رُفع حظر السفر قضائياً، لكن الطريق إلى خارج الجزائر بقي مغلقا أمام الصحفي مصطفى بن جامع. ففي 16 أبريل/نيسان 2026 منعته شرطة الحدود من المغادرة رغم قرار رفع الحظر الصادر في مارس/آذار. وبعد خمسة أيام أوقفته الشرطة لفترة وجيزة وفتحت تحقيقا أوليا بعد سؤاله عن مصادر تقرير تناول واقعة إطلاق نار عام 2020، بحسب منظمة العفو الدولية.
تجمع الوقائع بين حقَين يمسان العمل الصحفي مباشرة، حرية التنقل وحماية المصادر. وتضع الضمانات القانونية أمام سؤال عملي عن قدرتها على حماية الصحفي أثناء جمع المعلومات ونشرها، وعن السبل المتاحة له عندما تستمر القيود رغم رفعها قضائيا.
وكانت محاكم قد أصدرت بحق بن جامع في فبراير/شباط ومارس/آذار 2026 أحكاما بالسجن مع وقف التنفيذ على خلفية عمله الصحفي ومنشوراته الناقدة، وفق بيان العفو الدولية الصادر في مايو/أيار. ولا تختصر قضيته واقع الصحافة الجزائرية، لكنها تتيح فحص الفجوة بين الحماية التي تقرها النصوص والإجراءات التي يواجهها العاملون في الإعلام.

ملاحقات تتجاوز العقوبة
تقول “العفو الدولية” إن منع بن جامع من السفر والتحقيق بشأن مصادره يندرجان ضمن مضايقات يتعرض لها بسبب عمله. وتكشف القضية أن أثر الملاحقة قد يتجاوز العقوبة إلى الاستدعاءات والتحقيقات وقيود التنقل، بما يثقل ممارسة الصحافة حتى خارج السجن.
وفي تقييمها لأوضاع الجزائر خلال 2025 قالت “هيومن رايتس ووتش” إن السلطات واصلت التضييق على الأصوات الناقدة وتجريم التعبير السلمي، ووثقت ملاحقات مرتبطة بمنشورات إلكترونية و العمل الصحفي.
كما ذكرت “العفو الدولية” في بيان بتاريخ 24 أبريل/نيسان 2025 أن السلطات اعتقلت وأدانت ما لا يقل عن 23 ناشطا وصحفيا خلال الأشهر الخمسة السابقة، خصوصا بسبب دعم حملة «مانيش راضي» التي انطلقت في ديسمبر/كانون الأول 2024 احتجاجا على الأوضاع الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية.
ويمثل الرقم حالات لناشطين وصحفيين معا، وليس حصيلة خاصة بالعاملين في الإعلام. لكنه يوضح امتداد المخاطر إلى التعبير عبر الحسابات الشخصية، ويجعل تحديد الصلة بين المنشور والاتهام والضرر المنسوب إليه ضرورة لتقييم كل ملاحقة.
ضمانات الدستور وحدود التطبيق
تكفل المادتان 51 و52 من الدستور الجزائري حرية الرأي والتعبير. وتضمن المادة 54 حرية الصحافة المكتوبة والسمعية البصرية والإلكترونية وحماية استقلال الصحفي والسر المهني، وعدم معاقبة جنحة الصحافة بعقوبة سالبة للحرية.
وتكفل المادة 49 حق الدخول إلى التراب الوطني والخروج منه، وتربط تقييده بقرار معلل من السلطة القضائية ولمدة محددة، بحسب الدستور المنشور في الجريدة الرسمية. وبذلك يثير استمرار منع بن جامع بعد رفع الحظر، وفق رواية “العفو الدولية“، سؤالا عن أساس المنع وكيفية تنفيذ القرار القضائي.
أما ضمانة عدم السجن في جنح الصحافة فتفتح سؤالاً عن التكييف القانوني للوقائع: متى تعامل باعتبارها جنحة صحافة، ومتى تلاحق بموجب نصوص جنائية أخرى؟ فالصفة المهنية لا تعفي الصحفي من المسؤولية، لكن تسمية الاتهام لا تحسم وحدها مدى توافق الملاحقة مع حرية التعبير.
القيود القانونية ومعيار مشروعيتها
يقرر القانون العضوي 23-14 المتعلق بالإعلام، الصادر في أغسطس/آب 2023، ممارسة النشاط الإعلامي بحرية مع احترام اعتبارات تشمل السيادة والوحدة الوطنية والأمن والدفاع الوطني وكرامة الأشخاص والمصالح الاقتصادية. ويقر السر المهني حقاً للصحفي بموجب المادة 27 في إطار التشريع والتنظيم الساريين.
ويكمن التحدي في تحديد نطاق القيود وكيفية تطبيقها، خصوصاً عند تغطية الوقائع الأمنية أو الفساد أو أداء المؤسسات. فالجزائر طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي تحمي مادته 19 التماس المعلومات وتلقيها ونقلها، وتجيز قيوداً يحددها القانون وتكون ضرورية ومتناسبة لحماية أغراض مشروعة.
وعليه يحتاج تقييم الإجراء إلى معرفة النص المستخدم والخطر المحدد الذي يستهدف منعه، ومدى تناسبه مع الفعل المنسوب إلى الصحفي، بدل الاكتفاء بالإحالة العامة إلى الأمن أو المصلحة الوطنية.

حماية المصادر تحت الاختبار
تسمح سرية المصادر بوصول معلومات ذات مصلحة عامة إلى الصحافة، خصوصاً عندما يخشى أصحابها فقدان وظائفهم أو التعرض للانتقام. ولذلك قد يمتد أثر التحقيق بشأن مصدر إلى أشخاص يترددون مستقبلاً في تقديم المعلومات.
وفي تعليقاتها المقدمة للأمم المتحدة على تقرير المقرر الخاص المعني بحرية التجمع وتكوين الجمعيات، استندت الحكومة الجزائرية إلى الضمانات الدستورية وقانون الإعلام، وأكدت حماية السر المهني وتوافق القيود مع المادة 19 من العهد الدولي.
يمثل ذلك موقفاً رسمياً عاماً، وليس رداً على وقائع بن جامع في أبريل/نيسان 2026. كما أن سؤاله عن مصادره لا يثبت بمفرده إلزامه بكشفها، فتحديد مدى المساس بالحماية يتطلب معرفة طبيعة الأسئلة والأساس القانوني للتحقيق والضمانات المتاحة له.

شهادات حقوقية ومخاوف متواصلة
يقدر رشيد عوين، مدير منظمة «شعاع» لحقوق الإنسان، عدد معتقلي الرأي في الجزائر بأكثر من 230 شخصا في تصريح لـ«صفر».. وهو تقدير منسوب إلى المنظمة يشمل فئات أوسع من الصحفيين، ولا يتيح التصريح وحده تحديد فترة الإحصاء أو معايير إدراج الحالات.
وينتقد عوين ما يصفه باستخدام ترسانة قانونية لتقييد الحريات، خصوصا المادة 87 مكرر من قانون العقوبات، معتبرا أن أحكام مكافحة الإرهاب قد تستخدم لملاحقة التعبير والنقد والعمل الحقوقي والصحفي السلمي.
ومن جهته يرى الكاتب الحقوقي والباحث المتخصص في الشأن المغاربي والإفريقي عائد عميرة، في تصريح خاص لـ«صفر»، أن مساحة الرأي والتعبير أصبحت محدودة وأن التضييق طال الأصوات المعارضة والمخالفة.
ويحذر من موسمية الاهتمام بالحريات عند صدور التقارير الدولية، داعيا إلى متابعة مستمرة لقضايا الصحافة والتعبير واستقلال القضاء. وتحتاج هذه المتابعة إلى ربط التقييمات العامة بالتهم والأدلة والأحكام ونتائج الطعون.
حرية الصحفي وحق الجمهور في المعرفة
في قضية بن جامع يبقى السؤال محدداً: لماذا استمر المنع بعد رفع حظر السفر، وما الأساس القانوني للتحقيق بشأن مصادر تقريره؟ والإجابة الموثقة تربط الضمانات الدستورية بقدرة الصحفي على استخدامها لحماية عمله.
وتمتد هذه الحماية إلى الجمهور، فكل قيد غير مبرر على جمع المعلومات أو نشرها قد يحجب وقائع يحتاج إليها الناس لفهم أداء المؤسسات ومساءلتها. ومن هنا تقاس حرية الصحافة بقدرة الصحفي على الوصول إلى المعلومة ونقلها، وبوجود ضمانات فعالة تتيح له الاعتراض عندما تضيق أمامه المساحة التي يكفلها القانون.
