منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من العبور الجماعي إلى الوصم الإلكتروني.. كيف تحوّلت أزمة سبتة إلى حملة تستهدف المغاربة في أوروبا؟

03 أغسطس 2026
عبور المهاجرين الجماعي إلى سبتة
عبور المهاجرين الجماعي إلى سبتة

لم تتوقف تداعيات العبور الجماعي نحو مدينة سبتة عند الحدود الفاصلة بين المغرب وإسبانيا، بل امتدت سريعاً إلى الفضاء الرقمي، حيث رصدت منظمات حقوقية تصاعداً ملحوظاً في المحتوى الذي يستهدف المغاربة بخطابات الكراهية والتمييز والتحريض على أساس الجنسية والأصل، في تطور أثار مخاوف من انتقال آثار الأزمة الإنسانية إلى موجة وصم جماعي قد تطال ملايين المغاربة المقيمين في أوروبا.

وأوضح معهد بروميثيوس للديمقراطية وحقوق الإنسان والمجلس المدني لمناهضة جميع أشكال التمييز، في نشرة يقظة خاصة، أن الأحداث التي أعقبت موجة العبور الجماعي نحو سبتة شهدت انتشاراً واسعاً لمضامين رقمية تنطوي على التمييز والعنصرية ومناهضة الأجانب، محذرين من أن هذه الخطابات لا تستهدف الأشخاص الذين حاولوا العبور فقط، بل تمتد إلى الجالية المغربية في عدد من الدول الأوروبية.

1245 منشوراً تحت المجهر

أكد معهد بروميثيوس للديمقراطية وحقوق الإنسان والمجلس المدني لمناهضة جميع أشكال التمييز أن فريق الرصد حلل 1245 منشوراً ومقطع فيديو وتعليقاً جُمعت خلال الفترة الممتدة بين 29 و31 يوليو 2026، على منصات إكس وفيسبوك وإنستغرام وتيك توك ويوتيوب، إلى جانب متابعة محتوى الصحافة الرقمية والتصريحات العامة باللغات الإسبانية والإيطالية والفرنسية والعربية والإنجليزية.

وأوضح التقرير أن عملية الرصد لم تقتصر على منصات التواصل الاجتماعي، بل شملت أيضاً المواقف السياسية والمؤسساتية في عدد من الدول الأوروبية، مع التركيز على التصريحات الرسمية الصادرة في إيطاليا وردود الفعل المسجلة في إسبانيا، نظراً لما يمكن أن تتركه من تأثير مباشر على النقاشات العامة المتعلقة بالهجرة والمهاجرين.

 وأظهرت النتائج الأولية ارتفاعاً في المضامين التي تغذي الصور النمطية السلبية، وتدفع نحو خطاب يقوم على التعميم وتجريد الأشخاص من إنسانيتهم.

من نقد السياسات إلى استهداف البشر

أوضح معهد بروميثيوس أن جزءاً من الخطاب المتداول تجاوز حدود النقاش المشروع بشأن سياسات الهجرة، ليتحول إلى استهداف مباشر للأشخاص بسبب جنسيتهم أو أصولهم، من خلال ربط المغاربة بصورة جماعية بالهجرة غير النظامية أو تصويرهم باعتبارهم تهديداً أمنياً أو ديموغرافياً.

وأضاف التقرير أن هذا التحول يعكس نمطاً من الخطابات التمييزية التي تعتمد التعميم والوصم، وهو ما يثير مخاوف من انتقالها من الفضاء الرقمي إلى ممارسات تمييزية في الحياة اليومية، سواء في أماكن العمل أو التعليم أو الخدمات العامة أو داخل المجتمعات الأوروبية التي تضم جاليات مغربية كبيرة.

النساء في مرمى العنف الرقمي

لفت المجلس المدني لمناهضة جميع أشكال التمييز إلى وجود بعد قائم على النوع الاجتماعي داخل المحتوى الذي جرى رصده، حيث تعرضت النساء والفتيات اللواتي ظهرن في مقاطع فيديو العبور لتعليقات استهدفت مظهرهن وملابسهن وأخلاقهن المفترضة.

وأشار المجلس إلى أن هذه المضامين تمثل شكلاً من أشكال التمييز التقاطعي، إذ يجتمع التمييز على أساس الأصل القومي مع التمييز القائم على النوع الاجتماعي، ما يزيد من احتمالات تعرض النساء والفتيات للتشهير والتحرش والعنف الرقمي. ودعا إلى احترام الحق في الخصوصية وعدم إعادة تداول الصور أو المقاطع التي قد تؤدي إلى وصم الأشخاص أو تعريضهم للأذى.

تحذيرات من آثار اجتماعية طويلة

أعرب فريق الرصد التابع لمعهد بروميثيوس والمجلس المدني لمناهضة جميع أشكال التمييز عن قلقه من أن يؤدي استمرار هذه الخطابات إلى ترسيخ مواقف عدائية تجاه الرعايا المغاربة في أوروبا، بما يفتح المجال أمام سلوكيات تقوم على الرفض والإقصاء والتمييز، حتى تجاه أشخاص لا علاقة لهم بأحداث سبتة.

وأكد التقرير أن التجارب السابقة أظهرت أن تصاعد خطاب الكراهية على الإنترنت غالباً ما ينعكس على الواقع الاجتماعي، ويؤدي إلى زيادة احتمالات التمييز والاعتداءات اللفظية والجسدية ضد الفئات المستهدفة، الأمر الذي يستدعي استجابة مبكرة من الحكومات والمنصات الرقمية ومؤسسات المجتمع المدني.

الأمم المتحدة تحذر من الكراهية الرقمية

أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، خلال إطلاق خطة عمل مسقط لمكافحة خطاب الكراهية، أن خطاب الكراهية يمثل خطراً متزايداً على السلم والأمن، وأن المنصات الرقمية تضاعف سرعة انتشاره على نطاق غير مسبوق، داعياً الدول إلى مساءلة شركات التكنولوجيا وتعزيز حماية المستخدمين من المحتوى المحرض على الكراهية والعنف.

كما شددت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في مناسبات متعددة على أن تجريد جماعات بشرية من إنسانيتها، أو استهدافها بسبب الأصل أو الجنسية، يمثل أحد مؤشرات الإنذار المبكر التي تستوجب تحركاً سريعاً لمنع تصاعد التمييز والعنف، مع التأكيد على ضرورة احترام حرية التعبير دون السماح باستخدامها لتبرير التحريض على الكراهية.

حماية قانونية دولية

يحظر القانون الدولي جميع أشكال التمييز العنصري والتحريض على الكراهية. وتنص الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري على التزام الدول باتخاذ إجراءات فعالة لمنع التحريض القائم على العرق أو الأصل القومي أو الإثني، بينما يكفل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حرية التعبير مع السماح بفرض قيود قانونية على الدعوات التي تحرض على الكراهية أو التمييز أو العنف.

كما يؤكد الاتحاد الأوروبي، من خلال تشريعاته الخاصة بالخدمات الرقمية ومدونات السلوك المتعلقة بمكافحة خطاب الكراهية، مسؤولية المنصات الرقمية عن الحد من انتشار المحتوى غير القانوني، مع احترام الحقوق الأساسية وحرية التعبير.

أزمة إنسانية تتجاوز الحدود

جاءت هذه الموجة الرقمية بعد إعلان السلطات الإسبانية احتواء تدفق المهاجرين إلى سبتة، حيث أفادت وزارة الداخلية الإسبانية بأن أكثر من 48 ألفاً و300 شخص عادوا إلى المغرب حتى مساء الجمعة، بينما تجاوز عدد الذين عبروا المدينة 50 ألفاً، وقدر رئيس حكومة سبتة العدد بنحو 60 ألف شخص.

كما ارتفعت حصيلة الضحايا إلى 57 قتيلاً، وسط استمرار عمليات البحث عن مفقودين، ما حول الأزمة إلى واحدة من أكبر موجات العبور الجماعي التي شهدتها الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأخيرة.

تعد الجالية المغربية واحدة من أكبر الجاليات الأجنبية في أوروبا، وتشكل الهجرة أحد أكثر الملفات حضوراً في النقاشات السياسية الأوروبية، خصوصاً مع صعود الأحزاب اليمينية المتشددة في عدد من الدول.

وأظهرت تقارير صادرة عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأخيرة أن الأزمات المرتبطة بالهجرة غالباً ما تترافق مع ارتفاع خطاب الكراهية والمعلومات المضللة على المنصات الرقمية، وهو ما يدفع المؤسسات الأممية والحقوقية إلى المطالبة بتعزيز آليات الرصد، ومحاسبة المحرضين، وحماية الفئات المستهدفة، وضمان ألّا تتحول الأزمات الإنسانية إلى مبرر للتمييز الجماعي أو الوصم على أساس الجنسية أو الأصل.