منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بين جودة المحتوى وعدالة الفرص.. دعوات لإصلاح مناهج التعليم ضمن أعمال مجلس حقوق الإنسان

18 يونيو 2026
المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالحق في التعليم، فريدة شهيد
المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالحق في التعليم، فريدة شهيد

أكدت دول ومنظمات دولية وخبراء أمميون أهمية إعادة النظر في فلسفة التعليم ومناهجه وطرائق التدريس والتقييم، بما يضمن مواءمتها مع أهداف حقوق الإنسان والتنمية المستدامة، ويحافظ على حق الجميع في تعليم شامل وعادل وعالي الجودة، وذلك خلال الحوار التفاعلي مع المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالحق في التعليم، فريدة شهيد، في إطار أعمال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة في جنيف.

وجاءت المناقشات ضمن فعاليات الدورة الـ62 لمجلس حقوق الإنسان، حيث استعرضت المقررة الخاصة تقريرها الجديد حول المناهج الدراسية وطرائق التدريس والتقييم، مؤكدة أن هذه العناصر الثلاثة تمثل منظومة مترابطة تشكل طبيعة المجتمعات ومستقبل الأجيال، وأن الحق في التعليم لا يقتصر على إتاحة الوصول إلى المدارس، بل يشمل أيضاً مضمون التعليم وأهدافه والنتائج التي يحققها في بناء الإنسان وتعزيز كرامته وحقوقه.

وقالت فريدة شهيد، إن المناهج الدراسية تحدد المعارف والتواريخ واللغات والقيم التي يتم الاعتراف بها ونقلها إلى الأجيال الجديدة، بينما تحدد طرق التدريس ما إذا كان التعليم قائماً على المشاركة والثقة والتعاون أو على الطاعة والمراقبة والمنافسة، في حين يحدد نظام التقييم ما الذي تتم مكافأته وما الذي يتم تجاهله، ومن يُسمح له بالتقدم ومن يُترك خلف الركب.

الأنظمة التعليمية حول العالم

وأشارت إلى أن الأنظمة التعليمية حول العالم ما زالت تقيس النجاح التعليمي من خلال مؤشرات أداء ضيقة ونتائج الامتحانات والتصنيفات الدولية، وهو ما يؤدي إلى تهميش جوانب أساسية يصعب قياسها مثل الإبداع والتعاطف والفهم الثقافي والحكم الأخلاقي والتفكير النقدي، رغم أنها تشكل جوهر التنمية الإنسانية.

وحذّرت المقررة الخاصة من أن أنظمة التقييم التقليدية قد تتحول إلى أدوات للفرز الاجتماعي وإعادة إنتاج أوجه عدم المساواة بدلاً من دعم التعلم، لافتة إلى أن ملايين الطلاب ينفصلون عن التعليم ليس بسبب ضعف قدراتهم، وإنما لأن الأنظمة التعليمية لا توفر المرونة الكافية أو فرص التعافي أو بدائل متنوعة لقياس التقدم الدراسي.

ودعت إلى التحول من فلسفة تصنيف الأداء إلى فلسفة دعم التعلم، عبر تقليل الاعتماد على الامتحانات الموحدة عالية المخاطر، وتعزيز أساليب التقييم التكويني، وملفات الإنجاز، والمشروعات، والتقييم الذاتي وتقييم الأقران، بما يسمح بالاعتراف بالكفاءات والمهارات المتنوعة لدى المتعلمين.

التعليم وحقوق الإنسان

وأكدت أن التعليم القائم على حقوق الإنسان يجب أن يضع المتعلم في مركز العملية التعليمية، وأن يكون شاملاً وتشاركياً وقائماً على الأمان والثقة، مشددة على ضرورة تمكين المعلمين من ممارسة الحكم المهني وتكييف أساليب التدريس وفق احتياجات الطلاب والواقع المحلي، بدلاً من تقييدهم بمناهج جامدة أو اختبارات مفرطة أو ظروف عمل صعبة.

ونقلت المقررة الخاصة في تقريرها أصوات أكثر من 300 طفل وشاب شاركوا في إعداد الدراسة، حيث عبّر كثير منهم عن شعورهم بوجود فجوة بين الدراسة والحياة الواقعية.

وقال أحد المشاركين إن المدارس تعلم الطلاب كيفية اجتياز الاختبارات أكثر مما تعلمهم كيفية التفكير والإبداع وحل المشكلات، بينما أكد آخرون أن التعليم يجب أن يساعدهم على مواجهة تحديات المستقبل المرتبطة بتغير المناخ والذكاء الاصطناعي والنزاعات وعدم المساواة وتراجع الثقة بالديمقراطية.

وأوضحت أن الشباب طالبوا بتعليم يعزز حقوق الإنسان والصحة النفسية والكفاءة الرقمية والإبداع والقدرة على العمل والتعايش مع الآخرين، بدلاً من اختزال العملية التعليمية في متطلبات سوق العمل فقط.

سلامة البيئة التعليمية

وفي جانب آخر من تقريرها، عرضت فريدة شهيد نتائج زيارتها إلى المجر خلال العام الماضي، حيث ركزت على أوضاع الفئات المهمشة والحرية الأكاديمية وسلامة البيئة التعليمية.

وأشادت ببعض البرامج الحكومية التي تستهدف دعم الأطفال المحرومين ومنع التسرب المدرسي، لكنها أشارت إلى استمرار تحديات هيكلية تتعلق بالفصل والتمييز ضد أطفال الروما، وعدم تكافؤ فرص التعليم للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.

وأعربت عن قلقها من آثار بعض الإصلاحات السابقة على الحرية الأكاديمية واستقلال الجامعات، داعية إلى رفع سن التعليم الإلزامي مجدداً إلى 18 عاماً، وتعزيز التعليم الشامل للأطفال ذوي الإعاقة وصعوبات التعلم، وتخفيف أعباء المناهج والامتحانات، وإعطاء الأولوية للتفكير التحليلي والإبداع وحل المشكلات.

من جانبها، أكدت المجر، بصفتها الدولة المعنية بالتقرير، أن الحكومة الجديدة التي تشكلت عقب الانتخابات البرلمانية الأخيرة بدأت بالفعل العمل على إصلاحات واسعة في قطاع التعليم، مشيرة إلى أن نظام المناهج سيخضع لمراجعة شاملة تهدف إلى تزويد الطلاب بالمهارات والمعارف اللازمة للقرن الحادي والعشرين.

تعزيز أساليب التعليم

أوضحت المجر أن الإصلاحات المرتقبة ستنتقل من نموذج يركز على الحفظ والمعرفة التقليدية إلى نموذج قائم على تنمية مهارات التفكير النقدي والإبداع والتواصل والعمل الجماعي وحل المشكلات، مع تعزيز أساليب التعليم المخصصة التي تراعي الفروق الفردية بين الطلاب.

وأكدت التزامها بضمان الحرية الأكاديمية واستقلال مؤسسات التعليم العالي، واستئناف التعاون الكامل مع البرامج الأكاديمية الأوروبية، بما في ذلك برنامج “إيراسموس بلس”، عقب تسوية الخلافات مع المفوضية الأوروبية.

بدوره، شدد الاتحاد الأوروبي على أن الحق في التعليم لا يقتصر على الوصول إلى المدارس، وإنما يشمل مضمون التعليم وجودته وأهدافه، مؤكدا أهمية اعتماد مناهج وطرائق تدريس تعزز التفكير النقدي والإبداع والمهارات الرقمية والمشاركة المدنية واحترام التنوع، مع معالجة التمييز والإقصاء وعدم المساواة.

وأشار الاتحاد إلى أنه يعد أكبر مستثمر عالمي في قطاع التعليم، حيث يخصص أكثر من 10% من ميزانية شراكاته الدولية للتعليم، بما يتجاوز 6 مليارات يورو، وهو ما أسهم في إتاحة الوصول إلى معلمين مدربين لملايين الأطفال حول العالم.

أما دول الشمال الأوروبي، في بيان ألقته آيسلندا نيابة عنها، فقد رحّبت بتركيز التقرير على أهداف التعليم ودور المتعلمين وأولياء الأمور في صياغة السياسات التعليمية، مؤكدة أن المناهج وطرق التدريس يجب أن تعزز حقوق الإنسان والتسامح والمعرفة والمشاركة المجتمعية، مع مراعاة خصوصية المجتمعات المحلية والانفتاح على الواقع الدولي.

أهمية تحسين جودة التعليم

وفي السياق نفسه، أكدت المجموعة العربية، في بيان ألقاه السودان، أهمية تحسين جودة التعليم في المناطق الحضرية والريفية، مشددة على ضرورة إعادة بناء المدارس والجامعات التي دمرت في الأراضي الفلسطينية المحتلة ولبنان، وما ترتب على ذلك من حرمان أعداد كبيرة من الأطفال والشباب من حقهم في التعليم.

وأكدت الدول العربية مواصلة جهودها لتطوير البيئات التعليمية وتحسين جودة المعلمين وتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي ووسائل التعلم الإلكتروني، مع تعزيز دمج الأطفال ذوي الإعاقة واحترام التنوع الثقافي والقيمي داخل المجتمعات.

وأعربت منظمة التعاون الإسلامي، عبر بيان ألقته باكستان، عن قلقها إزاء أوضاع مئات الآلاف من الأطفال الفلسطينيين الذين حُرموا من التعليم نتيجة تدمير المدارس والجامعات بسبب العمليات العسكرية الإسرائيلية، مؤكدة أن استهداف البنية التحتية التعليمية يهدد مستقبل أجيال كاملة ويحرم الأطفال من التمتع بحقوق إنسانية أساسية أخرى.

وفي المقابل، ركّزت مجموعة أصدقاء الدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة، التي تحدثت باسمها فنزويلا، على التحديات العالمية المتعلقة بالتمويل وعدم المساواة في فرص التعليم، مشيرة إلى أن أكثر من 250 مليون طفل وشاب ما زالوا خارج المدارس، فيما يعاني مئات الملايين من الأمية، خاصة في الدول النامية.

ودعت المجموعة إلى زيادة الاستثمارات الدولية في التعليم، وتعزيز التعاون الدولي لدعم الفئات ذات الدخل المنخفض وسكان المناطق الريفية والنائية، باعتبار التعليم أداة رئيسية لتحقيق السلام والعدالة والتنمية المستدامة.

توفير محتوى تعليمي نوعي

كما شددت المجموعة الإفريقية، في بيان ألقته كينيا، على أهمية توفير محتوى تعليمي نوعي وتمكيني يحترم الكرامة الإنسانية ويعزز المهارات الاجتماعية والعاطفية إلى جانب المعارف الأكاديمية، مع وضع المعلمين في قلب عملية التحول التعليمي.

فيما أكدت دول مجلس التعاون الخليجي، في بيان ألقته البحرين، أن التعليم يمثل ركيزة أساسية في رؤيتها للتنمية المستدامة، مشيرة إلى الاستثمارات الكبيرة التي ضختها خلال السنوات الماضية لتطوير أنظمة التعليم وتعزيز التحول الرقمي والابتكار والمهارات المستقبلية.

وشددت دول المجلس على أن تطوير المناهج وأساليب التدريس يجب أن ينطلق من الأولويات الوطنية لكل دولة مع مراعاة القيم الاجتماعية والاحتياجات المجتمعية المختلفة، إلى جانب دعم المعلمين وتعزيز الشراكة بين المدرسة والأسرة والمجتمع.

وتناولت عدة وفود قضية التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وتأثيرهما على التعليم. وأكدت مجموعة دول آسيا والمحيط الهادئ، التي تحدثت باسمها بنغلاديش، أن الرقمنة والذكاء الاصطناعي يوفران فرصاً واسعة لتوسيع الوصول إلى التعليم، لكنهما يحملان أيضاً مخاطر تعميق الفجوات الرقمية القائمة إذا لم تقترن هذه التحولات بسياسات عادلة وشاملة.

وفي ختام الحوار، برز توافق واسع بين الدول والمجموعات الإقليمية على أن مستقبل الحق في التعليم، لا يتوقف فقط على توسيع فرص الالتحاق بالمدارس، بل يرتبط أيضاً بإعادة التفكير في فلسفة التعليم ذاتها، بحيث يصبح أكثر إنسانية وشمولاً وقدرة على إعداد الأجيال لمواجهة تحديات عالم سريع التغير.

وأظهرت المناقشات إجماعاً متزايداً على أن جودة التعليم يجب أن تُقاس بقدرته على بناء التفكير النقدي والإبداع والكرامة الإنسانية والمواطنة الفاعلة، وليس فقط بنتائج الاختبارات والمؤشرات الرقمية، في وقت تتصاعد فيه الدعوات الدولية لإصلاح أنظمة المناهج والتقييم بما ينسجم مع مبادئ حقوق الإنسان وأهداف التنمية المستدامة.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print