تشهد المياه الواقعة جنوب جزيرتي كريت وغافدوس اليونانيتين تصاعداً لافتاً في عمليات إنقاذ واعتراض قوارب مهاجرين انطلقت، وفق إفادات الناجين والسلطات اليونانية، من مدينة طبرق في شرق ليبيا.
وخلال أيام قليلة، تحولت المنطقة إلى نقطة ضغط جديدة على مسار الهجرة عبر المتوسط، بعدما رُصدت عدة قوارب مكتظة تقل مئات الأشخاص، بعضهم قضى أياماً في البحر، وآخرون وصلوا في حالة إنهاك وخوف بعد رحلة طويلة وغير آمنة.
ولا تعكس هذه الحوادث مجرد زيادة رقمية في الوافدين إلى اليونان، بل تكشف تحولاً أعمق في طرق الهجرة. فمع تشديد الرقابة على المسارات التقليدية من غرب ليبيا نحو إيطاليا، وتزايد عمليات الاعتراض في البحر، بدأت شبكات التهريب تدفع مزيداً من الأشخاص نحو مسار أطول وأكثر خطورة باتجاه جنوب اليونان، خصوصاً كريت وغافدوس.
وبحسب صحيفة كاثيميريني اليونانية، أُنقذ 123 مهاجراً إضافياً في يوم واحد جنوب كريت، بعد أن واجهت قوارب صغيرة صعوبات أثناء عبورها المتوسط من شمال إفريقيا.
وأشارت الصحيفة إلى أن مئات الأشخاص، معظمهم من الشرق الأوسط وإفريقيا، سلكوا المسار نفسه من شرق ليبيا خلال الأيام الأخيرة، بعد دفع مبالغ لشبكات تهريب لنقلهم إلى كريت، كما ذكرت أن أكثر من 3 آلاف شخص وصلوا إلى كريت منذ بداية عام 2026،ما يقارب ثلث إجمالي الوافدين إلى اليونان.
مسار أكثر خطورة
تظهر الوقائع الأخيرة أن المسار البحري من طبرق إلى كريت وغافدوس لم يعد هامشياً. فالقوارب التي تنطلق من شرق ليبيا تقطع مسافة أطول بكثير من المسارات الأقرب إلى الجزر اليونانية في بحر إيجه، وغالباً ما تكون مكتظة، ضعيفة التجهيز، وتفتقر إلى الوقود أو معدات السلامة.
وسجلت السلطات اليونانية عدة عمليات متتالية جنوب كريت وغافدوس، بينها قوارب حملت عشرات الرجال والقصر والنساء.
ووفق الروايات الواردة في المادة، قال عدد من المهاجرين إنهم دفعوا مبالغ تراوحت بين 1747 و1881 يورو مقابل العبور، في حين تشير كاثيميريني إلى أن المهربين يتقاضون عادة بين 1500 و6000 دولار عن كل راكب على هذا المسار.
وتكمن خطورة هذا الطريق في أن الرحلة قد تمتد أياماً في عرض البحر، حيث يصبح أي عطل في المحرك أو نقص في الوقود أو تغير في الطقس خطراً مباشراً على الحياة.
وفي نهاية أبريل، أعلنت الأمم المتحدة أن قارباً يحمل 33 مهاجراً سودانياً انطلق من طبرق باتجاه اليونان انقلب قرب الساحل الليبي، ما أدى إلى وفاة 17 شخصاً وفقدان 9 آخرين، في حين نجا 7 فقط بعد أيام في البحر، وبعض الضحايا ماتوا من الجوع والعطش، وفق المنظمة الدولية للهجرة.
ليبيا نقطة احتجاز
لا تبدأ مأساة هؤلاء المهاجرين عند صعودهم إلى القوارب. فليبيا نفسها أصبحت، وفق تقارير أممية، بيئة شديدة الخطورة للمهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء.
وخلص تقرير مشترك لمفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى أن المهاجرين في ليبيا يتعرضون لنمط “عنيف ومنهجي” من الانتهاكات، يشمل القتل، والتعذيب، والعنف الجنسي، والاتجار، والاحتجاز التعسفي.
ويصف التقرير الأممي ما يجري بأنه “نموذج تجاري عنيف” يقوم على استغلال هشاشة المهاجرين، حيث يجري جمعهم أو اختطافهم من شبكات إجرامية، بعضها له صلات بسلطات أو جهات محلية، ثم نقلهم إلى مرافق احتجاز رسمية أو غير رسمية دون إجراءات قانونية، وغالباً تحت تهديد السلاح.
وفي أماكن الاحتجاز، يتعرضون للعبودية، والعمل القسري، والتعذيب، والابتزاز، والعنف الجنسي، ومصادرة الوثائق والممتلكات.
وهذا يعني أن قرار ركوب البحر لا يكون دائمًا اختياراً حراً بالمعنى الكامل؛ فكثيرون يجدون أنفسهم محاصرين بين خطر البقاء في ليبيا وخطر عبور المتوسط.
وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة الرحلة إلى كريت باعتبارها “هجرة غير نظامية” فقط، بل حركة هروب من منظومة انتهاكات تتداخل فيها شبكات تهريب واحتجاز واستغلال وعنف.
أرقام الوافدين
تشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الخاصة باليونان إلى أن عدد الوافدين بحراً منذ بداية عام 2026 بلغ 5,615 شخصاً حتى تحديث 3 مايو 2026.
وبلغ عدد الوافدين براً عبر الحدود 1,974 شخصاً وفق التحديث نفسه، كما تشير بيانات المفوضية إلى أن كريت وغافدوس أصبحتا من أبرز نقاط الوصول خلال هذا العام.
وتفيد كاثيميريني بأن إجمالي من دخلوا اليونان بصورة غير نظامية هذا العام بلغ نحو 8,500 شخص عبر البحر والبر، منهم نحو 6,400 وصلوا في قوارب صغيرة من الساحل التركي القريب أو عبر الرحلة الأطول من شرق ليبيا، في حين عبر الباقون الحدود البرية في منطقة إيفروس شمال شرقي البلاد.
كما أورد موقع Greek City Times أن السلطات سجلت 588 وافداً إلى كريت خلال يومين فقط، مع استمرار عمليات الإنقاذ جنوب غافدوس، ما يعكس ضغطاً متزايداً على هياكل الاستقبال المحلية وخدمات الطوارئ في الجزيرة.
شبكات تهريب متحولة
تكشف إفادات المهاجرين عن دور متصاعد لشبكات التهريب في شرق ليبيا، خاصة في محيط طبرق وبنغازي، وتصف المادة مسارات معقدة يصل فيها أشخاص من دول بعيدة مثل بنغلادش وباكستان وأفغانستان والسودان ومصر، مروراً بدول أخرى، قبل أن ينتهي بهم الأمر في شرق ليبيا، حيث يكتشف بعضهم أن وعد العمل كان مجرد مدخل للاستغلال.
وتُظهر عمليات التوقيف التي أعلنتها السلطات اليونانية أن بعض الأشخاص الذين كانوا على متن القوارب اتُّهموا بتسهيل الرحلات أو قيادة القوارب.
غير أن البعد الحقوقي هنا يقتضي الحذر؛ فكثيراً ما تُحمّل شبكات التهريب مهاجرين فقراء مسؤولية قيادة القارب مقابل تخفيض كلفة الرحلة أو تحت ضغط وتهديد، ثم يُعاملون لاحقاً بوصفهم مهربين رئيسيين. لذلك، فإن التحقيقات يجب أن تميز بين رؤوس الشبكات ومن جرى استغلالهم في الحلقة الأخيرة من الرحلة.
وتشير الوقائع إلى أن المهربين يستفيدون من الانقسام السياسي والأمني في ليبيا، ومن ضعف الرقابة على السواحل الشرقية، ومن حاجة المهاجرين إلى مغادرة بيئات شديدة العنف.
وكلما ضاقت الطرق التقليدية، فتحت الشبكات طرقاً طولى وأكثر خطورة، ما يجعل سياسات الردع الأوروبية جزءاً من معادلة المخاطر بدل أن تكون حلاً نهائياً لها.
حدود الردع
أعلنت اليونان خلال السنوات الأخيرة إجراءات أكثر تشدداً في مواجهة الوافدين من شمال إفريقيا، وسبق أن أقر البرلمان اليوناني في يوليو 2025 تعليقاً مؤقتاً لمعالجة طلبات اللجوء للقادمين بحراً من شمال إفريقيا، رغم انتقادات أممية وحقوقية حادة.
وذكرت وكالة أسوشيتد برس أن مفوضية اللاجئين أعربت عن “قلق عميق”، مؤكدة أن إدارة الحدود يجب أن تتم بما يتوافق مع القانونين الدولي والأوروبي، في حين قال مفوض حقوق الإنسان في مجلس أوروبا إن الإجراء قد يشرعن إعادة أشخاص إلى خطر التعذيب والانتهاكات الجسيمة.
وفي مايو 2026 حذر وزير الهجرة اليوناني ثانوس بليفريس من أن السلطات اليونانية تقدّر وجود نحو 550 ألف مهاجر ولاجئ في ليبيا ينتظرون فرصة عبور المتوسط، مشيراً إلى أن أثينا تعمل مع فرونتكس والسلطات الليبية لتعطيل شبكات التهريب ورصد القوارب مبكراً ومنع انطلاقها.
غير أن هذا الرقم يبقى تقديراً يونانياً، في حين تشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن إجمالي عدد المهاجرين الموجودين في ليبيا بلغ 939,638 شخصاً في نوفمبر وديسمبر 2025، ولا يعني ذلك أن جميعهم يستعدون لعبور فوري إلى أوروبا.
وتطرح هذه السياسات سؤالاً حقوقياً حساساً: هل يؤدي منع الانطلاق أو الاعتراض في البحر إلى حماية الأرواح فعلاً، أم يدفع المهاجرين إلى طرق أطول وأكثر سرية وأكثر فتكاً؟ التجربة المتكررة في المتوسط تشير إلى أن الردع وحده لا يوقف الهجرة، بل يغير مساراتها ويزيد اعتماد الناس على المهربين.
إنقاذ لا يكفي
تُظهر العمليات الأخيرة أن قدرات البحث والإنقاذ في جنوب اليونان باتت أكثر أهمية من أي وقت مضى، فكل قارب يُرصد جنوب كريت أو غافدوس قد يكون على بعد ساعات من كارثة إذا تعطل المحرك أو نفد الوقود أو ساء الطقس. لكن الإنقاذ، رغم أهميته، لا يعالج جذور الأزمة.
فالمنظمة الدولية للهجرة قالت في أبريل 2026 إن البحر المتوسط سجل أحد أكثر البدايات فتكاً منذ عام 2014، مع تسجيل ما لا يقل عن 990 وفاة في المتوسط منذ بداية العام حتى أوائل أبريل، كما أشارت في فبراير إلى أن 606 مهاجرين كانوا قد ماتوا أو فُقدوا بالفعل خلال أول شهرين فقط من عام 2026.
وفي البحر نفسه، تزداد المخاطر بسبب التوترات مع عمليات الإنقاذ الإنسانية، فقد قالت منظمة Sea-Watch إن سفناً مرتبطة بخفر السواحل الليبي أطلقت النار في 11 مايو 2026 على سفينة إنقاذ إنسانية بعد إنقاذ نحو 90 مهاجراً من قارب خشبي مكتظ في المتوسط، وهي واقعة أبرزت المخاطر التي تواجه المنقذين والناجين على السواء داخل منطقة البحث والإنقاذ الليبية.
ومن منظور إنساني، لا يمكن اختزال هؤلاء الأشخاص في أرقام وصول أو “ضغط حدودي”، بينهم رجال هاربون من حروب وانهيارات اقتصادية، ونساء معرضات للاستغلال، وقُصّر يركبون البحر بلا حماية، وأشخاص ربما تعرضوا للاحتجاز والتعذيب والابتزاز في ليبيا قبل الرحلة.
وتفرض القواعد الدولية على الدول التزاماً بإنقاذ الأرواح في البحر، وعدم إعادة الأشخاص إلى أماكن قد يتعرضون فيها للتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، لذلك، فإن أي تعاون أوروبي أو يوناني مع السلطات الليبية يجب أن يخضع لاختبار حقوقي واضح: هل يؤدي إلى حماية الناس، أم إلى إعادتهم إلى نظام احتجاز وانتهاكات وثقته الأمم المتحدة نفسها؟
وتزداد أهمية هذا السؤال لأن اعتراض القوارب أو منعها من الوصول لا ينهي الحاجة إلى الحماية، فالأشخاص الذين يُعادون إلى ليبيا قد يجدون أنفسهم مرة أخرى داخل مراكز احتجاز أو شبكات ابتزاز، ما يدفعهم إلى محاولة العبور مجدداً، غالباً في ظروف أشد خطورة.
ضغط على كريت
تواجه كريت وغافدوس تحدياً محلياً متزايداً، فالجزر الجنوبية لم تكن تاريخياً نقطة الاستقبال الرئيسية مقارنة بجزر بحر إيجه القريبة من تركيا، ولذلك فإن الارتفاع السريع في الوافدين يضغط على مراكز الإيواء المؤقتة، والسلطات المحلية، وخدمات الصحة، والشرطة، والإدارة. وتقول تقارير يونانية إن السلطات المحلية باتت في حالة تعبئة مستمرة بسبب تدفق القوارب نحو جنوب كريت وغافدوس.
لكن التعامل مع الضغط المحلي يجب ألا يتحول إلى خطاب تجريم جماعي للوافدين، فالتوتر بين قدرات الاستقبال المحدودة والحاجة الإنسانية الحادة يتطلب دعماً أوروبياً متوازناً، يشمل تقاسم المسؤولية، وتوسيع الاستقبال اللائق، وتسريع إجراءات اللجوء العادلة، وحماية القاصرين والنساء والناجين من التعذيب.
كما أن نقل الوافدين إلى البر الرئيسي أو مراكز مغلقة ينبغي ألا يتم على حساب الحق في طلب اللجوء أو الوصول إلى المساعدة القانونية والطبية والنفسية. فالاستجابة السريعة يجب أن تكون إنسانية بقدر ما هي إدارية.
وتُظهر هذه الموجة الجديدة أن ليبيا لا تزال في قلب مأساة الهجرة المتوسطية، فالفوضى السياسية، والانقسام بين سلطتين، وانتشار المجموعات المسلحة، وضعف سيادة القانون، كلها عوامل تجعل البلاد بيئة خصبة لشبكات التهريب والاتجار بالبشر، وفي المقابل، تدفع الحروب والفقر وانسداد المسارات القانونية للهجرة واللجوء آلاف الأشخاص إلى قبول رحلات شديدة الخطورة.
ولذلك، فإن الحل لا يمكن أن يقتصر على مزيد من الدوريات أو الاتفاقات الأمنية، المطلوب هو مسارات حماية قانونية، وإجلاء إنساني للفئات الأشد هشاشة من ليبيا، ومحاسبة شبكات الاتجار، ووقف الدعم غير المشروط لأي جهة متورطة في انتهاكات، وتوسيع برامج إعادة التوطين ولمّ الشمل والعمل الموسمي المنظم.
كلما غابت البدائل الآمنة، سيبقى البحر هو الطريق الوحيد أمام من لا يستطيع البقاء ولا يملك تأشيرة ولا يجد حماية، وفي هذه الحالة، يتحول المتوسط من حدود سياسية إلى مقبرة مفتوحة.

