في بعض المناطق، لم يعد الجفاف يعني فقط غياب المطر، بل غياب القدرة على البقاء، فالتغير المناخي لم يعد قضية بيئية مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة أو تبدّل الفصول فحسب، بل أصبح تهديدًا مباشرًا لأنماط حياة كاملة تعتمد على الأرض والمياه والمواسم الطبيعية كمصدر أساسي للاستقرار والعيش.
وبين الجفاف والتصحر وندرة المياه، تواجه المجتمعات الزراعية والبدوية ضغوطًا متزايدة تدفع بعضها إلى النزوح، أو التخلي التدريجي عن أنماط عيش تقليدية استمرت لعقود.
ومع تصاعد الأزمات المناخية، لم تعد الآثار تقتصر على تراجع الإنتاج الزراعي، بل امتدت إلى الأمن الغذائي، والاستقرار الاجتماعي، والهوية الثقافية للمجتمعات المرتبطة بالرعي والزراعة الموسمية.
يركز هذا التقرير على الأردن والصومال وتشاد لأنها تمثل نماذج مختلفة لمجتمعات تعتمد بدرجات متفاوتة على الزراعة التقليدية أو الرعي أو المياه الموسمية، ولأنها تواجه أصلًا تحديات اقتصادية وسياسية ومائية تجعل التكيف مع الجفاف والتصحر والفيضانات أكثر صعوبة.
وتكشف هذه النماذج كيف يمكن للتغير المناخي أن يتحول من أزمة بيئية إلى عامل يعيد تشكيل المجتمع والاقتصاد والهجرة الداخلية.
الأرض لم تعد مستقرة
باتت ظواهر الجفاف والتصحر وتدهور الأراضي تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي والبيئي في مناطق واسعة من العالم، خصوصًا داخل المجتمعات الزراعية والبدوية التي تعتمد على الأمطار والمراعي الطبيعية.
وتؤكد الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ IPCC في تقريرها الخاص بتغير المناخ والأراضي أن هشاشة نظم الرعي تتفاقم بفعل عوامل غير مناخية أيضًا، مثل ضعف حقوق حيازة الأرض، وتغير المؤسسات التقليدية، وغياب الأسواق، والنزاعات.
وتشير الهيئة كذلك إلى أن تمكين النساء وإشراك المجتمعات المحلية والسكان الأصليين في إدارة الأراضي يمكن أن يعزز الأمن الغذائي والإدارة المستدامة للأراضي، لأن النساء أكثر تعرضًا لآثار تغير المناخ في كثير من البيئات الريفية.
وفي المنطقة العربية والقرن الإفريقي والساحل، تبدو التداعيات أكثر وضوحًا بسبب الاعتماد الواسع على الزراعة المطرية والرعي التقليدي، في ظل تراجع انتظام الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة، وتزايد موجات الجفاف والفيضانات.
ندرة المياه تضغط على الزراعة
في الأردن، تظهر الأزمة بوضوح في قطاع المياه والمراعي؛ فالمملكة تُعد من أكثر دول العالم فقرًا بالمياه، وتعتمد على موارد محدودة تشمل المياه الجوفية والأمطار ونهر الأردن والسدود.
ويشير البنك الدولي إلى أن تغير المناخ يفاقم شح المياه في الأردن، وأن فترات الجفاف في 2021 و2022 أدت إلى تقنين المياه وانخفاض الخدمة في بعض الحالات إلى نحو 70 لترًا للفرد يوميًا.
كما يمثل قطاع المراعي عنصرًا أساسيًا في النظم البيئية والاقتصاد الريفي. وتوضح استراتيجية المراعي الأردنية أن المراعي الطبيعية تشكل مصدرًا مهمًا لتغذية الثروة الحيوانية، رغم التدهور الذي أصاب الموارد الرعوية خلال العقود الماضية.
ومع تراجع الغطاء النباتي وزيادة الضغط على المياه، تصبح المجتمعات الرعوية والزراعية أكثر هشاشة، إذ يضطر مربو المواشي إلى تقليل القطعان أو شراء الأعلاف بأسعار أعلى أو الانتقال إلى مناطق أخرى بحثًا عن الماء والمرعى. ومع الوقت، لا تتغير سبل العيش فقط، بل تتغير العلاقة التاريخية بين الإنسان والأرض.
الزراعة تحت الضغط
توضح منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO في كتابها الإحصائي لعام 2024 أن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المرتبطة بالنظم الزراعية والغذائية ارتفعت بنسبة 10% بين عامي 2000 و2022، وأن انبعاثات “بوابة المزرعة” زادت بنسبة 15% خلال الفترة نفسها، مع مساهمة الثروة الحيوانية بنحو 54% من هذه الانبعاثات.
ولا تعني هذه الأرقام أن المزارعين والرعاة الصغار هم المسؤولون الرئيسيون عن الأزمة، بل تكشف حجم التداخل بين الغذاء والمناخ. فالزراعة تتأثر بالمناخ وتسهم في الانبعاثات في الوقت نفسه، بينما يبقى صغار المزارعين والرعاة من أكثر الفئات تعرضًا للخسائر عند وقوع الجفاف أو الفيضانات أو ارتفاع أسعار الأعلاف والحبوب.
وتشير بيانات أخرى للفاو إلى أن انبعاثات النظم الزراعية والغذائية بلغت عام 2022 نحو 16.2 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، أي بزيادة تقارب 10% منذ عام 2000.
وفي الصومال، لا يظهر تغير المناخ كتهديد مستقبلي، بل كواقع يومي يمس الغذاء والمياه والنزوح، فقد شهدت البلاد خلال السنوات الأخيرة موجات جفاف متكررة أضرت بالمحاصيل وقتلت الماشية وجعلت مناطق واسعة أقل قدرة على دعم المجتمعات الرعوية والزراعية.
وتشير بيانات إنسانية حديثة إلى أن الصومال يواجه أزمة غذائية حادة بسبب الجفاف والصراع وخفض المساعدات، ففي أوائل 2026، كان نحو 6.5 مليون شخص معرضين لانعدام أمن غذائي شديد، مع توقع معاناة 1.84 مليون طفل دون الخامسة من سوء تغذية حاد، بينهم قرابة 500 ألف من سوء تغذية حاد وخيم، كما أسهمت خسائر المحاصيل والماشية وندرة المياه في نزوح نحو 278 ألف شخص.
المناخ والنزاع في دائرة واحدة
في تشاد، تتداخل هشاشة المناخ مع النزاع والفقر والنزوح. فمناطق مثل حوض بحيرة تشاد تواجه خليطًا من العنف المسلح، وتغير المناخ، والفيضانات، والجفاف، وتراجع الدعم الإنساني.
وتشير بيانات أوتشا إلى أن حوض بحيرة تشاد كان يضم حتى نهاية 2024 نحو 3.1 مليون نازح داخليًا في المنطقة، بينهم 2.3 مليون في نيجيريا، في انعكاس لتداخل العنف والهشاشة المناخية والاجتماعية.
كما تظهر بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن منطقة حوض بحيرة تشاد كانت تستضيف في ديسمبر 2025 نحو 6.43 مليون شخص متأثر، بينهم نازحون داخليًا ولاجئون وعائدون ومجتمعات مضيفة، ما يعكس حجم الضغط الإنساني في منطقة تقع عند تقاطع النزاع والمناخ والفقر.
وتشير استراتيجية المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في تشاد 2025–2028 إلى أن إقليم البحيرة يتأثر بانتظام بتداعيات تغير المناخ، بما في ذلك الفيضانات والجفاف، في وقت تواصل فيه البلاد استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين والنازحين.
من الرعي إلى النزوح
لا تقتصر آثار التغير المناخي على الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمعات البدوية والزراعية، فتراجع المراعي وندرة المياه يدفعان الأسر إلى تغيير مسارات التنقل التقليدية، أو بيع جزء من الماشية، أو الهجرة نحو المدن، أو الاعتماد على مساعدات إنسانية غير مستقرة.
ومع الوقت، لا تتغير وسائل العيش فقط، بل تمتد التحولات إلى الهوية الاجتماعية والعادات المرتبطة بالرعي والزراعة والتنقل الموسمي. فالأجيال الشابة في بعض المناطق لا ترث المهنة كما ورثها الآباء، بل تبحث عن دخل بديل في المدن، حتى لو كان هشًا وغير مستقر.
هنا يصبح المناخ عاملًا يعيد تشكيل المجتمع: يغيّر توزيع السكان، ويضغط على المدن، ويضعف شبكات التضامن التقليدية، ويزيد احتمالات الاحتكاك بين مجتمعات تتنافس على الماء والمرعى والأرض.
وتؤكد تقارير المناخ والتنمية أن النساء والأطفال هم من الأكثر تضررًا من ندرة المياه وتراجع سبل العيش الريفية، ففي الأردن، يوضح البنك الدولي أن النساء يتأثرن أكثر بانقطاع إمدادات المياه وشحها، لأن مهام النظافة والطهي والرعاية غالبًا ما تقع عليهن داخل الأسرة.
وفي الصومال وتشاد، يؤدي نزوح الأسر وفقدان الماشية وتراجع الغذاء إلى زيادة هشاشة الأطفال أمام سوء التغذية، ويدفع بعض الأسر إلى استراتيجيات بقاء قاسية، مثل إخراج الأطفال من المدارس، أو تزويج الفتيات مبكرًا، أو الاعتماد على العمل غير الآمن.
أزمة مناخ أم عدالة؟
تكشف هذه الأمثلة أن التغير المناخي لا يضرب الجميع بالطريقة نفسها؛ فالمجتمعات التي أسهمت بأقل قدر في الانبعاثات العالمية غالبًا ما تدفع الثمن الأكبر في صورة جفاف، ونزوح، وفقدان للماشية، وتراجع في الأمن الغذائي، لذلك، لا يمكن التعامل مع الأزمة بوصفها قضية بيئية فقط. فهي أيضًا قضية عدالة اجتماعية وإنسانية، تتعلق بحق الناس في الماء والغذاء والسكن والعمل والقدرة على البقاء في أراضيهم.
ويشير عدنان الخدام رئيس مجلس إدارة اتحاد مزارعي وادي الأردن إلى أن الخسائر الاقتصادية وارتفاع تكاليف الأعلاف والطاقة والهجرة نحو المدن وتهديد الأمن الغذائي تُعد نتائج مباشرة للتغيرات المناخية حتى وإن بدت تدريجية في بدايتها.
ويؤكد الخدام في حديثه لـ«صفر»، أن المجتمعات الزراعية والبدوية تُعد من أكثر الفئات تضررًا من أزمة المناخ رغم أن مساهمتها في التلوث العالمي محدودة مقارنة بالدول الصناعية الكبرى، مشيرًا إلى وجود فجوة واضحة بين الجهات المتسببة بالأزمة والفئات التي تدفع ثمنها بصورة مباشرة.
وحذرت وزارة الزراعة الأردنية من أن التغيرات المناخية تمسّ مباشرة المجتمعات الريفية والبدوية المعتمدة على الزراعة والثروة الحيوانية، داعية إلى تطوير خطط لإدارة المياه وحماية الأراضي الزراعية.
حلول مرتبطة بالإدارة والوعي
ويطرح رئيس مجلس إدارة اتحاد مزارعي وادي الأردن مجموعة من الحلول للتكيف مع التغيرات المناخية تقوم بالأساس على تطبيق الزراعة الذكية مناخيًا، من خلال استخدام أنظمة الري الحديثة لتقليل هدر المياه، وزراعة محاصيل مقاومة للجفاف والحرارة، وحصاد مياه الأمطار للاستفادة منها خلال فترات الجفاف.
كما تشمل الحلول إعادة تأهيل المراعي وتنظيمها للحد من التصحر، إلى جانب استخدام الطاقة الشمسية لتقليل تكاليف التشغيل، مع ضرورة دعم المزارعين والرعاة عبر التمويل والتدريب ونشر الوعي بأساليب التكيف البيئي وتعزيز الغطاء النباتي.
ويشدد الخدام على أن مواجهة الأزمة المناخية لا تتعلق فقط بحماية البيئة، بل بحماية المجتمعات التي تعتمد على الزراعة والرعي كمصدر رئيسي للحياة والاستقرار.

