منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من البطالة إلى الهجرة.. مخاوف اقتصادية تضرب جنوب إفريقيا مع تصاعد العداء للمهاجرين

11 يوليو 2026
احتجاجات مناهضة للمهاجرين في جنوب إفريقيا
احتجاجات مناهضة للمهاجرين في جنوب إفريقيا

تحولت الاحتجاجات المناهضة للمهاجرين في جنوب إفريقيا من مجرد أزمة اجتماعية مرتبطة بالتوترات المحلية، إلى مصدر قلق اقتصادي بعد أن بدأت تداعياتها تظهر على سوق العمل والقطاعات التي تعتمد بصورة كبيرة على العمالة الأجنبية وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار مغادرة المهاجرين إلى نقص في العمالة داخل قطاعات رئيسية، الأمر الذي قد يضيف ضغوطاً جديدة على اقتصاد يعاني بالفعل من تباطؤ النمو وارتفاع البطالة.

وذكرت وكالة الأنباء الإفريقية أن الأسابيع الأخيرة شهدت تصاعداً في الاحتجاجات المرتبطة بملف الهجرة، وسط غضب شعبي بسبب ارتفاع معدل البطالة وتفاقم المخاوف الأمنية، ما دفع آلاف المهاجرين إلى مغادرة جنوب إفريقيا خشية التعرض للعنف أو الاستهداف.

وجاءت هذه التطورات بعد مظاهرة وطنية نُظمت في 30 يونيو، ورغم مرورها بشكل سلمي في معظم المناطق، فإنها أسهمت في زيادة حالة القلق بين الجاليات الأجنبية المقيمة في البلاد.

نزوح واسع بين الجاليات الأجنبية

أعلنت السلطات أن أكثر من 60 ألف مواطن من زيمبابوي عادوا إلى بلادهم، إضافة إلى أكثر من 38 ألف مواطن من مالاوي، كما أعادت السلطات مئات المواطنين النيجيريين إلى بلدانهم. وتحدثت تقارير محلية عن قيام مجموعات من السكان في بعض المناطق بإجبار مهاجرين على مغادرة مساكنهم، ما دفع منظمات حقوقية إلى التحذير من تصاعد خطاب الكراهية ضد الأجانب.

ويرتبط تصاعد الاحتجاجات بشكل أساسي بالأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها كثير من المواطنين، إذ يبلغ معدل البطالة في جنوب إفريقيا نحو 33 في المئة، وهي من أعلى النسب المسجلة بين الاقتصادات الكبرى في العالم.

 ويربط بعض المحتجين بين وجود العمالة الأجنبية وتراجع فرص العمل، في حين تؤكد مؤسسات دولية أن هذه العلاقة ليست بهذه البساطة، وأن أسباب البطالة ترتبط بعوامل اقتصادية وهيكلية أوسع.

المهاجرون جزء من دورة الاقتصاد

تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نحو 2.6 مليون مهاجر كانوا يقيمون في جنوب إفريقيا عام 2024، ما يعادل نحو 5 في المئة من إجمالي السكان. وتوضح تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة العمل الدولية أن المهاجرين يسهمون بنسبة مهمة في النشاط الاقتصادي، في حين تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن إسهاماتهم قد تصل إلى نحو 9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يزيد على 43 مليار دولار، مع توقعات بارتفاع هذه النسبة بسبب النشاط الكبير للمهاجرين في الاقتصاد غير الرسمي.

ويعمل كثير من المهاجرين في قطاعات تعتمد على العمالة الكثيفة، مثل الزراعة والبناء والفندقة والمطاعم وتجارة التجزئة والنقل والخدمات اللوجستية، وهي قطاعات تحتاج إلى أعداد كبيرة من العمال ولا تجد دائماً بدائل محلية بالسرعة المطلوبة.

وتوضح تجربة متاجر “سبازا”، وهي محلات بقالة صغيرة يديرها عدد كبير من المهاجرين، حجم الترابط بين وجود العمالة الأجنبية والدورة الاقتصادية المحلية. فهذه المتاجر لا تخدم المستهلكين فقط، بل ترتبط بشبكات من الموردين وتجار الجملة وأصحاب العقارات ومقدمي الخدمات.

تداعيات تمتد إلى الشركات وسلاسل الإمداد

بدأت بعض الشركات الكبرى في رصد آثار التوترات المرتبطة بالمهاجرين في أنشطتها التشغيلية، وأعلنت مجموعة “شوبرايت” أن خدمة التوصيل التابعة لها “Sixty60” واجهت اضطرابات، بسبب اعتمادها الكبير على عمالة أجنبية في هذا القطاع، حيث يحمل أقل من ربع سائقي التوصيل الجنسية الجنوب إفريقية.

ويرى خبراء سوق العمل أن استمرار خروج العمالة الأجنبية قد يسبب نقصاً في قطاعات تحتاج إلى خبرات أو وظائف يقبل عليها المهاجرون بدرجة كبرى، وهو ما قد يؤثر في سرعة إنجاز المشاريع، ويؤخر بعض العمليات الزراعية، ويرفع تكاليف التشغيل بالنسبة للشركات.

البطالة والهجرة بين الجدل والحقائق

ترفض منظمات دولية تحميل المهاجرين مسؤولية أزمة البطالة في جنوب إفريقيا، حيث أكدت منظمة العمل الدولية في دراسة حول سوق العمل الجنوب إفريقي أن زيادة مشاركة المهاجرين في الاقتصاد لا تؤدي بالضرورة إلى تقليص فرص العمال المحليين، بل يمكن أن ترتبط بخلق فرص عمل جديدة من خلال تنشيط قطاعات اقتصادية مختلفة.

وترى المنظمة أن معالجة البطالة تحتاج إلى إصلاحات تتعلق بالتعليم والتدريب والاستثمار والنمو الاقتصادي، وليس إلى استهداف فئة محددة من السكان أو تحميل المهاجرين مسؤولية مشكلات اقتصادية تراكمت على مدى سنوات.

ضغوط جديدة على اقتصاد متباطئ

تأتي أزمة الهجرة في وقت يواجه فيه اقتصاد جنوب إفريقيا تحديات كبيرة. وخفض البنك الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد الجنوب إفريقي إلى نحو 1 في المئة خلال عام 2026، مقارنة بتوقعات سابقة بلغت 1.4 في المئة، كما أظهرت بيانات هيئة الإحصاء الجنوب إفريقية وصول عدد العاطلين عن العمل إلى نحو 8.1 ملايين شخص خلال الربع الأول من العام.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار مغادرة العمالة الأجنبية قد يؤدي إلى اضطرابات في بعض القطاعات، تشمل تأخير مواسم الحصاد الزراعي، وتعطيل مشاريع البناء، والتأثير في خدمات النقل والتوصيل، إضافة إلى تراجع النشاط في بعض مناطق الاقتصاد غير الرسمي.

كما يراقب المستثمرون هذه التطورات باعتبارها عاملاً إضافياً يزيد المخاطر الاقتصادية، رغم عدم تسجيل الأسواق المالية حتى الآن تأثيرات كبيرة ومباشرة نتيجة الاحتجاجات.

تأثير إقليمي يتجاوز الحدود

لا تقتصر تداعيات أزمة المهاجرين على جنوب إفريقيا فقط باعتبارها أكبر اقتصاد في القارة الإفريقية ووجهة رئيسية للعمالة من الدول المجاورة، بل تمتد إلى اقتصادات تعتمد على تحويلات العاملين في الخارج.

وذكر تقرير مشترك صادر عن مؤسسة فين مارك تراست والبنك المركزي الجنوب إفريقي أن قيمة التحويلات المالية إلى الدول المجاورة ارتفعت أكثر من ثلاثة أضعاف بين عامي 2016 و2024، لتتجاوز 19 مليار راند، أي نحو 1.16 مليار دولار. ويذهب نحو 90 في المئة من هذه التحويلات إلى ليسوتو ومالاوي وموزمبيق، في حين تستحوذ زيمبابوي وحدها على أكثر من 60 في المئة من إجمالي التحويلات.

تعد جنوب إفريقيا أكبر اقتصاد صناعي في القارة الإفريقية وأحد أهم مراكز جذب المهاجرين من دول المنطقة، خاصة من زيمبابوي ومالاوي وموزمبيق وليسوتو، وارتبطت الهجرة إليها منذ عقود بفرص العمل في التعدين والزراعة والخدمات والتجارة الصغيرة. وشهدت البلاد موجات متكررة من العنف ضد المهاجرين، كان أبرزها عام 2008 عندما أدت أعمال عنف واسعة إلى مقتل عشرات الأشخاص ونزوح آلاف الأجانب.

وترى الأمم المتحدة ومنظمة العمل الدولية أن معالجة ملف الهجرة في جنوب إفريقيا تحتاج إلى سياسات تركز على تحسين سوق العمل وتعزيز الحماية القانونية للمهاجرين، مع معالجة الأسباب الاقتصادية التي تغذي الغضب الشعبي، ما يضمن حماية حقوق الإنسان والحفاظ على دور الهجرة في دعم الاقتصاد الوطني.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print