فيتزنبرغر أن ارتفاع البطالة يؤدي إلى بقاء العاطلين لفترات أطول دون عمل، فيما ينسحب بعضهم نهائيًا من سوق العمل، بالتزامن مع تراجع فرص الحصول على وظائف جديدة إلى مستويات لم تشهدها ألمانيا منذ جائحة كوفيد-19.
وأقرّت الحكومة الألمانية بوجود أزمة متفاقمة في سوق العمل، بعدما قال المستشار فريدريش ميرز، خلال حديثه مع أعضاء حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي العام الماضي، إن “دولة الرفاه، كما نعرفها اليوم، لم يعد بالإمكان تمويلها من اقتصادنا”.
وأضاف ميرز أن ارتفاع البطالة يمثل “دليلًا” على حاجة ألمانيا إلى إصلاحات اقتصادية وإدارية واسعة.
وتزايدت المخاوف السياسية والاجتماعية مع استمرار ارتفاع البطالة، خاصة في ظل إظهار استطلاعات الرأي أن أكثر من ثلث الناخبين في ألمانيا يدعمون أحزابًا شعبوية من اليمين واليسار.
من جانبه، ربط رئيس قسم الاقتصاد الكلي العالمي في بنك “آي إن جي” كارستن برزيسكي بين الركود الاقتصادي والتدهور المتأخر في سوق العمل، معتبرًا أن “التأثير المتأخر للركود الاقتصادي بدأ يظهر الآن”.
وتوقع برزيسكي ارتفاع عدد العاطلين بنحو 300 ألف شخص إضافي خلال العام الحالي، مع استمرار تداعيات صدمة أسعار الطاقة والحرب الإيرانية على الاقتصاد الألماني.
تعرضت الصناعات الألمانية الكبرى، خاصة السيارات والهندسة والكيماويات، لضغوط متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والعمالة والمنافسة الصينية، إضافة إلى تداعيات الحرب التجارية التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وأعلنت شركة “فولكس فاغن” نيتها الاستغناء عن 50 ألف وظيفة في ألمانيا بحلول عام 2030، بينما تخطط شركة “بوش” لخفض 22 ألف وظيفة خلال الفترة نفسها.
كما حذّرت الرابطة الألمانية لصناعة السيارات من احتمال فقدان 225 ألف وظيفة بحلول عام 2035، بزيادة قدرها 35 ألف وظيفة مقارنة بالتوقعات السابقة.
جيل عالق
أظهرت البيانات تراجعًا حادًا في فرص العمل الجديدة، خاصة أمام الشباب والباحثين عن وظائف للمرة الأولى، بعدما انخفض عدد الوظائف المبتدئة المعلن عنها خلال عام 2025 بنسبة 42% مقارنة بمتوسط السنوات الخمس الماضية.
وأكد مدير منطقة أوروبا الوسطى في شركة “رولاند بيرغر” تورستن هينزلمان أن الشباب وأصحاب المؤهلات العالية باتوا “عالقين في دوامة من الانتظار” بسبب صعوبة العثور على وظائف مناسبة.
وأضاف هينزلمان أن شركته تتلقى حاليًا ما يصل إلى ألف طلب شهري للتدريب الداخلي، وهو ارتفاع وصفه بالحاد مقارنة بالسنوات الماضية.
كما تراجعت الوظائف الشاغرة في ألمانيا بنسبة 26% منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، وفق بيانات الوكالة الفيدرالية للتوظيف.
وأرجعت “يورو نيوز” تفاقم الأزمة إلى استمرار ارتفاع التضخم وتكاليف المعيشة وأسعار الطاقة، إضافة إلى ضعف هوامش أرباح الشركات بعد الجائحة، ما دفع العديد منها إلى تجميد التوظيف أو تقليص العمالة.
وأشارت الشبكة الأوروبية إلى أن قطاع البناء يعد الأكثر تضررًا من موجات التسريح، خاصة مع تأجيل وإلغاء مشروعات عديدة بعد الجائحة، إلى جانب تأثير قوانين الطاقة الجديدة الخاصة بالمباني، والتي رفعت تكاليف التشييد.
كما أعلنت شركة “دويتشه بنك” نيتها تقليص 3500 وظيفة خلال عامين، بينما كشفت شركة “بي إيه إس إف” الكيميائية عن خطط لإغلاق مواقع ضعيفة الأداء وخفض نحو 2600 وظيفة في أوروبا.
ولم تقتصر الأزمة على الشباب فقط، إذ واجه المتحدث الصحفي فلوريان لامب، البالغ من العمر 49 عامًا، صعوبة كبيرة في العثور على وظيفة جديدة بعد فقدان عمله مطلع عام 2025.
وقال لامب إنه كان يعتقد أن خبرته وعلاقاته المهنية ستساعده على إيجاد وظيفة سريعًا، لكنه اضطر بعد قرابة عام من البحث إلى قبول وظيفة براتب أقل بكثير.
وأضاف: “كنت أعيش حياة أسرية هانئة ضمن الطبقة المتوسطة، لكن فجأة راودني هذا السيناريو المرعب بأن أصبح معتمدًا على المساعدات الاجتماعية بشكل دائم”.
